في 20 مارس الماضي تمر الذكرى الثالثة عشر للغزو الأجنبي للعراق، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي أدخل العراق في متاهة، وجعل منه بلدًا هشًا يعاني من الاضطرابات، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، وحالة من التفكك الاجتماعي، بحيث لم يعد لمكوناته المجتمعية الرغبة والقابلية في الاندماج والعيش المشترك وقبول الآخر.

والحديث هنا عن الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، إنما هو للاستفادة من دروس الماضي، وأخذ العبر لمواجهة الحاضر، وكذلك لاستشراف المستقبل، وليس سردًا تاريخيًا للأحداث على حد تعبير «هنري كيسنجر» : «نحتاج إلى التاريخ، ليس لمعرفة ماحصل فقط، بل أيضا لمعرفة ما يمكن أن يحصل في المستقبل، وبه وبالفلسفة يمكن التسلح لمواجهة الحاضر».

وسأركز في هذا المقال على الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية بعد غزوها للعراق سنة 2003 في تعميق الانقسامات المجتمعية وتأجيج الصراعات الطائفية بين المكونات الرئيسة للمجتمع العراقي، ما سمح لها بإحكام قبضتها وسيطرتها على العراق ومقدراته الوطنية.

لقد عملت القوى التقليدية في سياساتها الاستعمارية على استغلال الاختلافات الاثنية والطائفية والدينية والقبلية، بما يخدم مصالحها، ويمكنها من الاستيلاء على ثروات ومقدرات شعوب دول الجنوب، وإضعاف قوة المقاومة المحلية، وذلك وفق المبدأ التقليدي:«فرق تسد». ولعل ما قالته الآنسة «غروترود بيل» سكرتيرة المندوب البريطاني السامي ومستشارة الملك فيصل الأول في عشرينات القرن الماضي، في إحدى رسائلها لوالدها، يلخص جوهر تلك السياسة الاستعمارية: «إن من مزايا سياستنا في العراق أنهم حين يختلفون فيما بينهم يطلقون النار على بعضهم البعض، وليس علينا». وهو جوهر لم يتغير في عنصريته وإشاعته للدسائس والتفرقة بين أبناء البلد الواحد.

ولقد انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية نفس الأسلوب في تعاملها مع المجتمع العراقي منذ اليوم الأول للغزو سنة 2003، فلقد استثمرت في تنوع النسيج الاجتماعي العراقي، ولعبت على الأوتار الطائفية والعرقية من خلال إحياء الأحقاد التاريخية، ما يمكنها من تحقيق غاياتها وطموحاتها الاستراتيجية في العراق، وإضعاف المقاومة العراقية التي تزايدت عملياتها الناجحة ضد قوات التحالف الدولي، ما ألحق بها خسائر ماديةً وبشريةً كبيرةً.

وبالرغم من أن الدور الأمريكي، ليس هو السبب الوحيد والحصري في تأجيج الصراعات الداخلية وتعميق الانقسامات الطائفية  والإثنية، غير أن دورها يبقى هامًا وحاسمًا.

لقد أدى الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 إلى انتقال دراماتيكي للسلطة من الطائفة السنية إلى الطائفة الشيعية، كما عمل الاحتلال على تشكيل سردية «الضحية الشيعية» التي عانت من الاضطهاد والقمع والحرمان من الحقوق السياسية والاقتصادية منذ تشكيل الدولة العراقية سنة 1921، وتحميل سنة العراق كل ما تعرض له الشيعة من قمع واضطهاد، وذلك بالرغم من أن الطائفة السنية هي الأخرى عانت من استبداد نظام البعث الاشتراكي. وقد شكل ذلك «حقا تاريخيا» لنقل السلطة والثروة من الطائفة السنية إلى الطائفة الشيعية، من خلال السماح للقوى والأحزاب السياسية الشيعية بالسيطرة على نظام الحكم الجديد، وإدارة وتوزيع ثروات البلاد.

ولقد تبنت سلطة الاحتلال بقيادة المندوب الأمريكي «بول بريمر» العديد من السياسات التي أدت إلى تعميق الانقسامات الطائفية والإثنية، وتغذية التوترات الكامنة ودفعها باتجاه العنف، ولعل أول هذه السياسات تشكيل مجلس حكم يقوم على المحاصصة الطائفية، وهو عبارة عن نظام تمثيلي لمختلف الطوائف في المجتمع حسب حجمها، وقد شكل هذا بذرة للصراعات الطائفية والإثنية، فلأول مرة في تاريخ العراق، أصبحت الطائفية المبدأ الرئيس المنظم للسياسة والحكم في العراق.

ويعد القرار رقم 2 لسلطة التحالف الدولي أخطر القرارات التي شكلت دافعًا قويًا للصراعات الطائفية في العراق؛ فوفق هذا القرار تم حل الجيش العراقي بكل صفوفه وأجهزته الأمنية التابعة له، الأمر الذي خلق فراغًا أمنيًا رهيبًا ملأته التنظيمات الإرهابية، كتنظيم «القاعدة» والميليشيات الشيعية كـ«فيلق بدر» و«جيش المهدي»، والتي كانت الفاعل الرئيس في الاحتراب الطائفي الذي عاشه العراق منذ فبراير 2006، فقد كانت وراء معظم التفجيرات والاغتيالات على أساس الهوية الطائفية والمذهبية.

ناهيك عن تشكيل نواة للجيش والشرطة تحمل في ثناياها أبعادًا طائفيةً، وبالخصوص بعد دمج الميليشيات الشيعية في مختلف الأجهزة الأمنية، وفقًا لقرار سلطة التحالف الدولي رقم 91، والذي أدخل النزعة الطائفية في الهيئات الأمنية.

وكل هذه السياسات التي انتهجتها سلطة الاحتلال، بالإضافة إلى عوامل أخرى داخلية وخارجية، أدى إلى تناقض في المصالح بين مختلف طوائف المجتمع العراقي، نتج عنه اقتتال وعنف طائفي، سعت من خلاله كل طائفة إلى إثبات وجودها. فقد عاش العراق منذ تفجير مرقد الإمامين في سمراء في فبراير 2006، احترابًا طائفيًا، شكلت فيه التنظيمات الإرهابية كتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والميليشيات الشيعية المتطرفة الفواعل الرئيسة، وقد كانت سنوات 2006 و 2007 الأكثر دموية في تاريخ العراق المعاصر.

وفي الأخير يمكن القول إن الولايات المتحدة بدأت فصلًا جديدًا في تاريخ العراق والمنطقة العربية، شكلت فيه الاثنو- طائفية المفردات الأكثر استخدامًا؛ فقد عملت على إحياء التناحر الطائفي بين مكونات المجتمع العراقي، ما جعل العراق بلدًا هشًا، يئن تحت وطأة الصراعات والحروب الداخلية التي تقوم على أساس هوياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد