الثورة السورية وموقف القوى الدولية منها ومن الشرق الأوسط:

سادت المنطقة العربية في 2010 حركة تغيرات كبيرة، وثورات وانتفاضات شعبية سميت بثورات «الربيع العربي»، خرجت الشعوب طامحة في التغيير والأمل في القضاء على الأنظمة الفاسدة التي ذاقت في عهودها كل أنواع العذاب، وكتم للأفواه، وكافة أشكال الفساد والاستبداد، خرجت هذه الشعوب بطرق سلمية تأمل أن تسمعها فقط هذه الأنظمة ولو مرة واحدة، ولكن أرادت تلك الأنظمة كتم هذه الأصوات بالرصاص والحل الأمني بدلًا عن أن تسمع مطالب الشعوب وتعمل على حلها وتغيير سياستها لتواكب التطورات العالمية وتعمل على تحسين مستوى معيشة الفرد، ولكن كان جواب هذه الأنظمة المستبدة رفع صوت الصواريخ والمدافع في وجه شعوبهم.

كان من أشد الأنظمة العربية بطشًا بشعبه هو النظام السوري تحت زعامة بشار الأسد، وذلك عندما قامت الثورة السورية بطريقة سلمية مطالبة بتغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية لتعيش كما تعيش باقي شعوب الأرض وتتمتع بخيرها وحريتها، إلا أن النظام السوري رفض هذه السلمية وحولها إلى برك من دماء شعبه، وأطلق الرصاص على الصدور العارية، وتحولت سوريا إلى حروب أهلية ومسرح لتدخلات الدولية على أرضها، وذلك بفضل ضيق عقل نظامها، فكانت النتيجة تسارعت الدول لجني المكاسب من سوريا ذات الموقع والثروة، وفي مقدمة هذه الدول أمريكا، وروسيا، وإيران، ومن ثم تركيا، فأصبحت سوريا ساحة للتنافس الدولي.

فكان في مقدمة الدول روسيا وأمريكا، حيث زاد الصراع بينهما من أجل ثورات ومصالح في الشرق الأوسط، حيث تنافس كل منهما من أجل مصالح اقتصادية وسياسية، وخاصة في المنطقة العربية، فقد كانت ولا زالت القوتان تتنافسان وتخوضان الحروب بالنيابة من اجل السيطرة على المنطقة، فقد استغلت أمريكا انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وذلك لتوسيع نفوذها في المنطقة، وقد استغلت أول ذريعة بذلك وهي احتلال العراق للكويت، إذ عملت أمريكا بالتعاون مع حلفائها الغربيين والعرب على إصدار قرارات من مجلس الأمن ضد العراق وفرض الحصار عليه، وكان هدف أمريكا هو احتلال العراق مستغلة الفوضى وضعف الدولة الروسية وريثة الاتحاد السوفيتي، وبهذا خطت الخطوة المهمة في التغلغل في دولة كانت إلى وقت قريب من الدول الحليفة للاتحاد السوفيتي، وحققت خطوتها باحتلال العراق عام 2003، بحجة أسلحة الدمار الشامل وتهديد السلم العالمي، وقد نجحت في ذلك، بالرغم من معرفة الجميع أن العراق لا يمتلك نوويًا، ولكن يمتلك اقتصاد وبترول ومناطق نفوذ، ومن بعد العراق ظهر التنافس الروسي الأمريكي في عدة مناطق أهمها سوريا وليبيا وغيرها من المناطق.

خفايا الموقف الروسي والأمريكي من الأزمة السورية:

وقد رسخت أمريكا وجودها في سوريا بدءًا من انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية، حيث كانت متابعة للأحداث عن قرب، خوفًا من التوسع الإيراني في المنطقة بعد تحكمه في القرار اللبناني والعراقي، وأيضًا خوفًا من تثبيت الروس لوجودهم في الشرق والتوسع في المياه الدافئة التي تمثل عاملًا إستراتيجيًا هام وقوة لروسيا، حيث إن 50% من تجارة روسيا تمر عبر المياه، واستغلت أمريكا ذلك في حروبها الباردة مع السوفييت، وخصوصًا البحر المتوسط، الذي أغلقته في وجهه مما ساهم في انهياره، ففطنت روسيا لذلك، فتدخلت بسرعة البرق بجانب النظام السوري الاشتراكي لتضمن قاعدة مهمة على البحر المتوسط وهي قاعدة طرطوس، لتكون انطلاقة في أماكن عدة من البحر المتوسط، وهذا ما نراه في الموقف الروسي من ليبيا.

أخذت الولايات المتحدة هذه الخطوات الروسية تجاه الشرق بعين الجد والاعتبار، فكانت ترى أن الدبلوماسية هي الحل وخلق قوميات وجماعات ضغط سياسي، مثل الأكراد وغيرهم من جماعات مسلحة قادرة على تعزيز نفوذها في المنطقة، وأيضًا الاستحواذ على مناطق النفط، وعملت بدبلوماسية عالية مع القضية السورية من أول لحظة، حيث يعلم الجانب الأمريكي بخطورة الملف السوري وكثرة الشركاء فيه.

فكانت في البداية تدعم بقاء وجود النظام وتنحي الأسد، وتكوين حكومة ائتلافية، ولكن سرعان ما تردد الأمريكان في ذلك، خشية أن تزداد قوة المعارضة، وخصوصًا مع وصول التيار الإسلامي لحكم مصر، وفي عدة مناطق عربية، فخافوا من سلطة التيار الإسلامي أن يتمدد ويساهم في هيمنة وتثبيت المعارضة؛ مما قديشكل ذلك تهديدًا صريحًا على أمن إسرائيل، فعمل الأمريكان على استخدام إستراتيجية جديدة كان صاحبها المفكر اليهودي الأمريكي «لتوان»، حيث تمسى نظرية «إعطاء الحرب فرصة»، وخلاصتها: لا تجعل طرفًا ينتصر على الآخر، فكن مع النظام، وفي نفس الوقت دعم المعارضة بالسلاح، واستغل الفرص وادعم موقفك وفقًا لمصلحتك وأمنك القومي، واجعل القتال مستمرًا بين جميع الأطراف، حتى تجني ما تريد.

وظلت هذه السياسة الأمريكية ما بين اللين والشدة مع الأزمة السورية، وصولًا إلى قانون قيصر لتحد من النفوذ الروسي والإيراني لدعم بشار الأسد، وأيضًا لتعجل من بشار لتأتي بما يتوافق مع طموحها ومصالحها، وهذه الإستراتيجية والنظرية نراها أيضًا في الملف المصري بخلق أطراف قادرة على استمرار الجدال فمنهم من يمتلك السلطة ومنهم من يمتلك المال فيظل الجدال والصراع على السلطة باقيًا، والمنتصر أمريكا ومصالحها بإعطاء الحرب الكلامية أو الحربية فرصة، كذلك في اليمن عن طريق ترك بعض الأطراف وتدعيم طرف على حساب طرف وعدم حسم الأمر، وأيضًا الملف الليبي بخلق جدال وصراع وفصائل حربية جديدة كلما تقترب الأزمة من الحل، فالخاسر العرب والمسلمين والمنتصر أمريكا بدماء وأموال المسلمين، في النهاية تكتب الحل الذي تريده وفقًا لمصالحها ومصالح الشركاء، سواء في الغرب أو القوى الدولية، المهم يكون لها نصيب الأسد.

أسباب ساهمت في فشل الثورة السورية:

– عدم وجود نخب سياسية لديها خطة ورؤية كاملة ومجلس ثورة قادر على تحمل الفترة الانتقالية بعد سقوط الأسد، فغياب النخب ساهم في جعل قوى الثورة شيعًا وأحزاب وفصائل.

– انقسام قوى الثورة على نفسها، واستغل النظام ذلك بتعيين وتجنيد قيادات من قوى الثورة تكون تابعة له متغلغلة في صفوف الثورة ولها كلمتها، فتكون قادرة على شق الصف، بمعنى فرق تسود، وزرع هؤلاء العملاء بخبرة الروس ومكر الإيرانيين؛ مما عجل في انقسام قوى المعارضة على نفسها، وبقاء نظام الأسد إلى الآن.

– انتقال قوة الثورة من المحاربة عن قضية الوطن والحرية ونظام عادل وأهداف ثورتهم، إلى حروب الوكالة وحروب الدعم المالي العربي والدولي وغيره، وأيضًا رغبة المهجرين في الاستقرار والأمان في الدول الغربية والحصول على الجنسية ونسيان الثورة والأزمة وعدم الرغبة في العودة.

– ظهور صراع النخب وصراع الفصائل على مصادر التمويل؛ مما ساهم في بناء مزيد من حالات التشكيك بينهما، وعدم بناء جسور الثقة؛ مما ساهم هذه الصراع إلى خلق العبثية في المشهد السياسي السوري، وبناء حالة اليأس داخل الأهالي، ومن ثم فضلوا التهجير وترك البلد لعدم ثقتهم في النخب ولا الفصائل، مما ساهم ذلك أيضًا في تغيير الديموغرافية السياسة والجغرافية لصالح الأسد والشيعة، عن طريق تهجير أكثر من 13 مليون سوري، فكان هذا أكبر خطأ وقعت فيه النخبة والدول العربية والإسلامية التي سمحت بترك هؤلاء لأراضيهم، بل قامت بتمويل ذلك، فكان من الأولى تمويلهم على أرض الوطن، وليس المساهمة في إخراجهم خارج الوطن، وترك مساحات فارغة من الأرض للشيعة، وسيدفع الجميع الثمن كما دفعناه بالسماح للفلسطينيين بترك بيوتهم وأراضيهم وخلق قضية اللاجئين وترك الوطن والأرض، فاستغل اليهود ذلك، واليوم الشيعة تستغل ذلك، ومن ثم نبكي ونقولئ باعوا الوطن، ولكن من خطط وسمح ومول تهجير هؤلاء هو من باع الوطن، وفي مقدمتهم العرب والنخبة السورية والفصائل.

– التمويل للمهجرين السوريين، وخصوصًا النخب وإنشاء مؤسسات لهم في الخارج بدعم وتمويل مختلف ساهم في ضرب البنية السياسية وضعفها وخلق حالة صراع بينهما لمن يستحوذ على التمويل الأكثر، ويكون وكيل لأية دولة مقابل بقاء المؤسسة وضمان جانب من السلطة عند الحل السياسي، فأصبح الانتماء والتحرك لصالح المؤسسات لا لصالح البناء والوحدة السياسية؛ مما أصيبوا هؤلاء بالعشوائية والتفرد بالقرار، والنتيجة الضعف وتمويل لغير أهله، وحروب وجدال بينهما من أجل ذلك، ومن هنا ساهموا في إعطاء الحرب فرصة.

– عند التأمل في القضية السورية الآن نكتشف أن هذه الدولة السورية لا تعاني من بنية تحتية واستبداد فقط كما كنا نعتقد، فالأزمة أظهرت حقائق خفية وقضايا شائكة وواقعية، ربما عمل النظام على تقويتها ليستخدمها في مثل هذه الأحداث، حيث نجد أن هناك صراعًا طائفيًا وثقافيًا واضحًا وخطيرًا، ففي بداية الأزمة لم يظهر بشكل واضح، ومع تطورات الأزمة ظهرت هذه القضية، بل كانت السبب في الخلافات والانقسامات بين فصائل المعارضة، وقد استغل النظام ذلك من أجل التفريق وخلق انقسامات في صفوف المعارضة، والشعب، وقد نجح في ذلك، حيث إن هذا الصراع الطائفي والثقافي قد أخذ أبعادًا سياسة واقتصادية؛ مما مكن الأسد ونظامه في البقاء إلى الآن.

– هناك صراع دولي مختلف منه عقائدي بين إيران وتركيا حيث النفوذ السني والنفوذ الشيعي، ولنا في الحرب الصفوية العثمانية أكبر مثال ودليل، وأيضًا يمكن اعتبار سوريا ساحة حرب باردة جديدة بين روسيا وأمريكا؛ مما يؤثر ذلك على مستقبل الملف السوري وحلوله المستقبلية.

سيناريوهات حل الأزمة السورية من وجهة النظر الأمريكية:

الصراع الجيوسياسي بين الروس والأمريكان على السيادة الدولية، يجعل هناك عدة احتمالات مختلفة لحل القضية السورية منها:

– أن الموقف الأمريكي يسعي لإزاحة بشار عن السلطة لتعاونه مع الروس وإيران والمجيء بنظام يتوافق مع السياسة الأمريكية ولديه الرغبة الكاملة للعمل وفق هذه السياسة، ويعمل على وقف التوسع الإيراني والروسي في المنطقة.

– الموافقة على إبقاء الأسد بشروط تضمن مصالح أمريكا ويكون لها النصيب الأكبر من هذه الشروط، أو الإبقاء على نظامه، ولكن تنحيه والمجيء بأحد أفراد النظام السوري، أو عائلة بشار، وتكوين حكومة ائتلافية بالاتفاق مع المعارضة، وظهر ذلك في مشاكل رجال الأعمال مع بشار مثل رامي مخلوف وغيره، وصدور قانون قيصر، وضرب الليرة السورية وفقد قيمتها.

– توافق أمريكا على تقسيم سوريا وضمان بقاء البترول تحت يدها ويدي الأكراد كقومية لها وزنها وضغطها السياسي على العديد من الدول المهمة مثل «تركيا – إيران، العراق، سوريا»، وهذا من أصعب السيناريوهات المحتملة، حيث قوة استفادة أمريكا في التقسيم أو الأنظمة الشكلية.

وفي النهاية يمكن تلخيص هدف الولايات المتحدة في سوريا إلى: حماية أمن إسرائيل – وقف التمدد الروسي في المنطقة – مساندة ومساعدة الأكراد واستخدامها كجماعة ضغط سياسي – الاستفادة من مناطق البترول – طمأنة الدول الأوربية بأنها مسيطرة على الموقف وعلى التمدد الروسي في المنطقة، بل هي القادرة على حماية أوروبا من التهديد الروسي – الحفاظ على أمن الخليج وفق مصالحها المادية – وقف تمدد السياسة التركية في المنطقة.

فمن هنا تتغير السياسة والموقف الأمريكي حسب متطلبات المصلحة والأمن القومي الأمريكي، سواء في عهد ترامب أو أوباما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد