الولايات المتحدة الأمريكية في حرب دائمة ضد الإنسانية في العقود السبعة الماضية، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتسيدها للعالم بالاشتراك مع الاتحاد السوفيتي السابق. وازدادت شراسة حربها ضد الإنسانية بعد انهيار هذا الأخير، وبقائها كقطب أوحد يهيمن على العالم! ففائض القوة الذي تملكه، والطمع الجارف الذي يسيطر على قادة مجمع الصناعات العسكرية، أفقدها التزامها بالديمقراطية والحرية خارج حدودها، إلا أن الدستور لا يسمح بالتدخل خارج الحدود إلا لأسباب مقنعة، ولا يسمح بالحد من حريات الشعب الأمريكي إلا لذات الأسباب. وعليه فقد بدأ «شياطين» الحكم، وخاصة قادة مجمع الصناعات العسكرية بـ«فبركة» المنظمات الإرهابية والأعمال الإرهابية، لتنفيذ أجندتها الخارجية بالتدخل في البلاد التي تريد نهب ثرواتها، وإيقاف عجلة التقدم فيها، والداخلية للحد من حرية المواطنين، وتعطيل مراقبتهم لحكومة بلدهم!

بعد عاصفة كاترينا عام 2004 في عهد جورج بوش الابن، وما حصل من شغب يشبه الثورة في مدينة (أورلينز)، وعدم قدرة إدارة بوش على تخطي الأزمة، وبعد الأزمة المالية عام 2008 أيضًا في عهد بوش الابن، فقد الأمريكيون أو على الأقل الطبقة الوسطى والفقراء منهم الثقة في قدرة الإدارات الأمريكية على حل الأزمات الطارئة، واعتقد الكثيرون أنه كانت هناك بوادر ثورة. ولكن حدث ذلك في نهاية عهد بوش الابن؛ مما جعل الأمور تسير بانتظار الانتخابات التالية. فكانت النخبة التي تدير الدفة من وراء الكواليس من الذكاء بحيث اختاروا المرشح الديمقراطي والمحامي «المفوه» والأقدر على الخداع، وهو باراك أوباما! وكان شعاره مضللًا ومخادعًا، إذ كتب كلمة تغيير بالحروف الكبيرة وتحتها نحتاج، أي أن الشعار كان: «نحتاج للتغيير» «CHANGE we need». وبدؤوا بفبركة الإرهاب والمنظمات الإرهابية كما حدث في 11/9 من أجل إرهاب وتقييد حرية الشعب الأمريكي.

يقول غاريكاي تشينغو الباحث في جامعة هارفارد الأمريكية: «وبالزيادة السريعة لكل من السرية والمراقبة الحكوميتين، فإن حكومة أوباما تعزز قوتها لمراقبة المواطنين، وبنفس الوقت تقلل من سلطة المواطنين لمراقبة حكومتهم! فالإرهاب إذن ذريعة لتبرير مراقبة الجماهير، الذين يحضرون لثورة شعبية». ويستطرد تشينغو: «وينبغي النظر إلى ما يسمى بـ(الحرب على الإرهاب) لمعرفة سببها: إنها ذريعة للحفاظ على الجيش الأمريكي المتضخم بشكل خطير». لقد كتبت في مقال سابق أن الخطاب المسجل لأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 14/11/2016، والذي قضاه في تهديد تركيا والمملكة العربية السعودية، لم يكن سوى رسالة باراك أوباما ونتنياهو إلى تركيا قرأها البغدادي نيابة عنهما. وكان أوباما قد طلب ترحيل عائلات القنصلية الأمريكية من إسطنبول قبل خطاب البغدادي ببضعة أيام فقط!

أما روبن كوك وزير الخارجية البريطاني الأسبق، فقد أخبر مجلس العموم البريطاني أن تنظيم القاعدة كان بلا شك أحد منتجات وكالات الاستخبارات الغربية. وأوضح السيد كوك أن تنظيم القاعدة، الذي يعني حرفيًّا اختصارًا لـ«قاعدة البيانات» في اللغة العربية، كانت في الأصل قاعدة بيانات الكمبيوتر لآلاف المتطرفين الإسلاميين، الذين تم تدريبهم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية من أجل هزيمة الروس في أفغانستان.

ويؤكد الباحث الكندي البروفسور ميشيل تشوسودوفسكي في مقال في 23 نيسان/ أبريل 2016 عنوانه (الإرهاب مصنوع في أمريكا. الحرب الكونية على الإرهاب «فبركة» وكذبة كبيرة) أن: «الإرهاب صناعة أمريكية وليس صناعة العالم الإسلامي». الأخطر أن البروفسور تشوسودوفسكي قال إن حلف الناتو NATO كان مسؤولًا عن تجنيد أعضاء من الدولة الإسلامية، بينما تقوم إسرائيل بتمويل عناصر جهادية عالمية داخل سوريا! ويقول الناشط والمصلح الإسلامي الماليزي الدكتور شاندرا مظفر إن الولايات المتحدة تلاعبت بالدين لتوسيع هيمنتها العالمية على الدول ذات السيادة!

فيما يقول مارك تاليانو الكاتب في «الهيرالد تربيون الأمريكية» وموقع البحث العالمي Global Research في 17/2/2017: «إن استخدام الغرب لتنظيمات كالدولة الإسلامية ISIS، والقاعدة في محاولاته لتدمير سوريا معروف، وموثق، ومثبت بشكل كافٍ»! ويضيف تاليانو أن أمريكا استخدمت اليورانيوم المنضب –وهو من أسلحة الدمار الشامل– في سوريا كما استخدمته من قبل في العراق. إلا أن الأمر اختلط على الصحافة الغربية؛ لأن أمريكا استخدمته ضد تنظيم الدولة ISIS فكأنها لم تستخدمه ضد السوريين، والحقيقة هي أن أمريكا، على عكس ما تزعمه، تريد تدمير البنية التحتية للسوريين وليس لتنظيم الدولة!

ويؤكد تاليانو أن أمريكا تهاجم كلا الطرفين -النظام والمعارضة– لتأجيج وإطالة أمد الصراع الداخلي في سوريا! ويعتقد أن إقالة الجنرال فلين General Flynn كانت بسبب أنه أكد بشكل علني أن دعم الغرب لتنظيم الدولة الإسلامية ISIS، والمجموعات الإرهابية الأخرى قرار متعمد willful decision، طبعًا إضافة للسبب الرئيس وهو نيته «التهدئة» مع روسيا وليس التصعيد! ويؤكد تاليانو أن المستفيد من هذه الحرب العالمية على «الإرهاب»، ومن الفقر هو مجمع الصناعات العسكرية، أما البقية فتخسر كل شيء! ولذلك يريدون استمرار الحرب الباردة التي بدأت مع روسيا، وعليه شنوا حملة إبعاد الجنرال فلين ونجحوا.

في أي جريمة تقع في أي ركن من زوايا الأرض يبحث المحققون عن المستفيد من الجريمة، إلا مع جرائم الإرهاب التي ترتكبها المنظمات الإرهابية، وبالأخص ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ISIS، فإن المحققين يبحثون عن الضحية لاتهامها! والضحية هنا هو الإسلام المعتدل الذي لا سبيل للوصول إليه لتحطيمه إلا بـ«فبركة» ما يشوهه، تمهيدًا لاستئصاله من قلوب أتباعه، ومن قلوب المتعاطفين معه.

تنظيم الدولة تصله الأسلحة بيسر وسهولة، إذ تلقيها الطائرات الأمريكية بالخطأ! تتقدم المعارضة -بغض النظر عن الموقف السياسي- في العراق أو سوريا أو ليبيا، فينهال عليها التحالف الدولي والإسلامي والعربي والروسي والمختلط بالقصف الجوي حتى تنسحب أو تفنى. ولكن استيلاء «داعش» على الموصل والرقة مسموح ولو إلى حين لإثبات «قوة» التنظيم -المستمدة أصلًا منهم-، وتنكفئ الطائرات والصواريخ رغم ملاءمة الجو لكل أشكال العربدة الجوية، إلا أن هناك «غاية» في نفس من صنع داعش!

ويبدو أن لـ «داعش» قدرة «سحرية» فائقة، فخلال ساعات قبل سنتين انتقلت داعش إلى سيناء وليبيا وأفغانستان، وفورًا امتلكت كل صنوف الأسلحة عدا الطائرات الحربية والمضادات الجوية طبعًا! وربما غدًا ستكون في كل الدول العربية والإسلامية المراد تحطيمها! فما «داعش» إلا صناعة و«فبركة» الغرب لتنفيذ ما قاله رونالد ريغان في خطاب تنصيبه رئيسًا لأمريكا في 20/1/1981 «Let’s go on a crusade»، أي «دعونا نذهب في حملة صليبية»، إلا أن حملته تأجلت لاستخدام «الإرهابيين» في تفكيك الاتحاد السوفيتي! وكذلك لتنفيذ ما قاله جورج بوش الابن عن حملة صليبية عام 2003 قبيل احتلال العراق، لكنه سحب قوله حسب نصيحة المستشارين، وسحبها لفظيًّا ونفذها عمليًّا. وما كانت تفجيرات 11/9 إلا استمرارًا في خلق الذرائع لتحطيم الدول العربية والإسلامية الواحدة تلو الأخرى! وها هم تخلصوا من العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، ووضعوا «أم الدنيا» في «أيدٍ أمينة». أما تركيا فما زالت الحرب مستعرة ضدها ولعلها أكبر الأهداف!

أثناء كتابتي لهذا المقال، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم: «العالم يتظاهر بأنه يحارب (داعش) والحقيقة ليس هناك من يحارب التنظيم الإرهابي سوى تركيا التي تمكنت من تحرير الباب من خلال درع الفرات». وأعتقد أنه يقصد الغرب وأمريكا تحديدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد