أطلق جو بايدن الرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية وعدًا بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وكانت نهاية شهر أغسطس (آب) من السنة الجارية بداية لتجسيد هذا الوعد، لكن حركة طالبان حولت رومانسية مشهد تسليم مفاتيح الحكم للحكومة الأفغانية، إلى تراجيديا أدهشت العالم، بعد سيطرة الحركة على الولايات الأفغانية تباعًا، في ساعات معدودة، ووصولها إلى العاصمة كابل، وسقوط القصر الرئاسي، ضف إلى ذلك هروب الرئيس محمد أشرف غني، وبداية عهد جديد تلفه ضبابية حول القادم، وقد رفعت مشاهد إجلاء العديد من الحكومات ومنها الولايات المتحدة الأمريكية رعاياها من أفغانستان، والصور المؤلمة لمواطنين أفغان يتشبثون بعجلات وأجنحة طائرة حربية أمريكية، على وشك الإقلاع، كأنها حبل نجاة من الجحيم، درجة الرعب من تبعات سيطرة حركة طالبان على مفاصل الدولة، لتطفو إلى السطح العديد من الأسئلة حول فعالية قرار الرئيس جو بايدن، ودرجة الثقة المفرطة في الجيش الأفغاني الذي تلقى تدريباته برعاية أمريكية، وفشل مع أول اختبار في حماية إرث بلاد العم سام في أفغانستان.

ومن أهم هذه الأسئلة هل الخروج الأمريكي من أفغانستان لم يكن مدروسًا وممنهجًا، ودواليب القرار في البيت الأبيض لم تع جيدًا عواقبه وتبعاته؟ أم هو صورة جديدة لنظرية الفوضى الخلاقة؟ المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وترسانتها الاستخبارتية تعرف جيدًا قدرات حركة طالبان القتالية، وتعرف أيضًا غنائم الأسلحة، والمعدات العسكرية التي تركتها خلفها يوم خروجها من كابل، والتي أصبحت الآن دعمًا مجانيًا للحركة ومقاتليها، وربما ستساهم عاجلًا أم آجلًا في قلب موازين القوى في المنطقة، ورضوخ عدد من القوى العظمى لمبدأ التفاوض مع حركة طالبان أكبر دليل على ذلك.

الولايات المتحدة الأمريكية التي يرى العام والخاص أنها خسرت مليارات الدولارات في حرب استنزاف في أفغانستان، وانسحبت منها وهي تجر أذيال الخيبة، وكومة من الأسئلة عن الذي جنته من هذه الحرب، تتقن لعبة السياسة القذرة، وتتقن أيضًا صناعة الورم، والتظاهر بالرغبة في استئصاله، وعادة ما تفسح له الطريق ليكبر، ويتفنن في صناعة الموت، والتفجيرات التي شهدها مطار العاصمة الأفغانية مؤخرًا، وتبناها «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، هي سطر أول في سيناريو ستتعدد فصوله وأحداثه، وهي تكريس لنظرية الفوضى الخلاقة في أقذر صورها، وقد رمت في حضن من رسموا حدث وصول حركة طالبان إلى سدة الحكم في أفغانستان كفتح إسلامي مبين، من جديد إشكالية المواجهة في جماعات الإسلام السياسي، وسؤال من يقتل من؟ وكيف ستكون مفرزات هذا الصدام، وتأثيراته على واقع ويوميات الشعب الأفغاني.

إن المتتبع لكرونولوجيا الأحداث في أفغانستان، وطريقة تناول وسائل الإعلام العالمية لمجرياتها، وتركيزها على موضوع المرأة والحريات الفردية، في ظل حكم حركة طالبان، وتغذيتها للإسلاموفوبيا، بتصوريها لذهنيات مقاتلي الحركة، كعقيدة للحكم في الإسلام، سيرسخ في ذهنه تلقائيا أن الولايات المتحدة الأمريكية تستثمر في سقوطها، وترغب في زعزعة ثقة الشعب الأفغاني في قدرة حركة طالبان على تسيير شؤون البلد، لكن ما يجب أن يعرفه المتلقي هو أن إستراتيجية صناعة الفوضى ترتكز أساسًا على مبدأ الفشل، والفراغ الذي يخلقه، والوصول إلى نظام سياسي يسد هذا الفراغ عادة، هو رهان له فاتورة يتم تحريرها على أنقاض الخراب وجثث الآلاف من الأبرياء، وساذج من يظن أن حركة طالبان ستواصل حكمها في أفغانستان في ظلال جنة وردية، والأيام القادمة ستكشف هزات ارتدادية جيوسياسيا، تبدد التفاؤل المفرط الذي طفا عند الكثيرين، من الذين هللوا لهزيمة جديدة لأمريكا، بتوقيع مقاتلي حركة طالبان.

وبتواصل أحداث ما بعد الخروج الأمريكي من أفغانستان وتسارعها، يراقب الشعب الأفغاني مصير بلده في صمت، منتظرًا شعاع نور يحمل البلد وأهله إلى مرافئ الأمان، بعيدًا عن ساحات الحروب، والصراعات السياسية والعسكرية، وتدخلات القوى الأجنبية، وتصرخ روحه مرارًا على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد