موقع السعودية و مآلها

صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار صادم المتمثل في سحب القوات الأمريكية من سوريا بذريعة انتهاء مهمة التواجد الأمريكي في المنطقة والمتمثلة بالحرب على داعش، وهو القرار الذي وصفه حلفاء ترامب من الأكراد بالخيانة، بحيث إنهم كانوا جنبًا إلى جنب مع القوات الأمريكية في المعارك ضد «تنظيم الدولة الإرهابي» وكذا صدم كل الحلفاء التقليديين لأمريكا.

لم يكن القرار الأمريكي مفاجئًا للغاية، فقد لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية بهذا القرار على شاكلة ابتزاز في أغسطس 2018 حينما صرح بمقولة «ادفعوا مقابل الحماية» وكان يقصد بها القوات الأمريكية في سوريا التي تجعل السعودية محاطة بالمخاطر من كل جانب وأقصد به النفوذ الإيراني وهو العدو الحقيقي الذي يحيط بالمملكة السعودية، وهو ما يدفعنا إلى طرح تساؤل لماذا لم تدفع السعودية هذه المرة؟

على الخلفية الاقتصادية الرئيس الأمريكي إن التواجد الأمريكي في المنطقة مكلف جدًا ودعم الكرد في إطار مشروع شرق أوسطي القائم على إقامة دولة كردية سيحتم على أمريكا تكاليف حمايتها إلى الأبد من أربع دول فيها أقليات كردية وهي سوريا، العراق، تركيا وإيران وهي دول منافسة لأمريكا في الشرق الأوسط وهي دول ذات صلة وثيقة بروسيا المتحالفة مع الصين ضد الغرب.

إن تداعيات القرار على السعودية كما سلف الذكر خطيرة على النظام السعودي الذي أصبح يتخبط كالناقة العمياء ويئن تحت التهديدات الخارجية التي تطالب بعزل ولي العهد مثل الكونجرس الأمريكي وجهاز المخابرات CIA المخابرات البريطانية والفرنسية هذا بموجب «اتفاقية دارين» القاضية باستشارة المخابرات البريطانية ثم الأمريكية في مسألة تنصيب أو عزل ملك أو أمير سعودي، وكذا النظام التركي وخاصة بعد قضية اغتيال الصحفي السعودي المعارض «جمال خاشقجي» ولم تكن الحادثة أولى من نوعها فقد سبقه ناصر السعيد صاحب كتاب «تاريخ آل سعود» بأمر من الملك «فهد» واعتقال سلمان عودة والحكم عليه بالإعدام والقائمة تطول، وإضافة الأزمة مع دولة قطر التي بدأت سنة 2017م إلى يومنا هذا على خلفية دعم قطر للإرهاب والجماعات المتطرفة في حين أن وزير الخارجية القطري «حمد بن جاسم» صرح في التلفزيون الرسمي إن قطر والسعودية صرفتا 137 مليار دولار من أجل تخريب سوريا، وإضافة إلى الحرب الظالمة على اليمن التي جعلت من السعودية منبوذة إقليميًّا ولا تعكس أفعالها شعاراتها، وكذا داخليًّا لم يلق ولي العهد محمد بن سلمان ترحيبًا من قبل العائلة الملكية فقد اشتد معارضوه وكثروا وهو ما دفع بولي العهد إلى سياسة الاعتقال والسجن بذريعة التهرب من دفع الخوة الواجبة من الثروة، وهو ما ينبئ بانقلاب سيحدث داخل العائلة الحاكمة مستقبلًا.

تاريخيًّا ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية إثر التزاوج بين السياسة السعودية والوهابية يحظى كل ملك سعودي بشرعية ودعم ديني وخاصة بعد تأسيس «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» العاملة على ذلك النحو سنة 1940م، وبمجيء محمد بن سلمان استغنى عن الشرعية الدينية واستبدلها بالشرعية الوظيفية في إطار برنامج 2030 واستحدث «هيئة الترفيه» القائمة على تحديث القطاع الاقتصادي بدعم الاستثمار التنافسي الدولي داخل المملكة العربية السعودية تماشيًا مع الرؤية المستقبلية 2030 وهذا مؤشر آخر لتهور ولي العهد الشاب لتبنيه مشاريع أضخم من حجمه أولًا والتحول من المنطق الديني الذي ثبت أركان الحكم في السعودية إلى المنطق الاقتصادي غير المفهوم في مسألة التنافسية في ظل الغياب التام للحرية في كل أشكالها. وكذا من المؤشرات التي تبين مدى انعزال السعودية عن المحيط الإقليمي هو رفض مجموعة من الدول العربية استقبال ولي العهد وأبرزها تونس بعد الضغوط الشعبية والنقابات بحيث دامت الزيارة ساعتين والرفض القاطع من المملكة المغربية.

ختامًا نطرح تساؤلًا هل وصلت السعودية اليوم إلى ما أسماه ابن خلدون مرحلة الجيل الثالث ونهاية الدولة السعودية؟ في ظل الأحداث الدولية السارية لم يبق للسعودية إلا وسيلة واحدة للبقاء وهي الدفع إما لأمريكا من أجل الحماية أو تعويضات للدول التي أججت فيها الأزمة وسعت بكل جهد لتخريبها وخاصة القريبة من محيطها وهي سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان كمشروع المصالحة مع الجوار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
s