إن المتأمل للوضع القائم في الشرق الأوسط وخصوصًا في المنطقة العربية ليقف مشدوهًا أمام سريالية الأحداث الحالية، ففي خضم الصراع بين محور تركيا-قطر ومحور السعودية-الإمارات وما يستتبعه من صراعات تتخذ علاوة على طابعها السياسي المحض طابعًا إعلاميًا فجًا تعكسه القنوات الإخبارية التابعة لهذا المحور أو ذاك، يثور السؤال الوجيه حول طبيعة هذا الصراع والدافع من ورائه علمًا بأن كل الدول المعنية به متحالفة مع الولايات المتحدة، ويدفع للتساؤل كذلك حول مسؤوليتها كدولة عظمى في إدارة الاختلافات الأيديولوجية بين حلفائها في المنطقة.

فإن كنا نسلم بوجود نظام حكم ديمقراطي علماني في تركيا انبثق بعد عقود من الحكم العسكري والانقلابات هناك فإن المسألة تنتفي تمامًا في الدول العربية، فلماذا أرست الولايات المتحدة نظامًا ملكيًا دستوريًا في اليابان عقب انهزامها في الحرب العالمية الثانية، واستتبع ذلك دمقرطة الحكم في كوريا الجنوبية أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبقيت الأنظمة العربية أقرب منها إلى أنظمة القرون الوسطى علما بأن اليابان وكوريا الجنوبية حليفان تابعان للولايات المتحدة؟ أليست هناك مسؤولية تاريخية وأخلاقية للولايات المتحدة في هذا الصدد؟ وإن كانت دمقرطة الحكم لا تعني بالضرورة نشأة أنظمة تناصب العداء للولايات المتحدة، فعدة دول أوروبية حاربت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية تحولت إلى أنظمة ديمقراطية تابعة لها بعد ذلك كألمانيا وإيطاليا.

إن موجة الديمقراطية سوف تجتاح العالم في المستقبل بكل تأكيد والدول الناجحة هي التي تعرف كيف تتأقلم مع الأوضاع السياسية وتحول هزيمتها السابقة إلى نصر اقتصادي كما فعلت اليابان وألمانيا، أما الدول التي تحاول أن تعيش خارج سياقها التاريخي فتحاول جاهدة كبح جماح التطور الديمقراطي مستغلة الدين كغطاء لشرعيتها، مع العلم أن هذا لا ينفي مسؤولية النخب المثقفة في الدفع بدولها نحو الدمقرطة والمزيد من الحريات وإن أبدت في الكثير من المواقف تغاضيها عن الأوضاع السياسية في أوطانها.

فعندما اندلعت الثورة الفرنسية سنة 1789 لمن يكن الشعب الفرنسي يعاني حينها من الفقر بل كانت فرنسا من أغنى الدول في العالم غير أن رغبة الطبقة الوسطى متمثلة في أصحاب المهن الحرة كالأطباء والمحامين والأساتذة الجامعيين والمثقفين وأصحاب المقاولات دفعت بهم إلى مناهضة النظام الملكي المطلق الذي كان يعتمد في حكمه على طبقتي النبلاء الأرستقراطيين ورجال الدين الإكليروس وهمش بالمقابل الطبقة البورجوازية التي كانت تحرك الاقتصاد الفرنسي، وكذلك شعور الأمريكيين بتساويهم مع البريطانيين دفع بهم إلى الثورة الأمريكية سنة 1775 ضد المستعمر البريطاني وأدى إلى استقلال المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشر، فهل ما تزال دول المنطقة العربية استثناءا؟

ولماذا تأبى رياح التغيير الديمقراطي السلمي أن تهب على المنطقة؟ هل يرجع السبب إلى طبيعة الأنظمة أم إلى الدين أم إلى الطبقة المثقفة أم إلى رجال المال والأعمال؟ مع أن من شروط نجاح التغيير هو أن تنضج عوامل ظهوره من الداخل كما وقع في إسبانيا بعد وفاة الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو سنة 1975 وتقلد العاهل خوان كارلوس عرش المملكة الإسبانية والذي حول إسبانيا من ديكتاتورية عسكرية إلى ملكية دستورية يسود فيها الملك ولا يحكم في غضون ثلاث سنوات فقط مع صدور دستور سنة 1978 الذي لا تزال إسبانيا تحتكم إليه ليومنا هذا.

وختامًا لا يسعنا إلا أن ننشد ذلك اليوم الذي تتحول فيه المنطقة العربية إلى واحة للديمقراطيات الناشئة شأنها شأن دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية التي استطاعت في ظرف وجيز نفض غبار الديكتاتورية والتخلف الاقتصادي والنهوض بالأوضاع الاقتصادية لبلدانها اعتمادًا على مواردها البشرية وذلك لأن الإنسان هو عنصر التنمية الأول وليس البترول أو الغاز الطبيعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد