ذكر الاستراتيجي الأمريكي المعروف جورج فريدمان في عام 2010، في كتاب بعنوان «نقترب من حرب عالمية ثالثة في 2050»، أشار فيه إلى وجود احتمال كبير بتجزئة الصين؛ لأنها تحتوي على مجتمعات مركبة، ومشاكل ديمغرافية عديدة، واقتصادها سوف يعجز عن سد احتياجات سكانها المتزايد بشكل كبير جاوز حدود المليار نسمة، وأن اقتصاد اليابان في نمو وتطور لتملك أقوى قوة بحرية آسيوية لتكون القوة الأولى في آسيا، تليها تركيا ذات المجتمع والنظام الإسلامي المتماسك، وتمتلك أقوى جيش بالمقارنة مع دول أوروبا الشرقية والغربية، واقتصادها صنف عالميًّا 17 وقابل للتقدم، وستكون القوة الثانية آسيويًّا، وتليها بولندا المصنفة عالميًّا في الاقتصاد بدرجة 20 مندفعة بشكل فاعل وديناميكي لامتلاك القوة المتفوقة على روسيا وألمانيا، للتخلص من الخوف التاريخي منهما.

كل هذه التطورات المستقبلية في موازين القوى الإقليمية ليست بعيدة عن مراقبة الولايات المتحدة، التي قد تلجأ لدفعهم للحرب العالمية الثالثة للتخلص من منافستهم وتهديدهم لمصالح الولايات المتحدة في العالم، من هذا الإدراك بدأت الولايات المتحدة ببناء استراتيجيتها وتحديدًا في البيئة الخارجية، اهتماماته الدائمة هي تخطيط استراتيجيات جديدة للتوازنات الإقليمية والمحلية، واستراتيجيات حماية للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما عند التنبؤ ببروز قوة تنافسية تهدد المكانة العالمية الأولى لها. وغالبًا ما تهدف الولايات المتحدة من تنفيذ هذه الاستراتيجيات إلى إشغال العدو أو الخصم بأمور بعيدة عن منافسة المصالح الأمريكية.

فعندما تهدد الصين مكانة الولايات المتحدة ومصالحها فإنها تجتهد لتخطيط استراتيجية تحدث تغييرات تجعل من الهند، أو من روسيا الاتحادية، أو اليابان وتايوان مناطق تهدد المصالح الصينية، وتصدع مكانتها الإقليمية كي لا تنطلق نحو العالمية بالشكل الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة، وهكذا الحال بين الهند وباكستان، وبين كوريا الشمالية التي تبدي العداء للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

والحال ينطبق في متابعة تطور القوة في تركيا أو إيران من أجل وضع أداة ضبط لسلوكهما بشكل يجعلهما ندين متوازنين متنافرين لإبعاد تهديدهما على مصالح الولايات المتحدة.

وبالسياق نفسه والتخطيط إذا ما نظرنا إلى استراتيجيات الولايات المتحدة مع روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي ودول أوروبا الشرقية، فهي تمعن في إيجاد توازنات بينهم بالشكل الذي يجعل خلافاتهم ونزاعاتهم مشاكل تغنيهم عن تهديد مكانة الولايات المتحدة ومصالحها في أوروبا والعالم. فقد استخدمت الولايات المتحدة أسلوب تطويع الإرادات في الدول المعارضة لسياستها الدولية، فهي عندما تنفذ استراتيجيتها التعاونية مع القوى الدولية الكبرى في منع وحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل والبرامج النووية، تمعن في تطويع الإرادة السياسية في كوريا الشمالية وإيران دون الإمعان في البرنامج النووي الإسرائيلي.

وفي استراتيجيات نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان فإنها تركز على الدول المعارضة لسياستها في هذه الجهود، كالصين، وروسيا، وسورية، وإيران، وفنزويلا، لكنها تمهل الاستبدادية وانتهاكات حقوق الإنسان في الدول الحليفة، وحتى في استراتيجيات محاربة الإرهاب الدولي، وتهريب وزرع المخدرات، الأولوية تكون ضد الدول المعارضة لسياستها، فالكيل بمكيالين هو أسلوب تكتيكي يتداخل مع مراحل تنفيذ الاستراتيجيات لغرض ضبط سلوك الدول بما يتناغم مع الإيقاع الأمريكي في السياسة الدولية. الاستراتيجية الجديدة هي أداة ضبط لفرض الإرادة الأمريكية على الآخرين، واإايقاع يهدف لحل مشكلة الملف الإيراني، وحل الدولتين للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والمسألة الكردية، وإيقاف تغلغل النفوذ الروسي الصيني في الشرق الأوسط، وحل مشاكل نفاذ الطاقة القريب، والسيطرة على الطاقة البديلة والنظيفة للغاز في المنطقة، وإيجاد حل لتداعيات صراع القوى الإقليمية.

أخيرًا يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية ليس من مصلحتها حل الأزمات بصورة نهائية بقدر ما تعمل على الإمساك بزمام الأمور، وإشعال فتائل الأزمات متى ما رأت ذلك ضروريًّا لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد