شهدت السعودية تطورات دراماتيكية خطيرة الأيام السابقة داخل العائلة السعودية المالكة التي أسمت بقعة جغرافيا كاملة من أرض العرب والمسلمين على اسمها، اعتقال أمراء ومقتل بعضهم في تحطم طائرة، مصادرة أموال ضخمة وتجميد حسابات مصرفية، لو تتبعنا التاريخ العربي والإسلامي القديم والحديث بعد الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وحتى القرن المنصرم، سنجد أن الأمر ليس بجديد.

كثير من الزعماء الصاعدين رسخوا أركان حكمهم عبر قتل كل خصومهم ومنافيسهم الذين كانوا في كثير من الأحيان إخوة لهم أو من أقرب المقربين لهم، أو حتى من صنعوهم، عديد من الخلفاء الأمويين، بينهم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، قتلوا إما بالسم، أو بوسائل القتل الأخرى المتعددة، فيما يروى عن قتل بعضهم بشكل فظيع، بعضهم كان سكرانًا أو قتل في بركة من الخمر، وأبو مسلم الخرساني صاحب الدعوة العباسية في خرسان الذي التف حوله الناس كقائد سياسي وداهية وشاعر وعسكري حارب الدولة الأموية، وثبت أركان الدولة العباسية، حيث قتله أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين، من كثرة حب الناس له وخوف المنصور من انقلاب الخرساني عليه، وسيطاح بخلفاء عباسيين عديدين بالقتل، فيما اشتهر في التاريخ عن عديد من الخلفاء العثمانيين ممن قتلوا أبناءهم وأشقاءهم وأمهات قتلت أبناءها، لم يسلم حتى الرضع من السلالات الحاكمة جشعًا في الحكم، وخوفًا من تنافس محتمل حتى لو كان بعيد الزمن، ذكر عن عديد من الأنظمة العربية الحديثة ترسيخ حكمها عن طريق إعدام الخصوم والانقلاب على الآباء ونفيهم، لا توجد دولة عربية لا توجد فيها خفايا وأسرار عن أعمال قتل وتصفية وحوادث سم لترسيخ أركان الحكم، في السعودية نفسها قتل الملك فيصل أثناء استقباله وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي في القصر الملكي في الرياض والقاتل من العائلة المالكة نفسها.

السعودية التي تشن حربًا ضروس على اليمن، وحصارًا قاسيًا على قطر، وشنت حملة عسكرية وأمنية قاسية في الشرق السعودي ضد الشيعة، ودعمت الثورات العربية المضادة التي يقودها الاستبداديون والجيوش وأجهزة المخابرات العربية ومافيات المال والأعمال ضد أحلام شعوبهم، فكانت مصر المثال الصارخ، وحاولوا في تونس، السعودية التي تدعم مليشيات حفتر في الشرق الليبي التي ترتكب الفظائع في حق معارضيها وخصومها، السعودية التي دعمت الانفصال الكردي شمال العراق نكاية في تركيا وإيران التي ترتعد أمامها خوفًا، مثل نعامة، لكنها أرادت لعب دور الأسد على اليمن وقطر، السعودية التي وصفت حركة حماس والإخوان المسلمين بالإرهابيين، والتي ارتعدت خوفًا عندما صعدوا للسلطة في مصر والأراضي الفلسطينية وتونس، السعودية التي أكدت مصادر إسرائيلية وغربية عن زيارة سرية لمحمد بن سلمان إلى إسرائيل والحديث عن صفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية وتوطين الفلسطينيين في سيناء  مصر التي باعت جزرها في عهد السيسي للسعودية التي مولت انقلابه وقتله لشعبه في الشوارع بشكل همجي يندى له الجبين، الصفقة التي ستتيح لإسرائيل التنعم في مساحة فلسطين التاريخية كبلد يهودي صافي، الأردن قلقة جدًا من على ما يبدو من العلاقات الخليجية –  الإسرائيلية التي قد تطيح بها وبعرشها كوطن بديل للفلسطينيين، من سنوات تطالب إسرائيل أبا مازن الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل الأمر الذي يرفضه الرجل بشدة، ويشاد للرجل بذلك؛ لأنه يعلم مدى خطورة هذه الخطوة الصغيرة.

لفتني فيديو للأمير الوليد بن طلال على موقع تويتر، يؤيد فيه السيسي ويدعو للضرب بيد من حديد لما يسمى الثورات العربية بحسب تعبيره الحرفي، سرب عن الرجل أقوال عديدة لم أستطيع التأكد منها يقينا عن تأييده لإسرائيل منها  وقوفه ضد ثورة السكاكين قبل عامين ليس حرصًا على الفلسطينيين وأبنائهم، بل وقوفًا إلى جانب إسرائيل التي يعتبرها حليفًا قويًا للسعودية في مواجهة الهيمنة الإيرانية، يعيش الوليد ببذخ وترف منقطع النظير ضجت وسائل التواصل الاجتماعي المصرية قبل أشهر حول جلوس الوليد بن طلال بلباس لا يليق بمقام وزيرة مصرية اجتمع معها على ظهر يخت في شرم الشيخ، اعتبر المغردون المصريون ذلك إهانة للدولة المصرية التي جعل منها السيسي بخطاباته وكلماته غير المنطقية أضحوكة لكل متابعي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم أجمع، رجل وضع هيبة أم الدنيا في الحضيض، الوليد بن طلال بإمكانه عمل مشاريع متعددة تدعم فقراء العالم العربي تعليميًا وصحيًا وعلى كافة الأصعدة، يسرب أن الوليد بن طلال رفض الاشتراك بمشروع ضخم يعده بن سلمان على البحر الأحمر  وأمور أخرى لها علاقة بالبيت الملكي السعودي أطاحت به، قرأت مقولة لم أتمكن من معرفة قائلها: المقياس الحقيقي للثروة الخاص بك، هي كم تكون قيمتك، إذا فقدت كل ما معك من مال. فما قيمة الأمير الآن يا ترى؟ نشر د. أنور عشقي أحد مهندسي العلاقات السعودية -الإسرائيلية على حسابه على تويتر التغريدة التالية: أتدرون من السعيد؟ السعيد من لا يملك شيئًا فيحاسب عليه، ولا يملكه شيء فيتحكم فيه.

لا زالت العقلية القبلية تهيمن على العقلية السياسية السعودية الارتجالية البعيدة كل البعد عن المنهجية والعلمية والموضوعية، عقلية تعتقد أنه بالمال يمكن أن تفعل كل شيء، عقلية تعتقد أن القوة كل شيء؛ مما لا شك فيه أن المال عصب عصب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية، لكن إذا تمكن صاحب المال من توجيهه بالشكل الصحيح، وإلا سيتحول إلى نقمة على صاحبه، أعتقد أن السعودية مثال صارخ فلو راقبنا تكلفة الحرب على اليمن وآثارها الاقتصادية على الداخل السعودي، لو راقبنا كيفية تعامل ترامب مع السعودية وتدفيعه السعودية مئات المليارات وعودته لواشنطن متبجحًا ومخاطبًا شعبه عبر منصة تويتر عن عودته ومعه مال كثير ووظائف كثيرة، في حين يعيش اللاجئون السوريون في ظروف قاسية في لبنان والأردن، خصوصًا في فصل الشتاء الذي هو على الأبواب.

لو راقب مراقب اختلاف الأداء السعودي والقطري في الأزمة الخليجية الأخيرة على سبيل المثال لا الحصر سيكتشف الفرق، كلا البلدين غني وفيهما المال الكثير بحكم النفط والغاز الذي تحتوي قطر منه على أكبر كمية في العالم، لكن قطر لم تكتفي بالمال وحده أو بمعنى أدق عرفت كيف تستثمر أموالها، لقد تاجرت قطر بالعقول، عرفت قطر كيف تستثمر أموالها لإقامة مباريات كأس العالم على أراضيها عام 2022، عرفت قطر كيف تستورد كل الطاقات الأدبية والعلمية والإعلامية والقانونية الخلاقة من أرجاء العربي، قطر التي تحوي على أراضيها قناة الجزيرة التي قالت عنها الصحافة الإسرائيلية إنها توازي الـ200 رأس نووي في إسرائيل، واهتمام قطر بمراكز الأبحاث التي تعتبر الأقوى في العالم العربي بعد أن تحولت مراكز الأبحاث في البلاد العربية إلى أبواق تخدم أنظمة الاستبداد، وتطرح قضايا أبعد ما تكون عن العلم والمنطق، وأقرب ما تكون للتهريج، رأينا كيف لجأت قطر الى المنظمات الدولية المختلفة والقانون الدولي كمنظمة الطيران المدني (إيكاو) التابعة للأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية (IMO) ومنظمات حقوق الإنسان المختلفة الأمر الذي أحرج دول الحصار، رأينا هدوء السياسيين القطريين وأمير قطر الخطابي أثناء الأزمة، رأينا كيف حاولت قطر التربع على رئاسة منظمة اليونسكو، وكيف خسرت بشرف والموقف السخيف الذي وضع فيه الدبلوماسي بلده والدبلوماسية العربية عمومًا عندما صرخ بشكل هستيري عند خسارة مرشح قطر: عاشت فرنسا تسقط قطر. حتى خاطبه دبلوماسي غربي معلقًا: هل أنت متأكد أنك دبلوماسي؟

فيما استثمرت الإمارات شريكة السعودية أموالها بشكل آخر، لقد استقطبت كثير من ضباط جهاز مباحث أمن الدولة المصري الذي أثخن تعذيبًا وتنكيلًا بالمعارضين المصريين تحديدًا الإخوان المسلمين، وذلك بعد تنحي مبارك وتغيير اسم الجهاز لجهاز الأمن الوطني المصري الذي أشارت إليه منظمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها السنوي عام 2016 إنه يقوم بأشياء ووسائل تعذيب لا تصدق ولا يتخيلها عقل، حيث يمتلكون خبرة بالتعامل والتحقيق مع الإسلاميين والمعارضين، كما استقدمت السعودية عددًا منهم أيضًا، كما استقطبت الإمارات محمد دحلان كخبير ومستشار أمني الرجل الذي يمتلك خبرة بالتعامل مع المنظمات الإسلامية وتحديدًا حركة حماس الابن البار للإخوان المسلمين من خلال مسؤوليته كقائد لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة، يتهم دحلان بتأسيس ما عرف بفرقة الموت في غزة حيث اغتالت عديد من الفلسطينيين بينهم أستاذ جامعي، فيما يتهم أيضًا أنها كانت مختصة بدفع الإتاوات لكبار تجار غزة والبضائع التي كانت تدخل غزة عبر المعابر الإسرائيلية والرجل اليوم مقيم في الإمارات بعد طرد أبي مازن له من حركة فتح وفصله منها.

سبحان الذي يغير ولا يتغير، الوليد بن طلال في السجن، يبدوا أن ولي العهد الشاب والحاكم الفعلي للسعودية قد قرر بحسب التحليلات السياسية أن يتغدى بالأمراء قبل أن يتعشوا فيه، بدأت هذه الطبخة كما يبدو منذ إقالة  الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق ووزير الداخلية السعودي القوي وتنحيته الذي يقال أنه يخضع لإقامة جبرية ونشر مشهد أثناء محاولة الأمير تقبيل أقدام محمد بن نايف الذي لربما كان سيكون ملكًا خلف الملك سلمان في بلد تنتقل فيه السلطة أفقيًا، يبدو أن الملك سلمان أو من يشور عليه قد قرر تغيير قواعد لعبة انتقال الحكم، في ظل سياسة يسميها السعوديون منفتحة داخليًا وخارجيًا اتجاه الشعب السعودي والعالم، هل هي فعلًا انفتاح جوهري أم خطوات لترسيخ حكم شاب يريد تثبيت حكمه بالحديد والنار عبر تنحية كل منافسيه وخصومه ومعارضيه عبر اعتقالهم بتهم الفساد؟ سبق هذه الخطوات اعتقال معارضين ورجال دين واقتصاد وفكر سعوديين، مثل الشيخ سلمان العودة وعبد الله المالكي.

لقد اختلف المحورين الإيراني والسعودي الإماراتي  في كل شيء، اتفقوا على شيء واحد، لقد اتفقوا على الثورة المضادة لثورات الشعوب العربية التي خرجت للشوارع منادية للحرية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ومبدأ تكافؤ الفرص على أنها مؤامرة غربية – إسرائيلية، الغريب أن المحور الثاني تربطه علاقات غرامية بإسرائيل، اتفقوا أن الرئيس التونسي المنصف المرزوقي عميل لقطر والمخابرات الفرنسية والأمريكية والبريطانية مع وضع تاريخ للارتباط وتفاصيله، اتفقوا على أن مرسي الرئيس المنتخب عميل لقطر ومخبر لحماس وصديق لبيرس، وأنه كاد أن يشعل فتيل حرب أهلية في مصر، مهزلة المحور الأول المتمثل بإيران تكمن في مصر، فلو بقي مرسي الرئيس المنتخب فهو مع الشعب السوري وضد التدخل الإيراني والقمع الوحشي من النظام لشعبه، فغنوا ورقصوا طربًا على رحيل مرسي وانقلاب السيسي، فبدأوا يهللون للسيسي كأنه جمال عبد الناصر الجديد، لكن نشرت مؤخرًا إعلامية مقربة من حزب الله في لبنان تغريدة لافتة على حسابها على تويتر تساءلت فيها عن مدى استمرار السيسي بنهجه التدميري الإقصائي في مصر، اتفقوا على أن الشيخ رائد صلاح حارس الأقصى الأمين والشخصية الوطنية الفلسطينية الذي يحظى باحترام واسع في الشارع الفلسطيني على أنه إنسان كذاب ودجال حتى إنهم اعتبروا اعتقال قوات الاحتلال له مسرحية، وذلك لأنه أبدى مواقف مناوئة ضد انقلاب السيسي ومذابح النظام السوري بحق شعبه.

اتهم الشيخ رائد صلاح جمعيات تعمل من الإمارات وبأسماء إماراتية بعملية تسريب واسعة لعقارات القدس العربية لأيدي المستوطنين الإسرائيليين، فيما اتهمت حماس دولة الامارات في الحرب الأخيرة بإرسالها جواسيس لاستقصاء معلومات عن المقاومة في غزة ومعسكرات القسام ومنصات إطلاق الصواريخ من خلال وفد طبي إماراتي تم طرده من غزة الأمر الذي نفته الإمارات، لكن ليس واضحًا ما إذا كان الخبر دقيقًا أو كان ضمن إطار الحرب السرية الإماراتية – القطرية حيث تتمتع حركة حماس بعلاقة متينة مع دولة قطر، لكن تتمتع الامارات بعلاقات قوية علنية مع إسرائيل وتعادي حماس بشدة.

نشرت مؤخرًا وسائل إعلام فلسطينية عن مصدر فلسطيني بارز حسب تسميتها له أن لقاء الرئيس أبي مازن بمحمد بن سلمان قد تناول كلامًا خطيرًا حول مستقبل القضية الفلسطينية، وإصرار أبي مازن على حل الدولتين وعلاقة حماس بإيران، الأمر الذي أثار قلقًا كبيرًا عند أبي مازن الذي يعتبر أن أطرافًا عربية، ويقصد السعودية، تود الإطاحة به، ووضع بديل مكانه مستعد للتساوق حول المشروع الإسرائيلي – السعودي في المنطقة، يبدو أن السعودية مستعدة لتقديم القضية الفلسطينية كوجبة دسمة للإسرائيليين والإدارة الأمريكية في سبيل كسر إيران، فيما ذهبت تحليلات أخرى من الكويت تحديدًا، في تغريدة للمفكر الكويتي ورئيس حزب الأمة الكويتي الدكتور حاكم المطيري، إن ما هو معلن في المنطقة شيء، والحقيقة شيء آخر، ليست إيران الهدف، إنما تركيا، وتشترك في المؤامرة على تركيا دول عربية، بحسب ما غرد به، تركيا التي باتت تشكل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وازنًا في المنطقة، والتي تدعم التوجهات الديموقراطية في العالم العربي، والتي قد توصل الإخوان المسلمين لسدة الحكم في البلاد العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد