ينتظر العالم والأمريكيون في هذه الأثناء، يوم «الثلاثاء الكبير» من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، وهو موعد الاستحقاق الانتخابي للمواطن الأمريكي، في تلك اللحظة سُيحدد مستقبل العلاقات الأمريكية الدولية ومصير المجتمع الأمريكي؛ لما يُعانيه من أزمة داخلية متراكمة انفجرت في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد، وسوء تعامل إدارة ترامب بالأزمة، وما نتج منها من احتجاجات واضطرابات. حتى اللحظة تنهمك الأوساط السياسية والإعلامية حول العالم وداخل أمريكا لرصد التوقعات حول من سيفوز بالانتخابات المُقبلة. ليس لأهمية برامج المنافسين (ترامب وبايدن) فقط، وإنما لما أحدثته إدارة ترمب من اضطراب دولي، و«خلخلة» في نظريات العلاقات الدولية، وشعبوية همجية لترامب لم تكن حاضرة في الرؤساء السابقين. فمنذ وصوله للبيت الأبيض عام 2017 وحتى اللحظة، لم تسلَم دولة أو منظمة أو شركة عالمية من تصرفاته وخطابات الكراهية ونظرته الدونية إلى الآخر. وقد ظهر هذا الخطاب العنصري مؤخرًا تجاه شريحة مهمة وحيوية في التركيبة الأمريكية وهي السود.

والمسألة التي تُثيرها ولاية ترامب الحالية والأزمة العالمية الراهنة هي لماذا يجب أن يحظى بايدن بالرئاسة وكيف [سينجو] العالم حيال ذلك؟

جو بايدن هو المرشح الديمقراطي المُنافس لترامب في المعترك الانتخابي المُقبل، حيث إن لهُ تاريخًا طويلًا من الخبرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، كونه عمل نائبًا للرئيس أوباما ( المنصب الثاني المهم بعد رئيس الولايات) طيلة ولايتي الأخير. وقد سبق ذلك أيضًا العيش في ثنايا وأروقة الكونجرس كعضو ديمقراطي طيلة ثلاثة عقود، وفي حال فوزه بالانتخابات ستكون الرئاسة تتويجًا لمسيرة سياسية تُشبه مسيرة رونالد ريجان، الرئيس الأمريكي (العجوز). وهذا بحد ذاته فرصة لأمريكا لإعادة ترتيب الأوراق الدولية والأمريكية الداخلية.

لا يوجد في برنامج بايدن الانتخابي ما يُثير الانتباه كونه يسير على نهج الرؤساء الديمقراطيين (تحديدًا)، ويُريد أن يُعيد عجلة السياسة الأمريكية إلى ما قبل حقبة ترامب الأولى. ولكن ما تجب الإشارة إليه هو أن أغلبية المواطنين الأمريكيين لا تعنيهم عند الاقتراع علاقة بلادهم بدول العالم والسياسة الدولية. وإنما يتربع الأمن الوظيفي والصحي على قمة أولوياتهم، وهذا على أية حال، يدعم فرص بايدن بالفوز. ففي استطلاع لشبكة «CNN» حول الرأي العام الأمريكي تجاه ترامب وبايدن، تقدم الأخير بنسبة 51% على منافسه الجمهوري. وهذا بحد ذاته يُظهر مدى تنمر الوسط الشعبي ضد الرئيس ترامب وإدارته.

أما ترامب وفي حال خسارته بالانتخابات المقبلة فإن التاريخ سيسجل برأيي أنه كان من أسوأ الرؤساء الذين عاشوا في البيت الأبيض، مُتقدمًا في ذلك على الرئيس الأسبق جورج بوش الابن. هذا إلى جانب أن فترة ترامب كشفت عن زيف القيم الديمقراطية الأمريكية أثناء تصدي الشرطة الفيدرالية للاحتجاجات المُنددة بمقتل جورج فلويد.

يمكن استشراف ميزة الانتخابات المُقبلة في ضرورة خسارة ترامب بولاية ثانية لما سيُعانيه المجتمع الدولي من استكمال ترامب لمشروعاته في حال إعادة انتخابه. فعلى صعيد مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيواصل ترامب قراراته وخططه التي تُعنى بتصفية قضية الفلسطينيين والتي سيتوجها بخطته المعروفة «صفقة القرن». أما في حال فوز بايدن فإنه يرى بإقامة دولة للفلسطينيين رغم تحفظاته وانحيازه لإسرائيل. وفي السياق الدولي ستكون هناك العديد من القضايا التي تنتظر «الثلاثاء الكبير»، مثل الملف النووي الإيراني، وعلاقة أمريكا بالاتحاد الأوروبي، وربما الأهم من ذلك، هو التوتر الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة ومخاوف انفجار العلاقات بين بكين وواشنطن في ضوء الصعود الصيني.

وتُمنح الانتخابات القادمة أهمية أيضًا، موقف ورد فعل ترامب في حال خسارته وكيف سيتعامل إزاء ذلك. فكثير من المراقبين السياسيين وحتى بايدن نفسه يتخوف من أن يُعرقل ترامب نتيجة الانتخابات ويَحول الاستحقاق الانتخابي عن طريق الطعن وتوجيه الاتهامات. فضلًا عن طريقة ذلك، والتي ربما ستُشعل أزمة سياسية، وخاصةً أن لترامب خصومًا في الكونجرس، والإعلام، والشركات الكبرى، وشرائح الاحتجاجات المُنددة بالعنصرية. وبالنظر إلى النظام الدولي الحالي والتحولات التي تشهدها السياسة الدولية، فإن المكانة والدور الأمريكي ستواجهان تغيرات لاسيما بعد صعود الصين وروسيا ودورهما الاستراتيجي.

الرئيس ترامب استنفد ولايته الأولى بوابل من القرارات التي لامست حيثيات النسق الدولي. ولهذا سينتظر العالم ماذا سيفعل ترامب في حال إعادة انتخابه بالولاية الثانية وماذا تبقى أصلًا في جُعبته؟ وهل مصير مكانة أمريكا مرهون به؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد