قيل قديمًا إن قراءة الكتب مجالسة، فمن خلالها نستطيع الجلوس مع العظماء والحكماء والعلماء والفلاسفة، يروى عن أحد الصالحين أنه ذات مرة قيل له: ما بالك تطيل المكوث في المنزل؟ فقال: ويحكم أنا مع النبي وصحبه! أي كان يقرأ في السير والأحاديث!

سأقدم هذه المرة موجزًا عن كتاب الحكم لابن عطاء الله السكندري، وهي مجموعة مقاطع من الكلام البليغ لأوسع المعاني بأقل العبارات مستخلصة من كتاب الله وسنة رسوله تتحدث عن تزكية النفس والارتقاء بها في مدارج الكمال والسمو وتتكون من 265 حكمة موضوعة في كتاب صغير في الحجم، عميق في المعنى، وقد تداولها أهل العلم على مر العصور وتسابقوا في شرحها وتحليلها، وشهدوا من نفحاتها الكثير، وقد اخترت تقديم شرح وتحليل علامة سوريا المرحوم – بإذن الله – الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والذي بدأ بشرحها في سلسلة دروس متتالية في مساجد دمشق في عام 1974 ولاحظ إقبال الناس عليها، رغم اختلاف مشاربهم في حب قديم متجدد لهذه الحكم الربانية العجيبة، حتى ألحوا عليه إفراغها في مجلدات، وقد فعل رحمة الله عليه رحمة واسعة، ووضعها في خمسة مجلدات تحت مسمى (الحكم العطائية)، وسأبدأ أولًا بتعريف موجز عن المؤلف والشارح، ثم عن محتوى الكتاب.

مؤلف كتاب (الحكم) هو الإمام الملقب بتاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عطاء الله السكندري المالكي المتوفي عام 709هـ فهو من أعيان القرن السابع للهجري، وقد درس علوم الشريعة في الأزهر، وتخرج على يديه مشاهير العلماء كالإمام السبكي والإمام القرافي، ثم توج حياته العلمية بالسلوك التربوي ووتزكية النفس وأمراضها التي سماها الله باطن الإثم، وتتلمذها على يد عالمين جليلين، وهما: الشيخ أبو العباس المرسي أحمد بن عمر الذي اشتهر إلى جانب غزارة العلم بالصلاح والتقوى، والآخر هو الشيخ أبو الحسن الشاذلي علي بن عبد الله، وهو المرجع الأول في الطريقة الشاذلية.

أما عن الشارح فهو علامة سوريا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي خريج كلية الشريعة بجامعة دمشق والذي عمل معيدًا، ثم عميدًا فيها وقد نال درجة الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، واشترك في كثير من المؤتمرات العالمية، وكان عضوًا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة في عمان وقد أتقن الكردية والتركية إلى جانب العربية، وكان ملمًا أيضًا باللغة الإنجليزية، وله ما يقارب 60 مؤلفًا في علوم الشريعة وآدابها والفلسفة والاجتماع ومشكلات الحضارة وغيرها وترجم بعضها إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية.

يفتتح البوطي شرحه للحكم بهذا الإهداء المحفز:

إلى كل تائه عن الله لم تجذبه عنه عصبيه لذات أو مذهب، وإلى كل جاحد بالحق لم يحجبه عنه استكبار أو عناد، أقدم لكم هذا الكتاب الجامع بين موازين العقل ونفحات الروح، عسى أن يجدوا فيه من شعاع النور والهداية ما لم يجدوه في المجادلات المنطقية والصراعات الفلسفية والله ولي كل هداية وتوفيق.

يرى البوطي أن المسلمين اليوم باتوا في ظمأ عاطفي شديد لهذه النفحات الربانية، بل أصبح إسلام الأغلبية إلا من اصطفاهم الله كالجسد بلا روح، فمعظم من هم تحت دائرة الإسلام مسلمون بعقولهم، وليس بقلوبهم، لهذا نقع دائمًا في فخ التنظير للإسلام وأفعالنا دائمًا تناقض أقوالنا، وهيهات للحجج المنطقية أن تتقلب عن أهواء النفس ونزواتها ما لم يسلك المرء سبل تزكية النفس وترويضها.

تقسم حكم ابن عطاء الله السكندري إلى ثلاثة محاور: أما المحور الأول فهو محور التوجيه، وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من المعاني الخفية، والكثيرة للشرك. والمحور الثاني يتحدث عن تزكية النفس. والمحور الثالث والأخير يتحدث عن السلوك وأحكامه المختلفة، ويعاهد البوطي نفسه على شطب كلمة تصوف من ذاكرته لحساسيتها لدى البعض، فالمسميات لا شأن له بها إنما يقصد المرء معانيها، فإذا وافق المعنى كتاب الله وسنة رسوله قبلناه، وإذا عارضه رددناه، ومن يقرأ الحكم العطائية وشروحاتها يعلم بأنها تعج بالتحذير من تجاوزات بعض ممن ينتسبون للتصوف والدين بشكل عام، علمًا بأن ابن عطاء الله السكندري نفسه لم يتطرق لهذه الكلمة في مؤلفاته حسب علم الشارح، وليس من الحكمة لكائن من كان ترك الأشياء لمجرد مسمياتها حتى أن وجدت تجاوزات ممن ينتسبون لهذه المدرسة أو تلك، فما هي المدرسة الإسلامية الموجودة في الساحة التي لا يوجد فيها تجاوزات!

من يقرأ الحكم العطائية يعود ليس كما كان؛ فهي تناقش في المجمل أهواء النفس ورغائبها من شهوة وشهرة ورياء ونفاق وحب للدنيا وكبر وعجب وحسد وغيرها من حظوظ النفس، وتتكشف للإنسان حقيقة تدينه من زيفها؛ فيصبح الأمر جليًا أمام ناظريه من ثم يختار طريقه على علم ونور، والله ولي كل هداية وتوفيق.

قبل الختام وجب التنبيه أن شرح كل حكمة يتراوح ما بين صفحة ونصف الصفحة، ولا يتجاوز في المجمل 20 صفحة يسهب فيها الشارح في ضرب الأمثلة، والنماذج لتبسيط المعنى، ويجد فيها القارئ متعة لا تضاهيها متعة من علم وحكم وأشعار وأمثال من مختلف الثقافات تعكس موسوعية الشارح وعمق معنى قول ابن عطاء الله السكندري وينصح قراءتها على شكل ورد يومي فذلك أيسر للفهم وهضم المعنى، وفيما يلي نماذج من تلك الحكم:

معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا.

ما أحببت شيئًا إلا وكنت له عبدًا، وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدًا.

أجهل الناس من ترك يقين ما عنده، لظن ما عند الناس.

لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك.

الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل، والعاقل ينظر ما يفعل الله به.

من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان، سيق إليه بسلاسل الامتحان.

من أثبت لنفسه تواضعًا فهو المتكبر حقًا، إذ ليس التواضع إلا عن رفعه، فمتى أثبت لنفسك تواضعًا فأنت المتكبر.

ورود الفاقات أعياد المريدين.

الرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية.

من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك.

علم أنك لا تقبل النصح المجرد، فذوقك من ذواقها ما يسهل عليك وجود فراقها.

متى ما آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم.

ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضًا، أو يطلب منه غرضًا، فإن المحب من يبذل لك، ليس المحب من تبذل له.

كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك؟

إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل، فاثن عليه بما هو أهله.

ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة.

من اطلع على أسرار العباد، ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه، وسببًا لجر الوبال عليه.

ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك.

استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك، دليل عدم الصدق في عبوديتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تصوف, ثقافة, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد