و كأن البابا تواضروس – المصاب بالفعل بإسهال التصريحات – لا يريد أن يكف عن استفزاز المسيحيين بل والمصريين جميعاً بتصريحاته السياسية.

ظل البابا شنودة البطريرك الراحل للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مؤيداً للنظام المباركي ومباركاً له على طول الخط، بداية من خطابات التزكية التي اعتاد المجمع المقدس للكنيسة القبطية – الذي يقوم بدور مجلس الوزراء داخل الكنيسة – إرسالها لمؤسسة الرئاسة ممهورة بتوقيع البطريرك نفسه مع لفيف من أساقفته مع كل فترة رئاسية جديدة لمبارك وما أكثرها.

مرورًا بشحن الأقباط للتصويت لمبارك عاطفيًا من خلال تصريحاته المتكررة بضرورة دعم هذا النظام، بدعوى أنه حائط الصد ضد وصول الإخوان للحكم، وأنه الضامن لأمان المسيحيين، متناسيا ما يزيد عن 160 حادثة طائفية حدثت للمسيحيين خلال عصر مبارك أشهرها على الإطلاق مذبحة الكشح الأولى والثانية.

وفعلياً من خلال شحنهم في أتوبيسات تخرج من أمام الكنائس لتقول نعم لدساتير مبارك، ونعم لمبارك شخصياً في فتراته الرئاسية المديدة، انتهاءً بدعم بمبارك بكل الصور المتاحة خلال فترة الثورة سواء بدفع الكهنة لتأييده في ميدان محمد محمود بقيادة القمص صليب متى ساويرس الملقب بعمدة شبرا، وانتهاءً بتليفون البابا شخصيًا للتليفزيون المصري في عصر الأربعاء 8 فبراير 2011 قبل تنحي مبارك بثلاثة أيام فقط.

حتى بعدما آثر منافقو النظام المحترفون الابتعاد عن الأضواء، وإيقاف صنبور نفاقهم مؤقتاً لاستشعارهم بقرب رحيل النظام، وضرورة دعم النظام الجديد الذي سيحل محله أياً كان، إلا أن البابا ظل كعادته مؤيدًا مخلصًا للديكتاتور حتى بعد أن صار سقوطه قاب قوسين أو أدنى، مراهنًا كعادته دائماً على الحصان الخاسر.

ورحل مبارك، وأتى المجلس العسكري، ووقف البابا بكل قوة بجانب المجلس العسكري الذي أباح هدم الكنائس على يد السلفيين، ثم استباح دماء الأقباط وأعراضهم في ماسبيرو، وأراق دماء 27 مصريًا هرسًا تحت مدرعاته ودباباته، فكافأهم البابا باستقباله لهم في الكاتدرائية المرقسية في العباسية يوم عيد الميلاد وأشاد بهم وبقيادتهم الحكيمة للبلاد.

ولم يكتفِ البابا بذلك وإنما استقبل مرشد الإخوان المسلمين في الكاتدرائية استقبال الفاتحين، وساعدهم باستقباله على تجميل صورتهم القبيحة لدى البسطاء من الأقباط وغير الأقباط، وفتح الأنبا بيشوي أسقف دمياط الكنائس لهم للترويج أكثر وأكثر لمشروعهم الانتخابي.

رحل المجلس العسكري بعد أن سلم الحكم للإخوان المسلمين تسليم مفتاح، ورد الإخوان الجميل بالهجوم الضاري على الكاتدرائية بقيادة اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الحالي الذي كان يشغل المنصب نفسه وقت الاقتحام، ورحل البابا وحل محله آخر، ويا لفرط سذاجتنا عندما وضعنا في البطرك الجديد آمالا عظمى وظننا أنه لن يقتدي بسلفه في موالاة الأنظمة المتعاقبة، لكنه اقتدى به وتفوق عليه، و صار التلميذ الذي فاق معلمه في النفاق والموالاة.

بدأ البطريرك الجديد تواضروس في إقحام نفسه والكنيسة القبطية من خلفه في السياسة يوم عزل مرسي، وأصر على المشاركة شخصياً في خطاب السيسي، وابتلعنا تلك الخطوة على مضض محاولين تبرير إقحامه لنفسه وللكنيسة من خلفه في السياسة أن تلك الخطوة كانت ضرورية لتجميل صورة مصر في الخارج.

ودفع المسيحيون الثمن غالياً جداً من كنائسهم التي تم الهجوم عليها وتخريبها وحرقها، والتي وصل عددها في أفضل الروايات تفاؤلاً ما يزيد عن 75 كنيسة، بالإضافة إلى نهب وخراب مئات المحال التجارية التي يمتلكها المسيحيون والتي تم حرقها وتخريبها وتكسيرها من قبل نظام الإخوان الإرهابي رداً على مباركة البابا لخلع مرسي.

وصدقنا أكذوبة أن الجيش سيقوم بتعويض الجميع ومر عام ونصف ولم يقم الجيش بإصلاح كنيسة واحدة ولا تعويض متضرر واحد حتى الآن، خسائرهم جميعاً في رقبة الجماعة أولا والبابا المعظم ثانيًا.

و بدل أن يتعلم البابا الدرس، آثر قداسته الانغماس في السياسة أكثر وأكثر، وخرج علينا بمقالة مضحكة نشرتها جريدة الأهرام قبيل معركة الدستور الجديد، يدعو فيها الشعب للتصويت بالموافقة على الدستور الجديد، وأكد فيها قداسته أن “نعم تجلب النعم”، ووافق المصريون على الدستور ولم تجلب نعم أي نعم عليهم حتى الآن، بل جلبت عليهم المزيد من الفقر والإحباط والفشل.

مع أن البابا نفسه قد استفاض في خطورة خلط الدين بالسياسة، وحذر قائلاً أن “اختلاط الدين بالسياسة خلق حالة صعبة، والدين مثل البيضة والسياسة مثل الحجر وهذا خطير جداً إذا خلطنا الاثنين نخسرهما.

لكن نستطيع أن نستفيد من كل حاجة منهما، أي نستخدم البيضة في الطعام والحجر في البناء إذن لابد ألا نخلط الدين بالسياسة”، واعتقدنا أن البابا قد استفاق أخيراً من غيبوبته ووعى خطورة ما يفعل لكننا كنا حمقى تلك المرة أيضاً، ففي حواره مع صحيفة الموندو الإسبانية هذا الأسبوع، أكد البابا تواضروس الثاني، أن مبارك حكم مصر ما يقرب من 3 عقود من السلام!

مؤكداً أنه يؤيد الإفراج عن مبارك في قضية قتل مئات المتظاهرين خلال ثورة 2011، قائلا “لابد من الأخذ بالاعتبار عمره وحسن أفعاله وما فعله خلال فترة ولايته خاصة وأنه قضى أربع سنوات في السجن”، معربا عن سعادته الآن بحكم السيسي.

وأجاب البابا نصاً عن مذبحة ماسبيرو أنه “ليس من الحكمة التطرق الآن لحادث ماسبيرو” مضيفًا أنه لا يعلم بالتحديد من المسؤول عن الحادث، لأنه حدث قبل تعيينه في منصب البابا، بالرغم من أن شاهد المقبرة التي تضم أشلاء الشهداء في كاتدرائية الملاك ميخائيل ب 6 أكتوبر يؤكد أن “تلك هي أجساد بعض الشهداء الذين قتلوا برصاص ومدرعات الجيش المصري أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون ماسبيرو أثناء وقفتهم السلمية للاعتراض على هدم الكنائس في مصر”.

ربما على البابا أن يراجع كتب التاريخ ليعرف أن هناك ثمة ثورة ما قد قامت في مصر ضد مبارك ونظامه الذي حكم مصر ما يقرب من 3 عقود من السلام!، لأن تلك الثورة قد وقعت أيضًا قبل تعيينه في منصب البابا، بل إن قداسة البابا قد تمادى وبرأ وزير الداخلية محمد إبراهيم من مسئوليته عن حادث الاعتداء على الكاتدرائية.

بقوله أنه لا يعتقد أن اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الحالي، والذي كان يشغل المنصب نفسه وقت الحادث، مسؤول شخصيًا عن هذا الهجوم، بل أضاف قداسته أنه “وزير جيد”.

لم يكتفِ البابا بكل تلك التصريحات بل أبدى رأيه في مسألة رجوع الإخوان للحياة السياسة من عدمه بقوله إن جماعة الإخوان المسلمين سيكون لها مكان في الحياة العامة، عندما تتوقف عن العنف ومهاجمة المجتمع، وتعتذر عن الضرر الذي سببته للمصريين.

يبدو أن البابا تواضروس لا يستمع إلى نصائح البابا تواضروس بشأن عدم إقحام السياسة في الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد