من المقال السابق نفهم أن للسياسات الخارجية الأمريكية صلةً وثيقة بالعمليات السياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. إذ يحاول هذا المقال تحديد خطوطها العريضة للسياسات الخارجية الأمريكية إزاء الشرق الأوسط والعالم العربي، الأمر الذي يسهل تقديم تصور أعمق لمجريات الأحداث في العالم العربي اليوم، بل تمهيد مناسب لفهم السياسات الانتخابية والمالية، في المقالات اللاحقة، بل يمنحنا القدرة على التنبؤ بمستقبلها على المدى المنظور على أقل التقديرات.

منظرو السياسة الخارجية الأمريكية

غمرت الولايات المتحدة والغرب عمومًا موجة عارمة من التفاؤل إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، إنها نشوة الانتصار التي دفعت فرنسيس فوكوياما (Yoshihiro Francis Fukuyama) إلى إعلان ظهور «الإنسان الأخير» ونصر الديمقراطية الليبرالية «نيوليرالية»، وتفوقها على الاشتراكية، بدلالة النصر الذي حققته. ويتابع أستاذه صمويل هنتنجتون(Samuel Phillips Huntington) ، الذي قدم رؤية كانت بمثابة نعوة لعصر الأيديولوجية، أعادت فيها الاعتبار إلى التمايزات الحضارية، أو (التكتلات الجيوبوليتيكة) التي فقدت قيمتها إبان الحرب الباردة والعهد السوفيتي.

ولم يبق تنظير المحافظين منحصرًا في الأوساط الأكاديمية وحسب، بل كلا الرجلين شغلا مناصب مهمة في مؤسسات إدارة القرار الأمريكي، وكان قد تجلى ذلك مع زبينغو بريجنسكي(Zbigniew Brzezinski) الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة جيمي كارتر بين عامي 1977– 1981. بمعنى أن التنظير السياسي بات مؤثرًا في السياسات الخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى السياسات الخاصة لكل إدارة حكمت الولايات المتحدة. وبالتالي يمكن وضع محددات للسياسات الخارجية الأمريكية بناء على التوجهات الفكرية لمنظري السياسات الأمريكية. والتي يمكن ثكثيفها بأن الولايات المتحدة تسعى إلى بناء قوة عالمية وحيدة ومهيمنة، بحيث لا تسمح لأي قوة جيوبوليتيكية بالنمو، لتكون منازعًا أو منافسًا، كما لن تسمح للدول التابعة لها بالخروج عن كونها تابعة منصاعة لإرادتها، وتجنب أشكال التواطؤ مع التابعين وإبقاؤهم في حالة تبعية تبرر سلامتهم، وتنمية طواعية الرعايا التابعين، ومنع البرابرة من تشكيل تحالفات هجومية معادية[1] على حد تعبير بريجنسكي. بالإضافة إلى السيطرة على أوراسيا، الذي سيؤدي بضرورة الحال إلى منح الولايات المتحدة القدرة على التحكم بالعالم. والعمل الدؤوب على منع ظهور منافسين جدد، والسيطرة على منابع الطاقة، وأخيرًا والأهم وهو استراتيجية نشر الديمقراطية -استخدام القوة عند اللزوم– مع الأخذ في الحسبان الموافقة بين الديمقراطية والمصالح الأمريكية، بمعنى آخر إخضاع الشعوب للنمط الديمقراطي الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة بالقوة إن لزم الأمر، وهو ما يفهم من كتاب هنري كسنجر (Heinz Alfred Kissinger) نحو دبلوماسية للقرن الواحد والعشرين.

السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط

أما في الشرق الأوسط والعالم العربي، فقد كشف العقدان الأخيران أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم العربي، لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتها في أوربا الشرقية، إلا أن الحال العربي لم يسمح له بالهدوء مجددًا، إذ تعمل الولايات المتحدة على التعاطي مع التجمعات العرقية والدينية، القابلة للتعامل معها، وتجنيدها لخدمة مصالحها، مقابل منحها النذر اليسير من المكتسبات التي يلتقفها المستثمرون في النزاعات وتجار الحرب. بمعنى دعم فئات مجتمعية على حساب أخرى لضمان استمرارية القلاقل السياسية عبر إثارة الخلل العرقي، والديني.

كما اتضح أنها تحاول استنساخ التجربة البريطانية مع آل سعود وحلفائهم من آل الشيخ ممثلي الراديكالية الدينية، وإن لم تنجح أي منها إلى الآن كما بدا في تجربة أفغانستان، حين استثمرت الولايات المتحدة في حركة طالبان والقاعدة في سبيل «الجهاد» ضد الاتحاد السوفيتي، وفي سورية عبر التنظيمات الجهادية من جميع أصنافها. ولكن لم تتطور السلطة الجهادية لتكرر التجربة السعودية. ولكنها على أقل تقدير أثارت ما يكفي من النزاعات الكفيلة بإنهاك الدولة المستهدفة. كما تضع الولايات المتحدة أمن «إسرائيل» على رأس أولياتها، وعنصرًا مهمًا في إثارة النزاعات، وسبيلًا للضغط العسكري على جوارها، بل تحويل الشرق الأوسط إلى أسخن منطقة في العالم. وبالتالي قطع الأمل على الشعوب العربية بأي نهضة صناعية أو علمية قد تطمح إليها. والحفاظ على التفوق العسكري «الإسرائيلي» وحمايتها بما هي أضخم قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، فإن استراتيجية الولايات المتحدة ومن ورائها الرأس مال العالمي، تنهج إثارة النعرات الطائفية والعرقية وتجنيد مكونات الشرق الأوسط لحسابها واحدة تلو الأخرى. وتحويل المكونات الثقافية إلى مكونات سياسية، والاستثمار في النزاعات سياسيًّا. وتعمل على ربط سياسات دول المشرق بالمؤسسات المالية الكبرى «صندوق النقد، البنك الدولي»، وبالتالي تجنيد الحكومات والأنظمة لتقديم خدماتها. تسخير الثورة المعلوماتية والتكنولوجية لفرض هيمنتها، في مواجهة أي نزوع ديمقراطي وقمع الحراكات الشعبية بكل السبل، عن طريق الشرطة السرية، أو التدخل العسكري المباشر، وبمعونة الموساد «الإسرائيلي». بالإضافة إلى التدخل في صياغة الدساتير والنظم الانتخابية، وإدارة العمليات السياسية و«استزلام» النخب المالية «الطغمة» بطريقة تستطيع فرض إرادتها السياسية على والشعوب ومقدراتهم. وسيتبع هذا المقال تأكيدات وأمثلة كانت محورية في مسيرة الشرق الأوسط والعالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] زبينغو بريجنسكي، رقعة الشطرنج ط2 (مركز الدراسات العسكرية، 1999، نسخة إلكترونية) ص40.
عرض التعليقات
تحميل المزيد