تحيي الوطنية في النفوس العصبية الفردية والقبلية وما في ذلك من أثر حميد في بث روح المقاومة في أفراد الشعب ضد المستعمر، أو الدفاع عن الوطن ضد غزو خارجي؛ ولكن الهتاف بها في طور الاستبداد لا يكون إلا من أجل الوصول إلى الحكم، أو مبررًا لسلب الشعب حقوقه وقمع أي صوت معارض للنظام؛ ويتناسب ارتفاع الهتاف بها طرديًّا مع تردي الأوضاع المعيشية ومطالبة الشعب بحقوقه لما لها من أثر في قبول الشعب بتلك الأوضاع من أجل دعم البلد المتمثلة في شخص الحاكم ونظامه.

استخدمها الحزب النازي الألماني في الترويج لنفسه عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، فأثار الولاء السياسي وما يسمى بالوعي العرقي ووعوده بحياة أفضل وتحسين المستوى المعيشي، مما ساعد في استيلاء النازيين على السلطة – ووصول أدولف هتلر إلى مستشار الرئيس الألماني وبعد وفاته تولى حكم البلاد – بعد أن كانوا لا يمثلون أكثر من 3% من أعضاء الرايخ في 1924، وما تلا ذلك من قمع للحريات والقضاء على المعارضة ليصبح الحزب النازي هو الحزب الحاكم.

واستخدمها الفاشي موسوليني أيضا في الوصول إلى حكم إيطاليا، فقد دعا إلى تأسيس الحركة الفاشية، والتي تقوم على أساس العصبية القومية الإيطالية، والتي استطاع من خلالها الوصول إلى البرلمان، ثم قيادة مظاهرة تحت شعار «إما أن تعطي لنا الحكومة أو نأخذ حقنا بالمسير إلى روما»، كُلف على إثرها بتشكيل الحكومة وما تلا ذلك من إلغاء للأحزاب ومنع كل نشاط لغير الفاشيين.

واستغلها أيضًا ستالين في دعم فكرة «الاشتراكية في بلد واحد» – ورغم معارضتها للأممية الماركسية – فإنها كانت داعمًا له في معركته ضد تروتسكي على خلافة لينين في رئاسة الحزب البلشفي.

وأيضًا، اعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياسته الانتخابية على إثارة المشاعر القومية لدى الأمريكيين ومهاجمته للمهاجرين وأصحاب البشرة السمراء، والدعوة لبناء جدار الفصل العنصري على الحدود مع المكسيك.

وتاريخنا المصري الحديث شاهد على الهتاف بالوطنية من أجل دعم الأنظمة الاستبدادية والوصول إلى الحكم. فقد اعتمد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الوصول إلى حكم مصر على ترديد الإعلام بأنه قاهر الإنجليز والمخلص من الملكية وسلطة الإقطاع، وقد استطاع أن يستغل الآلة الإعلامية أحسن استغلال، فقد خرجت مظاهرات تهتف بـ«لا حرية لا برلمان ولا أحزاب»، وحتى في أعقاب نكسة 1967، وكون جمال عبدالناصر سببًا رئيسيًّا من أسبابها، إلا أن مظاهرات خرجت تطالب بعودته مرة أخرى لرئاسة الجمهورية.

ومؤخرًا رأينا كيف ارتفع الهتاف بها من أجل دعم الانقلابي حفتر والتماس لذلك الدعم من مبررات، رغم أنها لم ترتفع ولم يتحرك معظم الشعب – الذي هتف لتدخل الجيش المصري في ليبيا – عندما تنازل النظام عن جزيرتي تيران وصنافير، وما ترتب عن ذلك من تحول السيادة على مضيق تيران من مصر إلى السعودية، والذي يصب في مصلحة الكيان الصهيوني؛ واستيراد الغاز من الكيان الصهيوني في صفقة بلغت 15 مليار دولار، أو إهمال ملف سد النهضة والنتائج الكارثية التي ستترتب عليه؛ كل ذلك لم يحرك الوطنية في النفوس، ولكن عندما قال النظام بحاجته للتدخل في الشأن الليبي بلغت الوطنية أوجها.

يُرسخ الاستبداد فكرة أن الحاكم هو الدولة ولا سبيل لمعارضته، ومع تفشي الجهل يصنع الاستبداد ميزانًا للوطنية ويضعه في يد الحكم، يحدد به متى يجب أن يرتفع الهتاف بها ليقمع المعارضة ويتهمها بالخيانة، فهو مصدر الوطنية الوحيد، فيسلب الحريات والحقوق ويقمع الأصوات التي تنادي بها ويعتقلهم ويقتلهم إن لزم الأمر، كل ذلك تحت مسمى الوطنية والحفاظ على الهوية، وفي سبيل القضاء على الاستبداد يجب أن نعي أن وطنيته زائفة وهتافه قمع لنا لا حماية، وأن كل هتاف يجعلنا نقبل بالذل والهوان ليس إلا دعوة إلى قبول المزيد العبودية والاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد