لكي تصبح أي طريقة تفكير سائدة، لا بد من وجود جهاز مفهوماتي متكامل، يحتكم إلى دوافعنا وحدوسنا ودوافعنا وقيمنا ورغباتنا الفردية، إضافة إلى الإمكانات المتأصلة في العالم الاجتماعي الذي نعيش فيه. حتى إذا كان هذا الجهاز ناجحًا، فإنه يتجذر في صلب مفهوم الفطرة السليمة والرأي السديد، بحيث يؤخذ به بدهيًّا على هواهنه ولا يبقى عرضة للمساءلة والتنفيذ .

لذلك فإن مؤسسي الفكر الليبرالي قد اتخذو من الحرية والكرامة الإنسانية مثالين سياسيين يتمحور حولهما جهازهم المفهوماتي، واعتبروهما القيمتين المركزيتين للحضارة، وقد كان اختيارهم صائبًا وحكيمًا، فهذان المثالان لا يقاومان من حيث فتنتهما وقدرتهما على الإقناع، كما اعتبروا أن هاتين القيمتين لا تتهددهما فقط الفاشية والشيوعية والديكتاتورية المختلفة، بل أيضًا كل أشكال وصيغ تدخل الدولة، التي تحل الأحكام الجمعية محل حرية الأفراد في الاختيار .

يتمتع مفهوما الحرية والكرامة بحد ذاتهما بنوع كبير من السطوة والجاذبية، فكلاهما شجع وشرعن قوى المعارضة وحركات المنشقين في شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي قبل نهاية الحرب الباردة، وكلاهما كان وراء تحرك الطلاب في ساحة تيامن في العاصمة الصينية بكين، وفي عام 1968، كانت الحركات الطلابية التي اجتاحت العالم من باريس وشيكاغو إلى بانكوك ومكسيكو، قد قامت جزئيًّا بفعل سعي مماثل لتحقيق قدر أكبر من حرية التعبير والاختيار الشخصي .

ويمكن القول عمومًا: إن هذين المثالين يجتذبان كل الأفراد الذين يثمنون القدرة العالية على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم .

في السنوات القليلة الماضية لعبت فكرة الحرية، المتجذرة في عمق التقاليد والقيم الأمريكية، دورًا بارزًا في حياة الولايات المتحدة الأمريكية المعاصرة، حيث اعتبر العديد من المفسرين الأمريكين أن أحداث 11 أيلول / سبتمبر باعتبارها هجومًا على الحرية.

كتب الرئيس بوش في الذكرى الأولى لذلك اليوم: “إن عالمًا يسوده السلام وتزدهر فيه الحرية يخدم المصالح الأمريكية بعيدة الأمد، ويعكس ديمومة المثل الأمريكية الثابتة، ويوحد حلفاء الولايات المتحدة في العالم”.

“والانسانية اليوم تحمل في يدها فرصة منح الحرية نصرها المبين على أعدائها القدامى”. اختتم بوش خطابه: “والولايات المتحدة ترحب بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها لحمل هذه الرسالة العظيمة”. وبعد فترة وجيزة، صدرت وثيقة (إستراتيجية الدفاع القومي للولايات المتحدة) وتضمنت اللغة ذاتها، ثم قال بوش لاحقًا: “الحرية هبة الله القدير لكل رجل وامرأة في هذا العالم”، وأضاف: “إن الولايات المتحدة كأكبر قوة على وجه الأرض عليها واجب العمل على نشر الحرية “.

وعندما ثبت قصور كافة الأسباب الأخرى لتبرير شن حرب استباقية على العراق، احتكم الرئيس الأمريكي إلى فكرة أن الحرية الممنوحة للعراق تشكل بحد ذاتها مبررًا كافيا للحرب: لقد أصبح العراقيون أحرارًا، وهذا مايهمهم .

ولكن ماهذه الحرب التي تبررها هبة الحرية؟
على اعتبار أن الحرية كما لاحظ الناقد الثقافي ماثيو أرنولد بفطنة قبل أمد بعيد: “الحرية حصان رائع نمتطيه، ولكن نمتطيه إلى وجهة محددة”، ويكمن السؤال هنا إلى أي وجهة يفترض بالشعب العراقي امتطاء حصان الحرية الذي أهدي إليهم بقوة السلاح؟

قدمت إدارة بوش إجاباتها في 19 أيلول / سبتمبر 2003، عندما أصدر بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، أربعة أوامر تضمنت خصخصة كل المشاريع العراقية العامة بشكل كامل، وإعطاء الشركات الأجنبية حقوق الملكية الكاملة لمشاريعها وأعمالها في العراق، والحرية الكاملة في تحويل أرباحها خارج العراق، وفتح البنوك العراقية أمام السيطرة الأجنبية، والمساواة في التعامل بين الشركات الأجنبية والوطنية، وإزالة كافة العوائق تقريبًا أمام حرية التجارة، وتطبق هذه الأحكام في المجالات الاقتصادية والمالية والصناعية والنقل والبناء ووسائل الإعلام، والجدير بالذكر هو أن قطاع النفط وحده الذي أعفي من هذه الأحكام، ربما لأهميته الجيوسياسية ومكانته الخاصة كمنتج حقيقي للدخل القومي القادر على دفع تكاليف الحرب، من الجهة المقابلة تم فرض قيود مشددة على سوق العمل، فمنعت الإضرابات عمليًا في كل القطاعات المفتاحية في الاقتصاد العراقي، وحددت حقوق الانضمام إلى نقابات العمال، كما تم فرض نظام ضريبي تنازلي إلى أبعد الحدود (تطبيقا لخطة طموحة للإصلاح الضريبي طالما طالب المحافظون بتطبيقها في الولايات المتحدة نفسها).
جادل بعضهم في أن هذه الأحكام تنتهك بنود اتفاقية جنيف، لأن سلطة الاحتلال غير مفوضة بحماية ولا بيع أصول وثروات البلد المحتل.

فالمتمعن في السياسة الأمريكية يجد أنها تسعى لتطويع وتأويل كافة المفاهيم الإنسانية لتبرير كافة ممارساتها وتجنيد الرأي العام لصالحها، حتى وإن بدا شكليًا أنه يحقق الغرض المطلوب منها .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد