بعد مرور ثلاثة أسابيع على تصويت الأمريكيين في انتخابات عرفت استقطابًا أيديولوجيًا، ونسبة مشاركة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وحيث إنه بات من الواضح أن جل طعون حملة ترامب في نتائج الانتخابات أمام القضاء كان مصيرها الفشل، وأن الولايات المتأرجحة قد حسمت بشكل نهائي لصالح المرشح الديمقراطي جو بادين، وأن أصوات من داخل الحزب الجمهوري بدأت تطالب ترامب بالإقرار بفوز خصمه الديمقراطي، وبدأ إجراءات نقل السلطة.

قد يبدو من المبكر جدًا طرح السؤال حول هوية المرشح القادم للحزب الجمهوري في انتخابات العام 2024، لكن هذا النقاش قد أطلق بالفعل من قبل بعض وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأمريكية منذ الأيام الأولى للانتخابات حيث بدأت هذه الأخيرة منذ الآن في محاولة استطلاع أسماء المرشحين الجمهوريين المحتملين بعد أربع سنوات. في هذا المقال سوف نستعرض أسماء أبرز أولئك المرشحين الذين قد نراهم يتنافسون في الانتخابت التمهيدية القادمة، مع تقديم معلومات موجزة عنهم وعن دوافع ترشحهم.

دونالد ترامب

قد يبدو من الغريب طرح اسم الرئيس الأمريكي الـ45 كمرشح محتمل للحزب الجمهوري في الانتخابت القادمة، لكن هذا الاستغراب سوف يزول عندما نعلم أن موقع أكسيوس الإخباري نقل عن مصادر مقربة من ترامب بأن الرجل ينوي إعادة تقديم ترشحه في سنة 2024. ترشح ترامب وربما فوزه بولاية رئاسية ثانية لن تكون سابقة في الحياة السياسية الأمريكية؛ إذ سبق أن حدث هذا مع الديمقراطي جروفر كليفلاند الذي كان الرئيس الأمريكي الوحيد الذي فاز بولايتين غير متتاليتين، الأولى من سنة 1885 إلى 1889 والثانية من سنة 1893 إلى 1897.

هذه الطموحات الترامبية تأتي لتدعمها معطيات جد مهمة، الأولى هي تحصل الرجل على أكثر من 70 مليون صوت في الانتخابات الأخيرة، وهو رقم قياسي لم يحطمه أي مرشح جمهوري في التاريخ الحديث، وأيضًا استطلاعات الرأي التي تؤكد أن نسبة كبيرة من ناخبي ترامب يؤيدون إعادة ترشيحه في سنة 2024.

Embed from Getty Images

عندما نتحدث عن ترامب، نحن لا نتحدث عن شخصية سياسة تقليدية مرت مرور الكرام مثل أسلافها، وإنما عن شخصية مثيرة الجدل تركت بصمتها في الحياة السياسية الأمريكية، وهي اليوم تتمتع بقاعدة شعبية راسخة تدعم مواقف وسياسات الرجل مؤسسة ما يعرف اليوم بتيار «الترامبية» الذي صار تيارًا مهيمنًا داخل الحزب الجمهوري. بفضل هذه القاعدة، نجح ترامب إلى حد كبير في تهميش خصومه داخل الحزب وكسب بعضهم إلى صفه بما فيهم أولئك الذي سبق أن تلاسنوا معه قبل بضعة سنوات من أمثال السيناتور عن ولاية تكساس تيد كروز والسيناتور عن ولاية كارولاينا الشمالية ليندسي غراهام وغيرهم، ولهذه الأسباب يرى بعض المحللين أن نهاية الترامبية لن تكون بخروج ترامب من البيت الأبيض، وهو ما يفتح الباب لإمكانية عودته إليه بعد أربع سنوات.

دونالد ترامب الابن

إن لم يكن المشعل من نصيب الأب ربما يكون من نصيب الابن، نعم هذا ما تذهب إليه اليوم بعض تحاليل وسائل الإعلام الأمريكية هذه الأيام حيث تطرح اسم كل من دونالد ترامب الابن وإيفانكا ترامب كمرشحين محتملين إن قرر والدهما التخلي عن حلمه في العودة إلى البيت الأبيض في 2024.

دونالد الابن الذي يحظى بشعبية لدى قاعدة أبيه الانتخابية، والذي تضع استطلاعات الرأي اسمه في المراتب الأولى ضمن المرشحين المفضلين لدى الجمهوريين، لم يحسم رسميًا خيار ترشحه وهو ما يترك باب الشكوك مفتوحًا، هذه الشكوك عززتها قيام هذا الأخير بنشر صورة له على موقع انستجرام أثناء حملة ترامب الرئاسية، وهو يقف إلى جانب لافتة كتب عليها اسمه «دون الابن» إلى جانب 2024، وهي صورة التقطها أثناء زيارته إلى ولاية نيفادا.

في تناولها لهذا الموضوع، نشرت صحيفة نيوزويك الأمريكية مقالًا قبل أسبوع يتحدث عن إمكانية دفع ترامب لأحد أبنائه لخوض السباق الانتخابي في 2024، ولماذا سوف يكون من الصعب تسويق الترامبية مثلما فعل والدهم. في حين أجمع أغلب المحللين على أن الترامبية ستظل حاضرة بقوة في المشهد السياسي بعد أربع سنوات، إلا أن ارتداء عباءتها واستغلال ذلك الأصل التجاري لن يكون بالأمر الهين، سواء من قبل السياسيين الجمهوريين، أو حتى من قبل أبناء ترامب أنفسهم؛ لأنه في آخر المطاف لن يستطيعوا محاكاة استعراضية أبيهم، وتجسيد شخصيته التي يتطلع إليها أنصاره، وليس إلى سلالة آل ترامب.

مايك بنس

نائب الرئيس دونالد ترامب والحاكم السابق لولاية إنديانا مايك بنس قد يكون هو الآخر من بين المرشحين الجمهوريين في 2024، بنس يعتبر من صقور الحزب الجمهوري، سواء على مستوى مواقفه اليمينية المتشددة تجاه القضايا الاقتصادية والاجتماعية (مثل دعمه للسياسة المالية المحافظة ومناهضته للهجرة والإجهاض)، أو تلك التي تتعلق بالسياسة الخارجية (مثل دعمه المطلق للسياسات الإسرائيلية)، وهو ما جعل البعض يصنفه ضمن طيف اليمين المسيحي.

Embed from Getty Images

قبل حوالي الأسبوعين نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالًا تساءلت فيه عن مستقبل بنس السياسي عند تركه لمقر إقامته في شهر يناير (كانون الثاني) القادم، وقد كانت إحدى أبرز الفرضيات التي تم طرحها ونقاشها مع بعض المحللين هي مضي الرجل في مساره السياسي الخاص بعيدًا عن ترامب وإمكانية تقديم ترشحه في الانتخابات الرئاسية القادمة. غياب ترامب عن الموعد الانتخابي في 2024، والفوز بأكثر من 70 مليون صوت في الانتخابات الأخيرة ستكون من أهم العوامل التي قد تشجع بنس على تقديم ترشحه، خاصة أنه قادر على تقديم خطاب يميني متشدد، وفي الآن ذاته ألطف كلاميًا، وهو ما قد يمكنه من استقطاب تلك الشرائح التي فشل ترامب في كسبها.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن بنس كان من القلة القليلة التي نجحت في استكمال مشوارها مع ترامب خلال السنوات الأربع الماضية، وذلك بعد قيام الرجل بطرد أغلب أركان إدارته ومن أبرزهم نجد مستشاره وصديقه ستيف بانون، وزير الخارجية ريكس تيليرسون، وزير الدفاع جيمس ماتيس، وزير العدل جيف سيشينز ومستشار الأمن القومي جون بولتون.

نيكي هيلي

المندوبة الأمريكية السابقة بالأمم المتحدة نيكي هيلي قد تكون أيضًا من بين الوجوه النسائية التي قد نراها على خشبة مسارح مناظرات الانتخابات التمهيدية. هيلي ذات الأصول الهندية، كانت قد بدأت مسيرتها السياسية كعضو في مجلس نواب ولاية كارولاينا الجنوبية بين سنتي 2005 و2011، قبل أن تنتخب كحاكمة للولاية سنة 2011 وهو المنصب الذي استمر بقائها فيه لمدة ست سنوات.

Embed from Getty Images

إثر قدوم إدارة ترامب الجمهورية إلى الحكم في مطلع العام 2017، عينت هيلي كممثلة لبلدها لدى المنظمة الأممية حيث عرفناها في العالم العربي من خلال مواقفها الداعمة بشدة لإسرائيل تحت قبة مجلس الأمن الدولي، وقد شغلت هذا المنصب لمدة عامين قبل أن تقرر الاستقالة منه في أواخر العام 2018.

بعد تركها لمنصبها في الأمم المتحدة، لم تعبر هيلي إلى حد الآن بشكل رسمي عن رغبتها في الترشح للانتخابات الرئاسية 2024، وحتى عندما ووجهت بهذا السؤال مؤخرًا عند زيارتها لولاية إيوا، أكدت المندوبة السابقة على أن نشاطها السياسي ينصب حاليًا على دعم مرشحي الحزب الجمهوري لمجلس النواب وضمان الحفاظ على أغلبية جمهورية في مجلس الشيوخ.

تيد كروز

السيناتور عن ولاية تكساس تيد كروز قد يكون أيضا من بين المرشحين الذين قد يخوضون سباق الانتخابات الرئاسية في 2024. فيما يتعلق بمواقفه وآرائه تجاه القضايا الداخلية والخارجية، كروز يصنف ضمن التيار المحافظ المتصلب فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، مثل معارضته للإجهاض وزواج المثليين مع بعض التوجهات التحررية إزاء قضايا أخرى، مثل دعمه للتجارة الحرة وحق إختيار المدرسة.

Embed from Getty Images

بخلفيته القانونية التي نال فيها شهادتين جامعيتين، الأولى من جامعة برنستون والثانية من جامعة هارفارد، بدأ كروز مسيرته السياسية كمستشار لدى حملة بوش الإبن الانتخابية سنة 2000، وذلك قبل دخوله مجلس الشيوخ في مطلع العام 2013 كسيناتور عن ولاية تكساس. في سنة 2016 خاض تيد كروز غمار أول انتخابات رئاسية تمهيدية حيث بقي كمنافس أخير لترامب عبر فوزه في 12 ولاية قبل أن يقرر تعليق حملته في شهر مايو (أيار) عقب خسارته أمام ترامب في ولاية إنديانا.

بعد أن كان من أكبر ناقدي ترامب خلال سنة 2016 الانتخابية، حتى أن الأمر وصل بهم إلى تبادل الإساءات الشخصية بين بعضهما البعض، أعلن كروز في شهر سبتمبر (أيلول) عن مساندته لترامب في وجه منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ومن ثم تحول الرجل في السنوات التالية إلى أكبر حلفاء الرئيس الجديد داخل مجلس الشيوخ خاصة على مستوى دعمه لتعييناته القضائية، وقد كان كروز مؤخرًا من بين الجمهوريين الذين روجوا لنظريات ترامب حول تزوير الانتخابات والتشكيك في نتائجها.

بمنطق الحسابات السياسية، ما كان ولم يزل يقود كروز في مسعاه لاسترضاء الترامبية، وعدم الوقوف ضد موجتها الجارفة هو خشيته من خسارة مؤيدي ترامب ضمن قاعدته الانتخابية اليمينية وهي الأصوات التي كان بحاجة لها في انتخابات التجديد النصفي سنة 2018 التي فاز فيها الرجل بشق الأنفس في وجه منافسه الديمقراطي بيتو، وهو ربما يعول أيضًا على استقطاب تلك الكتلة التصويتية الداعمة لترامب إن قرر رسميًا الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2024.

توم كوتون

إن كنت لا تتابع المشهد السياسي الأمريكي عن كثب، على الأغلب أنت لم تسمع باسمه من قبل، السيناتور عن ولاية أركنساس توم كوتون قد يكون أيضا من الأسماء المرشحة لتنضم إلى السباق على نيل ترشيح الحزب الجمهوري في 2024. كوتون، العسكري السابق الذي خدم في العراق وأفغانستان كان قد بدأ مسيرته السياسية كعضو في مجلس النواب عن ولاية أركنساس في بداية سنة 2013 قبل أن ينتقل سريعًا إلى مجلس الشيوخ عندما نجح في نيل مقعد عن نفس الولاية في بداية سنة 2015.

Embed from Getty Images

على مستوى مواقفه وآرائه، يطغى الجانب اليميني المحافظ على شخصية كوتون فيما يتعلق بمواقفه إزاء قضايا مثل الهجرة، التمييز العنصري، حق امتلاك الأسلحة والإجهاض. بالنسبة للسياسة الخارجية، يبدو كوتون متبنيا للسياسات التدخلية، وهو الأمر الذي ربما لن يساعده على استقطاب شريحة كبيرة من قواعد ترامب الانتخابية التي تؤمن بالانعزالية وعدم اضطلاع أمريكا بدور شرطي العالم، وهي الشعارات التي كان ترامب قد رفعها عاليًا خاصة خلال انتخابات 2016.

فيما يهم ترشحه للانتخابات التمهيدية بعد أربع سنوات، نشرت صحيفة بيزنس انسايدر مقالًا قبل أكثر من شهر تحدثت فيه عن تهيئة كوتون الأرضية في ولاية نيو هامبشير من أجل ذلك الموعد، وذلك نظرًا لأنها الولاية الأولى التي يتنافس عليها مرشحي الحزب خلال الانتخابات التمهيدية.

المقال قام بتسليط الضوء على زيارة كوتون للولاية التي جرت قبل أقل من أسبوعين من يوم الإقتراع في 3 من نوفمبر (تشرين القاني)، حيث إلتقى بمانحين ومشرعين هناك، في حين أن الانتخابات في نيو هامبشير كانت شبه محسومة لصالح المرشح الديمقراطي جو بايدن نظرًا لتفوقه بـ11 نقطة على خصمه ترامب، مع العلم أن وزن الولاية في المجمع الانتخابي لا يساوي إلا أربعة مقاعد. كل هذه المعطيات كانت هي ما عززت الشكوك حول غاية كوتون من زيارتها في ذلك التوقيت، شكوك أتت لتأكدها إجابته على سؤال طرح من قبل من الصحيفة حول ما إذا كان ينوي الترشح في 2024 عندما قال: «بأنه سيعود إلى نيو هامبشير مجددا في المستقبل».

مع العلم أن القائمة قد تطول وتشمل عدة أسماء أخرى بما في ذلك وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو، السيناتور عن ولاية فلوريدا ماركو رويبو، الحاكم السابق لولاية نيو جيرسي كريس كريستي، حاكم ولاية ميريلاند لاري هوغان. لا أحد يعلم إن كانت هناك شخصية قد تصنع المفاجأة وتقلب الطاولة على الجميع مثلما فعل ترامب سنة 2016 عندما نجح في إكتساح السباق وإزاحة كل خصومه وذلك على الرغم من أن الرجل لم يسبق له أن تولى أي منصب أو مسؤولية في الدولة، وهذا إن كان يثبت من شيء، فهو أن شريحة من الشعب الأمريكي لم تعد تهمها خبرة المرشح وكفاءته أو حتى صدقية وعوده بقدر ما تهمها لهجة خطابه وخروجه عن جبة السياسي الكلاسيكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد