بسبب انقطاعنا عن لبّ ثقافتنا الإسلامية، وغياب ملامح العروبة الأولى عن مجتمعاتنا، فإنّنا ننجرّ بسهولة وراء قشور ما يسمى بالحضارة الغربية، إلى درجة صرنا نجري خلفهم في مناسبات لا تقترب من أصول أدبياتنا ومميزات مجتمعنا، وهنا أضع على طاولة النقاش مناسبة الفالنتاين أو ما يعرف مجازًا بعيد الحبّ.

لن أتناول الموضوع بالصيغة النمطية المعروفة للحديث عن فالنتاين القسيس المسيحي، والأساطير المرتبطة به والتي من كثرتها تتناقض مع بعضها، ويهدم بعضها بعضًا، وأظنها بالمجمل روايات كاذبة؛ لأنّ التاريخ يكتب بيد المنتصرين، سواءً كانوا صادقين أو كاذبين، وشخصية فالنتاين بما حملته من تحدّ لمجتمعه آنذاك لابدّ أن يُكذب على لسانه تأييدًا أو نقدًا.

كما أنّ الحديث عن هذا العيد من وجهة نظر تحريمه كتشبه بالكفار وعاداتهم قد يفتح أبوابًا للجدل لا تغلق بالسهل، وقد أكون إن عرضت الآيات والأحاديث في هذا المعرض سببًا في توجيه أذىً لهذه النصوص من وجهة لم أحسب حسابها.

أما العلاقات البالية بين الذكر والأنثى خارج حدود الشرع هي منقوضة أصلًا ولا داعٍ لفتح حوارٍ في حرمتها، فلا يخفى التحريم على مسلم صادق ما لم يُعاند ويكابر، ولن أتّخذها ذريعة لنسف هذا العيد.

كما أنّ الدماء المنسكبة في شوارع بلادنا العربية والإسلامية والأشلاء المتناثرة هنا وهناك، قد تكون أيضًا بابًا لتوبيخ المحتفلين بأنّهم خارج قضايا الأمة، وهي كذلك ليست سببًا مقنعًا لدى من يعيش بأمن وأمان تحت سلطان الطغاة والديكتاتوريات العسكرية، فقد يعتبروننا خارجين عن سلطة الأمر الواقع، أو مجرمين نستحق العقوبة.

ببساطة شديدة

 كل ما ذكرته أعلاه يُعتبر دليلًا واضحًا على عدم صحة الاحتفال بهذه المناسبة، والاندفاع لإحياء مراسمها في شوارع بلادنا وحدائقها، ولكنّني أتحدّث لذلك الزوج الذي ينتظر 14 فبراير (شباط) ليُفرح قلب زوجته بوردة حمراء، أو لذلك الموظف المسكين الذي يجمع المال منذ ثلاثة أشهر ليشتري ساعة يد يزيّن فيها معصم زوجته، أتكلّم عن بيوت قد تُشعل هذه الليلة احتفالات وابتهاجات ثم تعود المشاكل في اليوم التالي، وكأنّ هذا العيد وجبة عشاء وشمعتان فحسب.

الحبّ هو أساس العلاقة الزوجية السليمة، وهو الرابط الذي يجمع الزوجين 356 يومًا في السنة وليس يومًا في السنة، فالزوج الصالح لا ينتظر هذا اليوم ليثبت لشريكة عمره أنه يحبها، ويكنّ لها الوداد في قلبه، وكذلك إنّ الزوجة الحقيقية يشعر شريكها في كلّ ساعة أنه يعيش الفالنتاين، فلماذا نحصر أنفسنا بيوم واحد والله قد خلق لنا عمرًا كاملًا لنعيش الوداد، ونمسكهن بالمعروف حلالًا طيبًا؟

وعلى صعيد آخر إنّ احتفال مجتمع كامل بهذه المناسبة في يوم واحد قد يفتح بابًا للطمع، فالزوجة التي ترى سيارة جديدة أمام منزل جارتها هدية من زوجها، فقد ترمي الوردة الحمراء في أقرب مكبّ للنفايات، مع أنّ الأول اشترى هديته – كما يقال بالعاميّة – من طرف الجيب، أما الآخر فقد يكون حرم نفسه من الذهاب لعمله بالباص أكثر من يوم كي يوفّر ثمن الوردة، أما لو أنّ هذا الفقير أهدى زوجته في أي يوم لم يجد له منافسًا يقلل من عظمة إنجازه.

طقوس الحب تكون متميّزة وليست اعتيادية وحلاوة الهدية في المفاجأة، وبمجرد انتظار زوجك هدية منكِ في هذا اليوم يُفقدك عنصر المفاجأة، وقد ينتظر منك الزوج هدية أثمن مما تحضرين له، وتصوّري أو تصوّر لو أنّ هذا اليوم صادفه حادث مؤلم فهل يعني أنكما لن تحتفلا إلى العام القادم؟

أقول لكل محبّ يريد أن يفرح قلب حبيبته وشريكة عمره بهدية عيد الحب، أو لكل زوجة تتحيّن تلك المناسبة لإسعاد زوجها، لا تنتظروا 14 فبراير؛ فقد لا نعيش إلى ذلك الوقت، باشروا في كل يوم لإسعاد بعضكما ودعكم من قشور المناسبات الغربية التي نشأت في مجتمعاتهم المتفككة، في مجتمعاتهم المبنية على المادة والمصلحة، أما نحن عاطفيون بفطرتنا تسعدنا الابتسامة وتكسرنا الدمعة.

(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)
البقرة 187

اعتنوا بلباسكم في كل لحظة ولا تنتظروا من عام إلى آخر لغسل اللباس وكيه وتزيينه، وكذلك الزوج لزوجه يجب أن يكون مهتمًا في كل لحظة، إن أثّر على ثوبه أثر سارع لغسله، وغسيله عذر لطيف أو ابتسامة حنونة أو وردة أو هدية متواضعة، فبادروا كل ليلة رجالًا ونساءً لإسعاد الطرف الآخر والإمساك به بمعروف وودّ وحبّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات