رغم كثرة الحديث إعلاميًا وسياسيًا وأيديولوجيًا عن تدريب الولايات المتحدة الأمريكية للمعارضة السورية، وتوقعات المحللين بأن يؤدي تسليح المعارضة إلى إقرار التوازن إقليميًا في المنطقة أمام الدعم الروسي للأسد، أقر الكونجرس الأمريكي بفشل برنامج تدريب المعارضة السورية ليبرز صعوبة مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لضرب معاقل “تنظيم الدولة” أو ما يعرف إعلاميًا باسم “داعش”، لتتصدر الجماعات المسلحة المشهد باستيلائهم على أسلحة المعارضة السورية التي دربتها الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع توغل روسيا عسكريًا في سوريا، أقرت الولايات المتحدة بضرورة التوجه للحل السياسي لمواجهة الأزمة السورية التي تفاقمت منذ أكثر من أربع سنوات، وهو ما أكده وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بقوله، إن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لحل الأزمة، كاشفـًا عن محاولات لمشاركة روسيا وإيران لحل الصراع في سوريا، لتخطو روسيا عسكريًا بشن غاراتها في سوريا لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، في الوقت الذي استولت فيه جبهة النصرة والجماعات المسلحة على أسلحة المعارضين السوريين الذين دربتهم أمريكا بعد تردد شابه الحذر والحرص مما قد تفرضه التوازنات الإقليمية بعد رحيل الأسد.

تدريب المعارضة السورية

بدأ البرنامج الأمريكي لتدريب وتجهيز من وصفوهم بالمعارضة السورية المعتدلة منذ أوائل مارس/آذار 2015، بناءً على قرار أجازه مجلس النواب الأمريكي في شهر سبتمبر 2014، لخطة الرئيس باراك أوباما لدعم وتسليح “المعارضة السورية المعتدلة” بتمويل بلغ قيمته خمسمائة مليون دولار. وقد سبق هذا القرار عدة قرارات بالإضافة للتلويح بعمل عسكري ضد النظام السوري عقب استخدام النظام للأسلحة الكيماوية في غوطة دمشق، رغم تحفظها في بادئ الأمر على تقديم الدعم العسكرية للمعارضة السورية وعلى نوعية الأسلحة المقدمة رغم إعلانها مرارًا وتكرارًا عبر ساستها دعمهم للشعب السوري في ثورته ضد نظام الأسد.

وعلى خلفية التطورات الميدانية والاستمرار في تدهور الأوضاع في سوريا تزايدت الضغوط على إدارة الرئيس أوباما داخليًا وخارجيًا لتبنّي سياسة أكثر وضوحًا وفاعلية، فاتخذت الإدارة الأمريكية خطوة بتقديم مساعدات عبارة عن أجهزة رؤية واتصال ومناظير وهوائيات وسترات ضد الرصاص، مع إشراف أمريكي على تزويدهم بالسلاح الخفيف الذي كان يأتي من قطر والسعودية عبر تركيا.

ومع دخول كل من إيران وحزب الله على خط المواجهة العسكرية إلى جانب النظام السوري، واستخدام الأسلحة الكيماوية اتجهت الولايات المتحدة إلى التفكير جديًا في إرسال أسلحة نوعية لتغيير المعادلة الإقليمية في الصراع السوري.

ولكن التردد والحذر الأمريكي في تسليح المعارضة السورية بالأسلحة الفتاكة، أدى إلى صعود الفصائل الإسلامية الأكثر تشددًا كتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، كما أشار إليها السفير الأمريكي السابق لدى سوريا روبرت فورد الذي أكد أن استقالته ومغادرته لمنصبه بسبب كونه قد وصل إلى حال لا يستطيع معها الدفاع عن سياسية الولايات المتحدة المتعلقة بالأزمة السورية.
وبعد سنوات من اللامبالاة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، تحول الموقف الأمريكي بعد توغل تنظيم الدولة وانضمام المقاتلين الأجانب لصفوفه، التي باتت تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة خاصة مع سيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا، ومن ثم كانت أولوية الولايات المتحدة ليست سوريا بل “تنظيم الدولة” يليها العراق، وهو ما أشار إليه مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة في لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي بقوله: “إن الضربات الجوية في سوريا لن تكون ساحقة مثل الهجمات الجوية في حرب العراق، ولكنها ستكون حملة متكررة ومتواصلة”.

ومن هنا يتضح أن هدف أمريكا من دعم المعارضة كان إيجاد قوة حليفة لها على الأرض تعمل بالوكالة على تنفيذ سياسات الولايات المتحدة وحماية مصالحها في سوريا، وهو ما دفع بتركيا إلى رفض المشاركة في التحالف ضد محاربة داعش، ولكن نتيجة فشل استراتيجية أوباما في الحرب على تنظيم الدولة حتى الآن، وتصاعد الانتقادات داخليًا وخارجيًا لإدارته، ونتيجة لضغوط تركيا وحلفاء آخرين على الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت بوادر تقارب أمريكي – تركي، وربما صفقة غير معلنة حول تدريب وتسليح “المعارضة السورية المعتدلة” قدمت فيها الولايات المتحدة بعض التنازلات كتدريب وتجهيز قوات المعارضة السورية لقتال كل من تنظيم الدولة ونظام الأسد وهو ما أكده وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو.

جدير بالذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” قد أعلنت عن تحديد 1200 مقاتل من المعارضة السورية للمشاركة المحتملة في برنامج للتدريب والتسليح بقيادة الجيش الأمريكي، وأوضحت الوزارة أن المقاتلين سيخضعون لعملية تدقيق قبل الانضمام إلى البرنامج الذي بدأ بالفعل في مارس الماضي، في مواقع متعددة خارج سوريا، كما كشف مسئول أمريكي أنه قد يجري تدريب ثلاثة آلاف مقاتل مع نهاية عام 2015.

الفشل الأمريكي

ومع إرسال دفعات المقاتلين المتدربين للداخل السوري، تم اختطاف بعضهم والاستيلاء على أسلحتهم وذخائرهم، وهو ما دفع بالولايات المتحدة للإقرار بفشلها في تدريب المعارضة السورية وإيقاف برنامجها التسليحي، وهو ما أكده “بيتر كوك” المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، بقوله إن بلاده أوقفت بشكل مؤقت جلب متطوعين من سوريا لتدريبهم في برنامج التسليح والتدريب الأمريكي، حتى يتم إعادة تقييم البرنامج فيما يتواصل تدريب الدفعة الثالثة من المعارضة.

وأضاف كوك “نحن نواصل تجنيد وتدقيق خلفيات متطوعين محتملين لبرنامج الدريب والتسليح، فيما نواصل إعادة تقييم البرنامج”.

ولم يتبق من الدفعة الأولى من المعارضة السورية المعتدلة التي دربتها الولايات المتحدة ضمن برنامج التدريب والتسليح، سوى 4 أو 5 متطوعين من مجموع 45 مقاتلاً تولت واشنطن تدريبهم، وذلك بعد أن اختطفت “جبهة النصرة” عددًا منهم لدى دخولهم الأراضي السورية؛ حيث كان يفترض بهم البدء بمقاتلة “داعش”، فيما سلم قائد الدفعة الثانية والمكونة من70من المتدربين الذين أنهوا البرنامج الأمريكي، أسلحة ومعدات إلى “جبهة النصرة” حال وصوله إلى سوريا، لتواجه إدارة الرئيس الأمريكي انتقادات بسبب رفضها التدخل عسكريًا في سوريا بالإضافة لفشلها في تدريب المعارضين السوريين. هذا ومن المفترض أن تشتمل الدفعة الحالية من المتدربين قوة قوامها 120 متدربًا، في حين أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تدريب مقاتلين سوريين بشكل سري.

جبهة النصرة تتصدر

يذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تصادر فيها “جبهة النصرة” أسلحة أمريكية من قوات المعارضة السورية “المعتدلة”، حيث قامت بعد ازدياد نفوذها في محافظة إدلب، وإعلانها الحرب على “جبهة ثوار سوريا” والعناصر المساندة لها، بمصادرة عدد من الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات “تاو”.

كانت “النصرة” قد اقتحمت في وقت سابق أوائل مارس الماضي “الفوج 46” بعد تهديد حركة “حزم” والتي كانت تحت سيطرتها، ثم الاشتباك معها لاتهامها بقتل قيادات في “جبهة النصرة”، لتستولي منها على الصواريخ الأمريكية “التاو” والأسلحة الرشاشة بحوزة الفوج، بالإضافة إلى قذائف الهاون والذخائر، وصناديق المعونات الغذائية التي حملت شعارات أمريكية كتب عليها “لأجل الشعب السوري من الولايات المتحدة الأمريكية”، لتتصدر “جبهة النصرة” المشهد بتحديها للبرنامج الأمريكي والاستيلاء على أسلحة مقاتليها، بل تعدى الأمر لانضمام بعض المقاتلين للجبهة وتنظيم الدولة وهو ما تنفيه الإدارة الأمريكية.

قراءة المشهد

وفي هذا السياق، قالَ المحلل السياسي والكاتب الصحفي، عبد الوهاب بدرخان، إنّ الولايات المتحدة الأمريكية غير جادة في قضية مشروع برنامج تدريب المُعارضة السورية المُعتدلة. وفي المقابل، قالت المحللة السياسية، هيام نعواس، إنّ الإدارة الأمريكية تسعى لإيجاد حل للأزمة السورية، لكن هناك تخبط في مواقف الإدارة.
وأوضحت نعواس أنّه: “هناك نوع من التخوف وعدم وضوح الرؤية في المواقف الأمريكية”، لافتًا إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية خسرت أموالاً طائلة في قضية برنامج تدريب المعارضة السورية. وفي تأكيد لفشل السياسة الأمريكية، أفاد تقرير فيدرالي بأن الولايات المتحدة “بصدد خسارة معركة” منع الأمريكيين من الالتحاق بالجماعات الإرهابية، وعلى الخصوص تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وجاء في التقرير أنه ورغم كون أغلب المجندين الجدد يأتون من مناطق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلا أن هناك الآلاف من المقاتلين القادمين من الغرب تمكنوا من السفر إلى المنطقة، وأن منهم 250 أمريكيًا سافر أكثر من نصفهم خلال العام الماضي إلى التنظيم من ضمنهم 30 فتاة. ورغم الفشل الأمريكي بتدريب المعارضة السورية رغم إنفاق الملايين إلا أنها استمرت خشية من فقد نفوذها الإقليمي في سوريا، وهي الآن تسعى لمراقبة الوضع عن كثب وبالتعاون مع روسيا التي بدأت بشن ضرباتها الجوية داخل سوريا لدعم نظام الأسد الذي تعارضه كل من السعودية وتركيا .

ويبقى السؤال هل ينجح الدب الروسي في وأد حركات المعارضة السورية وتحجيم دور الولايات المتحدة والتحالفات الإقليمية المناهضة لنظام الأسد بجعل سوريا مسرحًا للعمليات الروسية في المنطقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد