يمكننا أن نستخلص من التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن بقاء القوات الأمريكية في العراق، جدية الرجل في تقليم أظافر النظام الإيراني في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية والعراق بشكل خاص، وكذلك للتوقيت الذي أطلق فيه هذه التصريحات دلالات ومعان كثيرة، حيث أطلقهُ وواشنطن ترتب لعقد قمة وارسو في الثالث عشر من الشهر الجاري، والتي تهدف منها لتشكيل جبهة دولية ضد النظام الإيراني، وكل هذا يندرج تحت خطة أمريكية يحاول فيها سيد البيت الأبيض الحد من نفوذ طهران، وتحجيم قوة المليشات الشيعية العسكرية الموالية لها في الساحة العراقية.

احتمالية الصِدام العسكري

وبالطبع الهدف الرئيسي من الانتشار العسكري الأمريكي الجديد في العراق، وخصوصًا في المناطق المحاددة لسورية، هو قطع الطريق أمام القوى الشيعية الموالية لنظام طهران من التواصل مع التنظيمات الشيعية المسلحة التي تحارب بجوار النظام السوري، بجانب أهداف وغايات أخرى.

من المتوقع أن يكون لهذا الانتشار إسهام كبير في الحد من نفوذ إيران وقوات الحشد الشعبي في المناطق السنية العراقية، إذ يرى العقل المخطط لسياسة واشنطن حيال العراق، بأن سطوة القوة الشيعية في المدن السنية سيزيد من سخط المكون السني، مما يهيأ لعودة داعش إلى الساحة مجددًا. وبالتالي يتعين على واشنطن تقوية وضع السنة بالعراق بحيث تستطيع تعديل كفة ميزان القوة المائل لصالح المكون الشيعي في العراق.

وهنا سؤال يطرح نفسه بقوة، وهو هل سيترتب على الانتشار الأمريكي صراع مسلح بين واشنطن وطهران على الساحة العراقية؟ من المستبعد أن يحدث صِدام مباشر على الساحة العراقية بين إيران وامريكا، قد تحدث بعض الهجمات، وفي الغالب ما تكون تحركات انفرادية من منتسبي قوات الحشد الشعبي ضد القواعد الأمريكية في المناطق الغربية العراقية. وهذا في حال استهداف أمريكا لحشود القوات الشيعية الموالية لطهران.

بجانب ذلك النظام الإيراني دائمًا ما كان يرجح التفاوض مع الجانب الأمريكي بدلًا من الصدام المباشر، وبالتالي لا يجوز التوقع بأن يكون ردًا إيرانيًا على الانتشار الأمريكي الجديد في العراق.

داعش ينتظر فرضة اندلاع صراع بين طهران وواشنطن

بالطبع الصراع الأمريكي-الإيراني في حال نشوبه يصب في صالح كل القوى الفاعلة في الساحة العراقية، أي بمعنى سيتيح الفرص لبعض القوى، كتركيا، والمتوقع زيارة رئيسها أردوغان بغداد في الأيام القادمة، والسعودية من تقوية موقفها في العراق.

وأيضًا يعتبر تنظيم داعش أكثر المستفيدين من احتدام الصراع بين واشنطن وطهران، إذ ينتظر اندلاعه، متمركزًا في سلسلة جبال حمرين العراقية، وخصوصًا في الجبال الواقعة في مدينة الأنبار، ويسعى لتنظيم نفسه مجددًا لاستعادة قواه مرة أخرى، والغريب في الأمر، والمثير للتأمل بأن كل تحركات التنظيم تجري تحت مرأى ومسمع الإيرانيين والقوى الموالية لهم، وكذلك الأمريكان، لأن كلا الطرفين لا يريد تحقيق نصر على داعش يخدم الآخر.

أيضًا يتشارك الطرفان الرأي بأن القضاء على التنظيم سينفي سبب وجودهما العسكري على الأراضي العراقية، وبالتالي كما أن نشاط داعش في الأراضي العراقية يعطي مبررات لإيران وأمريكا للوجود العسكري في العراق، أيضًا وجودهما يخدم بعضهما البعض في إطار استراتيجية التخادم.

وبالتأكيد اندلاع صراع مسلح بين طهران واشنطن على الساحة العراقية، سيترتب عليه خسائر مادية كثيرة على الشعب والدولة العراقية، لذلك تسعى بغداد الى إقحام قوى إقليمية كتركيا والسعودية ودولية كروسيا الفيدرالية في المسألة العراقية، لأن برأي السياسي العراقي بان كثرة الفاعلين في الحالة العراقية، يمنع من حدوث صدام بين إيران وأمريكا، وخصوصًا انخراط روسيا في الساحة العراقية، قد يغير ميزان القوة كما حصل في سوريا، وزيارة بوتين المتوقعة لبغداد قد تضع اللبنات الأساسية لنفوذ موسكو في العراق، وهذا ما يدعم القراءة التي ذهبنا إليها في أعلاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد