متى ستعترف بأنك أخرق؟!

حينما يضيق الفراغ عليك وحيدًا، حينما تمسي سجينًا بين قضبان البراح الوهمي، عندما يغادرك الأصدقاء والأقارب والزملاء إما إلى المَهْجر أو إلى المعتقل أو إلى القبر/ الجنة.
تسد أذنيك بقوة كي لا يتسرب اللحن الذي طالما رددته مرارًا وتكرارًا راقصًا طربًا على إيقاعه، داهسًا بقدميك جثثًا لأناس لا تعرفهم.

الآن الوضع مختلف.

أنت تعرف ذاك الذي قُتل بالأمس، بل وتُقْسِم بينك وبين نفسك أنك لم تَرَ منه ما يُشينه قط.

الآن فقط تشعر بالخواء لأن قرينك الفذ “نفد بجلده” من البلاد منذ الثالث من يوليو معلنًا يأسه، ليبدأ حياة جديدة هناك. في العالم الذي يحترم كرامة الإنسان.

تلعن نفسك حينما تذكر كلماتك له في مطار القاهرة لحظة الوداع: “يا بني البلد دي أحسن من غيرها! جي تسيبها بعد ما رجعت لنا!”، وتتجلّى أمام ناظريك الآن صورته وهو يبكي بدمعٍ حار يداريه بحضن وابتسامة مُغتصبة.

أكان الحق معه؟!

الآن الوضع مختلف.

فجارك الذي كدت أن تكرهه بسبب حبه للإخوان ونزوله مسيراتهم لا يرضيك أن ترى أمه في هذه الحالة. يكفي بكاء أمك أنت كل ليلة بعد عودتها من شقتهم المقابلة لشقتكم. مرّت ثلاثة أشهر حتى الآن، ولم يعد. وقضيته تتعقد يومًا بعد يوم. حالته الصحية متدهورة. تصدّع كبد أمه من بكائها عليه كل ليلة.

الآن الوضع مختلف.

الفراغ يضيق عليك. يتناقص أعداد من أحببتهم فتخلو حياتك رويدًا رويدًا، فتتساءل بدهشة: لصالح من؟! أصبح السؤال عبثيًّا، والإجابة أشد عبثية وقهرًا. “لصالح الوطن” كما يلقنك التليفزيون الرسمي صباح مساء. أي وطن ذاك الذي يلفظ أبناءه، يقتلهم بدمٍ بارد؟ أي وطن ذاك الذي يعتقل شبابهم الغض بين جدران الزنازين؟!

خواؤك يتسع. فراغك يضيق بك. صورهم لا تفارق عينيك. وذاك اللحن اللعين يلتصق بأذنيك كما يلتصق الخفاش بوجه ضحيته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد