أثارت تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن فيها عن انسحاب القوات الأمريكية في سوريا، بعد أن أنهت مهامها هناك، أثارت دهشة كبيرة لدى وسائل الإعلام؛ ليبدأ فصل جديد من أزمة دخلت عامها الثامن؛ وسيترك الانسحاب الأمريكي فراغًا لا يستهان به في مناطق تواجدها. وهناك عدة أطراف مستعدة لملء ذلك الفراغ، وسيخلف الانسحاب فصائل مسلحة معارضة بلا حليف، بعد أن كانت تستند إلى الدعم الأمريكي، ينذر انسحاب القوات الأمريكية باختلال في توازن القوى على الأرض في سوريا؛ مما قد يبعثر الأوراق، ويغيّر من خارطة التحالفات فيها.

إن الأمر الأهم بين ما ذُكر آنفًا هو انعكاسات هذا الانسحاب على الوضع في العراق، سواءٌ الأمني أو السياسي، ولاسيما أن وضع العراق الداخلي ما يزال غير مستقر بدرجة كبيرة، فالحكومة ما تزال في طور التشكيل، ولم تنته بعد من حسم الوزارات الأمنية. وإن الانسحاب قد يخلق جوًا من القلق على صعيد أمن العراق؛ وهذا أمر غير مستغرب على الإطلاق؛ مما قد يجعل العراق واقفًا أمام إحدى أصعب التحديات الأمنية بعد الانتصار على (داعش)، ثم إن انعكاسات الانسحاب لن تكون أمنية فقط، وإنما سياسية أيضًا؛ وقد تهدد انعكاسات الانسحاب الأمريكي فعالية وديمومة سياسة العراق الخارجية القائمة على الحياد والابتعاد عن سياسة المحاور.

لقد أعلن مسؤولون أمريكيون أن الانسحاب قد يستغرق نحو 60-100 يوم، وتشير هذه المدة القصيرة نسبيًا إلى أن آثار الانسحاب ستكون واضحة خلال أيام قليلة؛ إذ سيترك أثرًا كبيرًا على الساحتين العسكرية والسياسية في سوريا، فضلًا عن آثاره على العراق؛ لذا يتوجب على الحكومة العراقية وبرلمانها التهيؤ لانعكاسات الانسحاب على العراق والسيناريوهات المختلفة.

تمركز القوات الأمريكية على الأراضي السورية

يتوجب قبل الحديث عن الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الأمريكية معرفة أماكن وجود هذه القوات، ويتركز الوجود العسكري الأمريكي في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية؛ إذ يوجد أكثر من 10 قواعد عسكرية في تلك المناطق، تكاد تكون قاعدة منبج وقاعدة حلب هي الأهم استراتيجيًا بينها، فهي تقع على خط التماس بين قوات سوريا الديمقراطية، والقوات التركية، والفصائل المسلحة المدعومة منها. وفضلًا عن تلك القواعد، توجد قاعدة أمريكية في منطقة التنف على المثلث الحدودي السوري – العراقي – الأردني حيث يتخذ من هذه القاعدة غرفة عمليات لتدريب قوات مغاوير الثورة لتقوم بحماية المدنيين في مخيم الركبان؛ ومن المحتمل أن يكون انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف هو الأكثر تأثيرًا على العراق.

تداعيات إعلان الانسحاب الأمريكي

جاء توقيت الانسحاب من سوريا متزامنًا مع تهيؤ تركيا لشنّ حملة عسكرية مشابهة لعملية درع الفرات؛ إذ تروم تركيا من خلال هذه العملية العسكرية دفع القوات الكردية إلى ما وراء نهر الفرات الذي كانت تركيا تعدّه الخط الأحمر، فقد تجاوز الكرد هذا الخط بدخولهم إلى منبج.

تشير الأنباء إلى أن الولايات المتحدة نسقت مع الجانب التركي عملية الانسحاب؛ إذ يبدو أن الجانب الأمريكي أعطى الضوء الأخضر إلى تركيا بالدخول إلى منبج فور انسحابهم منها؛ لذا عززت تركيا جيشها في المنطقة بالتزامن مع الإعلان عن الانسحاب الأمريكي، وفي الوقت نفسه أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أنها أجرت اتفاقًا مع الحكومة السورية لم تعلن عن بنوده بعد، بينما كانت أولى بوادره هو دخول الجيش السوري إلى قرية العريمة في منبج، ويبدو أن هذا الاتفاق هو حركة استباقية من قوات سوريا الديمقراطية؛ لتأمين مناطقها من الاجتياح التركي المتوقع.

لقد جاءت هذه التطورات على ساحة منبج العسكرية على إثر إعلان الانسحاب الأمريكي إلا أن القاعدة الأهم التي تشكل مركز التأثير هي قاعدة التنف، إذ لم تشهد أي تطور يذكر، ومن الجدير بالذكر أن هناك تسريبات تشير إلى أن الولايات المتحدة ترغب بتوفير ممرّ آمن يمرّ من خلال مناطق سيطرة الحكومة السورية لقوات مغاوير الثورة إلى الشمال السوري.

لا تقتصر أبعاد الانسحاب على الجانب العسكري فحسب، بل هناك بعدٌ سياسي أيضًا، فمن غير المعقول أن يرافق الانسحاب العسكري الأمريكي تنازلًا تامًا عن الملف السوري، ولاسيما أن ترامب أعلن في زيارته الأخيرة إلى العراق بأنه قد يتدخل عسكريًا في سوريا من العراق إذا استلزم الأمر، وهذا يعني أن الملف السوري ما يزال يتصدر أجندة البيت الأبيض والإدارة الأمريكية؛ وهنا يتبادر سؤال إلى الأذهان عن الأهداف السياسية وراء قرار الانسحاب من سوريا؟ ولا يخفى أن الولايات المتحدة إلى احتواء التمدد الإيراني في المنطقة، وترتكز هذه السياسة إلى محاولة تفكيك التحالف السوري – الروسي – الإيراني، وتوحيد الصف في الجانب الآخر (السعودية – الإمارات – تركيا – إسرائيل). وتروم الولايات المتحدة تحقيق هذه الأهداف من طريق رمي الكرة في ملعب روسيا؛ وبالتالي تثقل كاهل الدب الروسي بأزمات كانت من شأن الولايات المتحدة قبل الانسحاب.

وعلى الرغم من التقارب الإيراني – الروسي الواضح في سوريا، إلا أن إسرائيل تمثّل حجر عثرة في العلاقات الروسية – الإيرانية، ومع وجود اضطراب الذي يشوب علاقة روسيا بإسرائيل إثر حادثة إسقاط الطائرة الروسية، إلا أن هناك شراكة استراتيجية تربط البلدين، وليس بينهما خلاف أيديولوجي كما هو الحال بين إيران وإسرائيل؛ وتهدف سياسة الولايات المتحدة إلى تفكيك الأواصر الروسية – الايرانية – السورية من طريق ورقة إسرائيل؛ إذ ستضغط إسرائيل على روسيا للحيلولة، دون أن تثبّت إيران أقدامها في سوريا وتستكمل الجسر البري الرابط بين طهران وبيروت عبر سوريا؛ لأنه يمثل تهديدًا لأمن إسرائيل، وحينئذٍ ستقف روسيا أمام مفترق طرق، إما احتواء التواجد الإيراني في سوريا، وإما مواجهة ضغوطات وتدخلات إسرائيلية محتملة قد تهدد العلاقات الروسية – الإسرائيلية.

وعلى الصعيد عينه تبذل بعض الدول العربية جهودًا دبلوماسية كبيرة توددًا للحكومة السورية؛ بدأت بزيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق ولقائه بالرئيس السوري بشار الأسد، اُفتتحت السفارة الإمارتية في دمشق، ورصد مبالغ من قبل المملكة العربية السعودية لإعادة الإعمار في سوريا، وإن هناك أنباء عن احتمالية عودة سوريا إلى الجامعة العربية؛ فهذه الجهود هي محاولات لإضعاف الأواصر الإيرانية – السورية.

وفضلًا عمّا تقدم، تمثل التفاهمات بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية فرصة كبيرة للحكومة السورية لبسط نفوذها على مساحات كبيرة تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حاليًا، وهو أمر تسعى إليه الحكومة السورية؛ مما سيجعل الجيش السوري على خط التماس بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش التركي، وحينئذٍ سيتحتم على روسيا إدارة أزمة بين تركيا والحكومة السورية؛ مما يهدد التقارب التركي الروسي – الإيراني.

وبالتوازي مع تهديد التحالفات الروسية، تسعى الولايات المتحدة إلى بذل جهود سياسية لتوحيد الصف التركي – الخليجي -الإسرائيلي ضد إيران، ويبدو أن تنسيق انسحابها هو بمنزلة استمالة تركيا، وإبعادها عن المحور الروسي؛ كون العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا توترت في الآونة الأخيرة؛ مما قرّب تركيا نحو الجانب الروسي – الإيراني.

وسبق أن اتفقت الولايات المتحدة مع تركيا على خارطة طريق حول مدينة منبج، تقوم هذه الخارطة على انسحاب الفصائل الكردية، وتسيير دوريات تركية – أمريكية مشتركة فيها، لكن هذا الاتفاق لم يجد طريقه إلى الواقع؛ لامتناع الفصائل الكردية عن الانسحاب؛ لذا تنسق الولايات المتحدة من أجل إحلال تركيا محل قواتها في منبج.

انعكاسات الانسحاب على العراق

أولًا: الآثار الأمنية: على الرغم من تحرير القوات المسلحة للأراضي العراقية من احتلال (داعش)، إلا أن التنظيم لم ينته نهائيًا بعد، فحسب التقديرات الأخيرة، فإن التنظيم ما يزال يحتفظ بما يقارب 30 ألف مقاتل في العراق وسوريا، وينتشر أغلب عناصره في المناطق الصحراوية على أطراف المدن؛ وإن أي تهاون أمني على الحدود بين العراق وسوريا سيخلق تهديدًا أمنيًا مباشر للعراق، إذ سيفتح خط إمداد بين فلول التنظيم في سوريا والعراق، ولا يبدو أن تنظيم (داعش) يخطط لمسك الأرض كما فعل سابقًا على المدى القريب، ولكن التنظيم قد يسعى إلى تنفيذ هجمات إرهابية كبيرة، يتمكن من خلالها أن يثبت أنه ما يزال حاضرًا ويجذب تبرعات ممولي الإرهاب.

لقد عمل تنظيم داعش على استغلال الثغرات الأمنية في المحافظات العراقية المحررة؛ للقيام بعمليات إرهابية بين مدة وأخرى؛ إذ ما تزال خلاياه النائمة ناشطة؛ مما يشير إلى أن أي اضطراب على الحدود العراقية السورية سيزيد من ترابط التنظيم بين الدولتين، وقد يجد التنظيم في عدم استقرار الحدود فرصة ذهبية لتبادل الدعم اللوجستي والمالي.

وفي هذا السياق، يبدو أن الانسحاب من قاعدة التنف قد يخلق عدم الاستقرار الذي تحدثنا عنه؛ إذ يصعب على القوات الأمريكية أن تتنازل عن التنف لصالح الحكومة السورية؛ فهي بذلك تفتح لإيران الممر البري بين العراق وسوريا وصولًا إلى لبنان، وأن الاعتماد على قوات مغاوير الثورة – التي دربتهم الولايات المتحدة – مخاطرة كبيرة، فهي ليست مهيَّأة بنحو كافٍ لصدّ هجمات الجيش السوري.

وقد نشط تنظيم (داعش) في أجزاء مختلفة من سوريا فور إعلان الانسحاب الأمريكي، ففي منطقة التنف تعرضت قوات مغاوير الثورة إلى هجمات من عناصر التنظيم؛ وعليه لن يبقى أمام الولايات المتحدة إلا خيار نشر قوات عربية لتحل محلها في التنف، وعلى الرغم من صعوبة تطبيق هذا السيناريو في الواقع، إلا أنه ما يزال مطروحًا؛ وبالمحصلة فإن الولايات المتحدة ليس لها خطط واضحة بشأن قاعدة التنف فالمشاورات قائمة حتى الآن بشأنها.

أما على الجانب الآخر، فإن انشغال قوات سوريا الديمقراطية بجبهة منبج وانسحاب القوات الأمريكية سيؤدي حتمًا إلى انخفاض وتيرة محاربة (داعش)؛ إذ تقاتل قوات سوريا الديمقراطية تنظيم (داعش) في معاقله الأخيرة بالقرب من البوكمال الحدودية مع العراق؛ بهدف القضاء عليه نهائيًا؛ وبالتالي سيبقى التنظيم محافظًا على وجوده في تلك المنطقة؛ مما يشكل خطرًا مستمرًا على العراق؛ حيث إن هذا الوجود للتنظيم من شأنه تنشيط الخلايا النائمة في البلاد، ولاسيما تلك التي تتمركز في صحراء الأنبار التي يصعب السيطرة عليها عسكريًا.

ثانيًا: الآثار السياسية: سيقابل الانسحاب من سوريا سيقابله تركيزًا للجهود على العراق، حيث يمثل العراق جذور النفوذ الإيراني الذي تحاول الولايات المتحدة القضاء عليه، إذ إن العراق كان بوابة إيران إلى سوريا، من خلاله تمكنت إيران من مد جسر بري وجوي لتقديم الدعم للحكومة السورية، وإن التأثير الروسي في العراق ليس كما هو في سوريا مما يجعل المهمة أسهل نسبيًا في العراق عنها في سوريا.

تقف معضلة قوات الحشد الشعبي على رأس أولويات الولايات المتحدة في العراق، إذ ستعمل الولايات المتحدة على حلّ تلك القوات أو دمجها ضمن الجيش العراقي؛ حيث تصنفها على أنها مجموعة جامعة للفصائل المدعومة من إيران؛ لذا فإن تكثيف الجهود الأمريكية نحو العراق سيتسبب بمزيد من الضغط على الحكومة العراقية بشأن مصير تلك القوات. وتتركز الجهود الأمريكية نحو فصائل معينة ضمن قوات الحشد الشعبي، ستكون أدوات الولايات المتحدة في الضغط على تلك الفصائل اقتصادية، ولكنها قد تتجاوز الحدود الاقتصادية، والسياسية؛ وقد يكون هناك تدخل عسكري بشكل ما.

الخلاصة

يمثل الانسحاب الأمريكي من سوريا بداية سياسة أمريكية جديدة فيها، وتمتد إلى الشرق الأوسط بأكمله، وترتكز إلى توحيد الجهود لمحاربة التمدد الإيراني؛ لكن الولايات المتحدة لن تأخذ الدور الريادي في ذلك على الصعيد العسكري، وإنما ستركز في الجهود السياسية والاقتصادية والدعم الاستخباري واللوجستي الأقل كلفة، أما الجهود العسكرية فستقع على عاتق حلفائها كالسعودية، والإمارات، وتركيا، وإسرائيل؛ حيث ستسعى الولايات المتحدة إلى توحيد جهودهم في مقابل التمدد الإيراني في سوريا، وفي سبيل تحقيق ذلك؛ فستكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديم منبج إلى تركيا بعد انسحابها منها.

وإنها ستسعى إلى زعزعة التحالف الروسي – السوري – الإيراني في محاولة إلى عزل إيران عن حلفائها، بعد أن أصبح وجود بشار الأسد جزءًا لا يتجزأ من مستقبل سوريا السياسي، وستضع الولايات المتحدة روسيا أمام خيار الحفاظ على مكاسبها في سوريا، أو المخاطرة في المضي قدمًا في تحالفها مع إيران. وإن الحكومة السورية ستواجه ضغطًا عربيًا للتنازل عن تحالفها مع إيران؛ لضمان اعتراف العالم العربي بها ضخ أموال إعادة الإعمار؛ وفي سبيل تحقيق ذلك، سيكون انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة التنف الورقة الاكثر أهمية، فالولايات المتحدة قد تنسحب من التنف بتنسيق مع روسيا لتملأ الفراغ في مقابل تنازلها عن التحالف مع إيران في سوريا، أو قد تمنح قاعدة التنف إلى قوات عربية مشتركة؛ وبالتالي يكون الضغط العربي على الحكومة السورية عسكريًا أيضًا؛ الأمر الذي يشير إلى أخر محطة ستنسحب منها الولايات المتحدة هي قاعدة التنف.

وبعيدًا عن التفاعلات السياسية المعقدة في سوريا، ستتخذ الولايات المتحدة من العراق الساحة الأكبر لمواجهة النفوذ الإيراني، وستكثف من جهودها السياسية والاقتصادية والعسكرية للحدّ من تأثير إيران وتحجيم دور أذرعها في العراق، وستكون أولويتها دور قوات الحشد الشعبي والعمل على انحسار تأثيره داخل العراق، فضلًا عن قطع الإمدادات الإيرانية بين العراق وسوريا ومنع تسلل المقاتلين العراقيين إلى الأراضي السورية. وفي سبيل تحجيم دور قوات الحشد الشعبي، تركز الولايات المتحدة الضغط على فصائل معينة اقتصاديًا بفرض العقوبات على مصادر تمويلها، وسياسيًا من خلال الضغط السياسي الذي تمارسه على الحكومة العراقية في سبيل إعادة هيكلة الحشد الشعبي، ويُحتمل في حال فشل تلك الجهود أن تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا بشكل أو بآخر.

تسعى الحكومة العراقية جاهدة إلى الحفاظ على سياسة خارجية بعيدة عن المحاور وبناء علاقات صداقة إقليمية، ومع اشتداد الصراع المحتدم بين المحاور في الشرق الأوسط ستكون مهمة الحكومة العراقية صعبة؛ إذ يجب أن تبذل الحكومة مساعٍ دبلوماسية عالية لتجنب أن يكون العراق حلبة لتسوية الصراعات، والحفاظ على مكتسبات البلد من الحرب على الإرهاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد