لإخوان الصفا مدينتهم الفاضلة القائمة على أسس وضعوها، وفق تصورات حددوها يبتغون من وراء إقامتها سعادة سكانها، كأفراد وكذلك كمجتمع، وقد سبقهم إلى مثل هذا التصور فلاسفة آخرون أمثال أفلاطون والفارابي.

إن الغاية الأساسية للمجتمعات البشرية في نظر الإخوان هي بناء المدينة الفاضلة التي تتحقق فيها سعادة الأفراد على أكمل وجه، ولا يكون ذلك إلاّ إذا تعاون أهل المدينة الفاضلة على الأمور التي تؤدي إلى نيل السعادة. ولما كان هدف إخوان الصفا من الاجتماع هدف مثالي وهو التعاون من أجل تحقيق صلاح الدنيا والفوز في الآخرة بروح تسودها المحبة والشفقة والرفق، فإنه لا يبقى أمام الإخوان سوى البدء في اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.

حدد إخوان الصفا الخطوط العريضة لمدينتهم الفاضلة، فقد جاء في إحدى رسائلهم: «لا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض، حيث تكون أخلاق سائر المدن الجائرة، ولا ينبغي أن يكون بناؤها على وجه الماء لأنه يصيبها الأمواج والاضطراب ما يصيب أهل المدن التي على السواحل من البحار، ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الهواء مرتفعًا لكيلا يصعد إليها دخان المدن الجائرة فتكدر أهويتها، وينبغي أن تكون مشرفة على سائر المدن، ليكون أهلها يشاهدون حالات أهل سائر المدن في دائم الأوقات، وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله، كيلا ينهار بناؤها وأن يشيد بناؤها على الصدق في الأقاويل، والتصديق في الضمائر وتتم أركانها على الوفاء والأمانة كي تدوم، ويكون كمالها على الغرض في الغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم».

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن قصد الإخوان بهذا الأسلوب في التعبير عن مدينتهم بأن تسيطر النفس على الجسد، ولما كان الجسد يرجع أصله إلى أربعة عناصر (الماء- الهواء- النار- التراب) في رأي الإخوان، فإنهم يقصدون بالتعبير السابق مدينة روحانية، أي مدينة النفوس المتخلّصة من مطالب الجسد، فهم ينفون عن مدينتهم هذه العناصر الأربعة:

1 – لا ينبغي أن يكون بناء هذه في الأرض (التراب).

2 – لا ينبغي أن يكون بناؤها على وجه الماء (الماء).

3 – لا ينبغي أن يكون بناؤها في الهواء (الهواء).

4 – لا يصعد إليها دخان المدن الجائرة (النار).

ويرى الإخوان أنه لكي تكون مدينتهم الفاضلة الروحانية متميزة تمامًا عن باقي المدن التي أطلقوا عليها اسم «المدن الجائرة»، يجب أن تتوافر الشروط الآتية:

1 – يجب أن يكون أهل المدينة الفاضلة أخيارًا حكماء فضلاء مستبصرين بأمور النفس والجسد وكافة أحوالهما.

2 – ينبغي أن يكون لأهل المدينة الفاضلة أسلوب في التعامل فيما بينهم، وأسلوب آخر في معاملة أهل المدن الجائرة. فيكون لهم فيما بينهم سنن كريمة.

3 – يجب أن تكون مدينة الإخوان الفاضلة مدينة روحانية خالصة لكي لا يصيبها ما يصيب الأجساد وأهل المدن الجائرة من تقلبات وأكدار.

4 – يجب أن تؤسس هذه المدينة على تقوى الله لكي لا ينهار بناؤها، وأن تقوم أركانها ويشيد بنيانها على الصدق والصفاء والوفاء والأمانة، لكي تدوم ويكون كمالها محققًا للغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم.

ومدينة إخوان الصفا بهذه الأوصاف والشروط تشبه الجمهورية التي تصورها أفلاطون، وأنها فاضلة إلهية سماوية، تحقق في تصوره العدالة المطلقة ومن ثم فلا محل لها على هذه الأرض.

ويؤكد إخوان الصفا في كل مكان من رسائلهم ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، لا يسقطون منها حرفًا وهم الأولى بها من غيرهم: «واعلم أيها الأخ أن جماعة إخوان الصفا أحق الناس بالعبادة الشرعية ومراعاة أوقاتها وأداء فروضها ومعرفة تحليلها، لأنا أخص الناس بها وأولاهم بحملها وأقرب الناس إلى من جاءت على يديه وأولاهم به».

رئيس المدينة الفاضلة

   وحيث لا بد لكل مجتمع أو شعب أو أمة من خليفة أو إمام أو رئيس بما تقتضيه المصالح العامة، وكما تقتضيه المصلحة الدينية ويمثل وحدة الشعب ويحافظ على النظام في المجتمع، يذكر إخوان الصفا في إحدى رسائلهم «بأن الناس محتاجون في تصريف أمورهم إلى رئيس يسوسهم على شرائط معلومة»، وأن الرئاسة عند الإخوان نوعان «جسماني وروحاني، فالرئاسة الجسمانية مثل رياسة الملوك والجبابرة الذين ليس لهم سلطان إلاّ على الأجسام والأجساد بالقهر والغلبة والجور والظلم، ويستعبدون الناس كرهًا ويستخدمونهم قهرًا في إصلاح أمور الدنيا وشهواتها والغرور بلذاتها وأمانيها. أما الرياسة الروحانية فهي رياسة أصحاب الشرائع الذين يملكون النفوس والأرواح بالعدل والإحسان ويستخدمونها في الملل والشرائع لحفظ الشرائع وإقامة السنن والتعبد بالإخلاص واليقين بنيل الثواب والفوز والنجاة والسعادة في المعاد».

وإذا كان الإخوان يرون أن أعلى رتبة يمكن أن يبلغها الجسد هي رتبة الملك والسلطان، وأن أعلى رتبة يمكن أن تبلغها النفس هي رتبة النبوة، وإذا كان الإنسان إنما هو جملة من جسد جسماني ونفس روحانية، فإنه ليس هناك ما يمنع من أن تجتمع لإنسان واحد النبوة والملك، وهما غاية مراتب الرياسة الروحانية والرياسة الجسمانية.

ولما كان اجتماع تلك الخصال في شخص آخر أمر عسير، كما أنه يفسح المجال للصراع والعداء بين المتطلعين إلى هذا المنصب، ولقطع الطريق على الحكم الفردي، فإن الإخوان يرون بأنه يتولى الرئاسة في المدينة الفاضلة مجلس أو هيئة مكون من الفلاسفة الذين يتوفر فيهم جل خصال النبي مجتمعين، وهذا المجلس هو أعلى سلطة في المدينة ومهمته الأساسية هي حفظ الدين والشريعة: «واعلم بأن الغرض من الملك هو حفظ الناموس» وأن الغرض من حفظ الناموس «هو طلب صلاح الدين والدنيا جميعًا، فمتى ترك القيام بواجباته انفسدا جميعًا وبطلت الحكمة، ولكن السياسة الإلهية والعناية الربانية لا تتركهما ينفسدان لأنها العلة الموجبة لوجودها وبقائها ونظامها».

نستنتج مما سبق بأن إخوان الصفا كانوا أصحاب مشروع أيديولوجي جماعي، أعطوه شكل موسوعة في إحدى وخمسين رسالة في المنطق والفلسفة والسياسة والشريعة والروحانيات. سعوا من خلالها إلى الجمع بين الشريعة الإسلامية والفلسفة اليونانية بصيغتها الأفلاطونية المحدثة اعتقادًا منهم بأنه متى حصل هذا الجمع طهرت الشريعة الإسلامية من ضلالاتها وحصل الكمال.

____________________________________________________________________________________________________________

المصادر
1- الإمام أحمد بن عبد الله: إخوان الصفا وخلان الوفا، ج1، مطبعة نخبة الأخبار، 1306هـ.
2- الإمام أحمد بن عبد الله: إخوان الصفا وخلان الوفا، ج4، مطبعة نخبة الأخبار، 1306هـ.
3- د. فؤاد معصوم: إخوان الصفا فلسفتهم وغايتهم، الطبعة الأولى، دار المدى للثقافة والنشر- بيروت، 1998م.
4- فراس السواح: طريق إخوان الصفا (المدخل إلى الغنوصية الإسلامية)، الطبعة الأولى، دار علاء الدين- دمشق، 2008.
5- د. محمد فريد حجاب: الفلسفة السياسية عند إخوان الصفا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982م.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد