كيف أصنع لحياتي الحالية قيمة ومعنى؟ وهي حياة العبد وأسوأ، حياة روتينية بغيضة مؤلمة وقاسية، ومن دون الإجابة «العملية» عن هذا السؤال فإنها ستصبح حياة كلب، ولكن يتقاضى راتبًا شهريًّا، الاستيقاظ اليومي، القهوة اليومية، المواصلات اليومية، الزملاء أنفسهم، المهام نفس، ساعات العمل العشرة نفسها، ينتهي العمل، فأضطر للنوم حتى وإن لم أكن بحاجة إليه؛ فقط لأضمن أني سأستطيع العمل بتركيز في يوم الغد. أنام وأستيقظ مرة أخرى ليتكرر ما سبق نفسه، القهوة، والمواصلات، ونقاشات الزملاء، والأهم ساعات العمل العشرة، حتى إجازة نهاية الأسبوع، غالبًا أقضيها بالكامل نائمًا!

ليس لأنها بدأت تفقد القيمة والمعنى بالذات مع الأخبار التي أسمعها، كلما فكرت في أخبار العالم؛ مذابح لكل من لا ينضبط تحت سلطة صاحب العمل، مذابح حقيقية، ليس للثوريين، ولكن لكل من لا ينضبط، ليس بجديد صحيح؟ فمن عهد آدم قام للفهماء من الناس الرقيب كالجزار(*).

ليس لأن العبودية والعمل المأجور قد نهبوا أكثر من نصف حياتي الأخير، ولا أرى قيمة لعيش النصف التالي لو سأستمر بحياة العبد هذه. لكن والأهم؛ بسبب انعدام أي إجابة عملية عن هكذا سؤال: كيف التجديد والمعنى لحياتي؟ كيف المعنى اليومي على الأقل بما أن المعنى العام لحياة الإنسان مؤجل لحين الانتفاض، الانتفاضة في أوسع التعريفات هي إطلاق حركة المجتمع وأشخاصه نحو أوسع مقاصد التحرر.

لقد كان التاريخ الإنساني -ما قبل الرأسمالية- مكررًا، ورتيبًا، ومعادًا، في دائرة لا نهائية، ظاهريًّا على الأقل.

كان الإنسان البدائي، والعبد، والفلاح، في ارتباطهم مع الطبيعة يرون اليوم والشهر مكررًا، «حركة القمر والشمس، وفيضان النهر… إلخ» ولا يبصرون ولا يمكنهم أي جديد أو مصير نحو طبيعة تدور بأيام حياتهم لحين تهلكهم.

بشرت الرأسمالية بأنها ولما ستسود «لما تأخذ سلطة المجتمع» ستفتتح عصر التطوير، والاكتشاف، والاختراع، والتجديد. عبر مصانع، وورش، وشركات، وجامعات، وبحوث.. إلخ، أعلن الرأسمال أنه سيفتح أفقًا للتاريخ الإنساني يتطور فيه في خط مستقيم نحو السعادة، والاكتفاء، وإنهاء العوز والحاجة من قاموس الإنسانية وواقعها.

ساد الرأسمال الآن لما يقارب القرنين من الزمان. لكن ما تزال حياة الإنسان – وكل إنسان– وتاريخه هي محض روتين لا إبداع فيه بالمحصلة «أي استثناء لهذه القاعدة يشرحها ويؤكدها»، وأظن الحَكٌم العادل بل وما يهمني في مقالي هذا هو الاحتكام لرأي القارئ نفسه!

كيف احتفظ التاريخ والحضارة بالتكرار والرتابة، رغم أن التطور والتقدم الرأسمالي لوسائل الإنتاج يفترض فعلًا إلغاء دائرية تكرار التاريخ والحياة وفوضاه وعبثه؟

كيف أُفنيت حيوات آلاف الملايين من البشر دون طائل؟ «مرة أخرى أقصد بشكل عام وكقاعدة دون إغفال أمثلة الاستثناء».

كيف بنصف الكوكب ما يزال تحت نير المجاعة؟

كيف بالعلم الذي بالفعل يتطور يومًا عن يوم، لا يستطيع حل إشكالية رتابة وقبح حياتي وحيوات آلاف الملايين من مثلي؟

ببساطة؛ حقيقي إن افتتح العلم عصر التقدم، والتطور الخطي واللامتناهي للحضارة والحياة، لكن استمرار رجال الأعمال على قمة المجتمع وسلطته تطلب إيقاف تقدم العلوم أو بالأحرى كبح التطور وتقييده، وإلا سيضطر الإنسان وحضارته في معماع التقدم والتطور للاستغناء عن مجتمع يسوده رجال الأعمال. دولتهم، ومؤسساتهم، وأموالهم وبرلماناتهم.. إلخ، ولهذا شنوا الحرب الضروس التي تجري من حولنا ولا تخفى على أحد، حربًا لاستيعاب كل إبداع وتقدم، ورهنه بحدود سلطتهم كأفق وحيد. كل ما يحاول أو يتطلب أفقًا مغايرًا ومخالفًا لسلطة الجمهوري ونظام الأمم المتحدة لا بد من إفنائه.

هكذا لا يتوقف العلم عن التكشف للإنسان عبر اختراعات وآفاق جديدة تستكشف، لكن بشرط ألا تطمح أبدًا لتغيير سلطة النظام الجمهوري للرأسمال ورجل الأعمال، أصلًا لا يوجد أي بديل عن سلطتهم ومجتمعهم الحالي! هذا ما يقنعون به الناس من طفولتهم وحتى شبابهم وشيخوختهم، لا عصر، ولا حضارة تُرجى من بعد الجمهورية، الأمم المتحدة هي نهاية التاريخ، والحضارة الإنسانية!

هكذا أقنعوا الناس ألا يزيدون في التفكير! وليضعوا الحياة وحدودها الحالية أفقًا لا يمكن تجاوزه، يطالبونا بألا نفكر بإمكانية تجاوز المجتمع والسلطة الحالية! وإلا سنضيع.

لكني أرى أني أصلًا ضائع! لا أستطيع أن أمنع عقلي من التفكير في البديل.

هل من بديل؟

هل كان من الممكن أن أولد في حياة، وسلطة، ومجتمع مغاير؟

ماذا لو لم يجهز ويبيد الأوروبيون على حضارة المواطن الأصلي بأمريكا اللاتينية في 1550 ميلادية، وتعلموا منهم الحياة من دون النقود والملكية الخاصة؟

ماذا لو لم يُقتل كل سكان مجتمع كميونة باريس 1871 الذين قضوا على جمهورية رجال الأعمال ونقودها، وملكيتها، وأنشأوا مجتمعًا جديدًا كانت نهايته أكبر مذبحة للأسرى حتى تلك النقطة في التاريخ الإنساني؟

ماذا لو لم ترتد الثورة السوفيتية وتهزم في عشرينات القرن الماضي؟

ماذا لو لم يقتل سكان إسبانيا الذين ألغوا النقود والملكية الخاصة، وحرروا العمل، وأنشأوا مجتمعًا جديدًا سلمته بريطانيا، وفرنسا، وروسيا لطائرات هتلر، وموسوليني، وفرانكو، ليحرقوا كل من عاش في المناطق المحررة تلك؟

ماذا لو؟ الأرجح أن عقلي متعب، ومثقل بتجارب لانتفاضات وأناس هدموا الرأسمال والنقود، وشرعوا في حياة جديدة؛ لهذا لا أحتمل فكرة أني سأظل أعمل 10 ساعات يوميًّا لحين أموت! هذا كل ما يشغل عقلي، متى وكيف يتحرر العمل؟ ومن بعده المجتمع ومن قبله، حياتي أنا!

هكذا لا أرى أي قيمة لحياتي المستقبلية لو سأقضيها مثل الماضية، عبدًا أبيع ساعات يومي لأجل النقود، ملعونة النقود، ليس من عظيم أو ذي شأن إلا وعاداها ورأى فيها شر الشرور، لكن ما العمل؟

أفهم أن إلغاء «العبودية المتمدنة» الحالية التي نعيشها لا يعني سوى تغيير العالم بأكمله، وأن هذا كان السبب لهزيمة جميع المحاولات السابقة لتجاوز النقود والملكية الخاصة والرأسمال وسلطتهم؛ لأنها بقيت محاصرة، ولم تُعمم حول العالم. وأفهم أيضًا أن هذا الأمر بالذات لا يمكن تحقيقه إلا عبر مجهود وفعل كافة سكان العالم أنفسهم – بل أضيف أني حتى على اقتناع بآراء العقلانيين بأن التجديد وإضافة القيمة لهذا العالم لن تكون بأي فعل أو مبادرة فردية، وألا قيمة لأي عمل من دون الجماعة- حسنًا بعد هذا كله، فإن مقالي يبحث مشكلًا آخر، كيف إذن أجعل لحياتي قيمة ومعنى وأملًا؟

رغم التقدم المزعوم للتاريخ والرأسمالية، ولكن وبسبب رئيس من عبوديتي للعمل المأجور، لا أرى أي تقدم أو تطور بحياتي، بل مزيدًا من الروتينية، والتكرار، والملل في ظل عبودية لا يلوح بالأفق أي مناص أو فكاك منها، عبودية هي بالنهاية وبهذا الحد أو ذاك تمت بإرادة وقبول من نفسي، سواء كان قبولًا انهزاميًّا أم متفائلًا. وأجزم عبر النقاش مع من هم حولي بأن هذا هو أيضًا ما يدور بعقولهم، لكني يجب أن أشرح، هكذا تبسيط وشخصنة لأمور المجتمع وصراع طبقاته وأفراده هي بالضبط ما تعينه الرأسمالية مؤشرًا وبوصلة ومحددًا لتفكيرنا وتحليلنا لأي من أمور المجتمع. هم أصلًا يرفضون ولا يعترفون بشيء اسمه المجتمع، كل ما هناك هو الفرد، الفرد وحقوقه وبالأهم، حقه في التملك، وبالأخص تملك أخيه الإنسان. أما نحن ولأننا ما نزال نرى أن الإنسان كائن اجتماعي لا يكون نفسه إلا بالعيش وسط الناس. فلهذا ما زلنا نعتقد بالانتفاضة والتغيير الشامل للمجتمع من حولنا بدلًا من أن نعتقد بضرورة أن نرتقي بمفردنا، وبأن نحصل الأموال لذواتنا وأسرتنا الضيقة.

لو أن مجتمعنا الحالي، ثورته وحركته المضادة لإنسانيتنا وطموحنا وثورتنا، لو أن مجتمعنا الحالي يكسر عزتنا وشموخنا ويجبرنا على الاستسلام والخرس، بل حتى النوم لأيام متواصلة، فلنتذكر أنه ولما تطلبتنا ثورة المجتمع، لم نتكاسل أو نتهاون.

لما حركتنا ثورة المجتمع كانت الكلمة تأخذ قيمتها بأفعالنا. كانت نقاشاتنا وأفكارنا ولما تخرج بقرار يجري تنفيذه في الساعة نفسها. ولو تطلب أيامًا متواصلة، كنا لا ننامها، ولو كان السجن عاقبة لمخططاتنا فلم يكن ذلك ليرعبنا بأي حال، بل كنا نرى تلك العاقبة دليلًا على صحة توجهنا. حتى لو تضمنت مهام نقاشاتنا الاشتباك مع البوليس والنظام الجمهوري، «ميهمش»، كنا على استعداد للتضحية بالشيء الوحيد الذي نملكه، حياتنا.

كنا نرى قيمة حقيقية لحياتنا، قيمة يمكن عبرها وبواسطتها أن نضيف للعالم وللتاريخ. كنا من وسط ومن بين الناس وبحق «نصنع التاريخ». طبقًا للتوصيف الأعم لفعل الثورة: «تدخل الجماهير لتغيير مسار التاريخ».

لما كان مد الثورة. أما اليوم، ولو أن مد وهجمات الثورة المضادة لأهدافنا وطموحاتنا قد يجبرنا على الخرس؛ فغير التذكير السابق بأننا أثبتنا جدارتنا للتغيير الاجتماعي وبقي ونقص تكاتف باقي ظروف التغيير – من حزب، وسلطة، وخطة ثورية وبديلة للحياة تحت الرأسمالية– غير التذكير السابق بأننا نفذنا وكنا على استعداد لننفذ ولأيام متواصلة من دون أن ننام أو نرتاح أو تُغلق جفوننا، فقط لو استدعتنا الثورة، فإنا على استعداد لبذل كل الطاقة والجهود لأيام وأسابيع متواصلة، بل حتى بذل حياتنا لإنجاح مهامنا وثورتنا، غير كل هذه التعزيات والثقة بالنفس، فإن السؤال ما زال يطرق الأذهان، ماذا عن الآن؟ ما العمل مع الحياة الروتينية المملة التي نعيشها؟ ما الحل مع حصار عبودية العمل المأجور والسعي للمال والذي لا مفر منه لنأكل، ونشرب، ونسكن؟

هي فكرة لا بد وأنها تدور ليس في عقلي وحدي، بل في عقل كل من له قلب: لا قيمة للحياة في هذا العالم (Modern Slaverty) لو أنه لن يتغير، ويتلازم معها شرط نفهمه جيدًا: العالم لن يتغير بأي فعل فردي. كما أنه لا وجود لإنسان حر في عالم من العبيد.

طيب، فهمت أنه ولما تطلبتنا الثورة كنا على قدر المسؤولية والمهمة، أما الآن وبينما انتظر العمل مع حركة المجتمع وثورته، فكيف أضيف للعالم؟ وكيف التجديد؟ بينما أنتظر أن تصنع الانتفاضة قيمة لحياتي؟

السؤال قطعًا يتخطى مستويات الثقافة، والوعي، والفكر ليهيمن على أهم ما في الحياة المصلحة الشخصية/ الحياة اليومية؛ فهي بالنهاية حياتي أنا من يكتب هذا المقال، ومن دون الإجابة العملية عن هذا التساؤل، تظل حياتي أنا هي المعلقة في الروتين البغيض.

إجمالًا أحاول أن أطرح الإجابة، لقد فهمنا منذ أمد أن تغيير العالم يتطلب العمل لتسلم الثورة السلطة السياسية لطبقة العمال بدلًا من طبقة الرأسمال، ووكلائها الحزبيين، والأديولوجيين، فهمنا وليس عرفنا لأن طاقاتنا تسعى لذلك رغم حصارها بعبودية العمل.

وفهمنا أن حياتنا مرهونة بالاقتصاد السلعي، والعلاقة بالبضاعة، بل حتى فهمنا أن حياتنا نفسها هي دورة حياة البضاعة «من فئات المهندسين، والأطباء، والصحفيين، وعمال اليومية، بل حتى الثوريين والانتحاريين.. إلخ» وفهمنا، وليس عرفنا بمعنى أننا استقللنا، وإن بشكل مشروط عن السلع وصنميتها وعلاقاتها، وهكذا نسعى لإلحاق أنفسنا بالطبيعة من جديد، ولا نجد بأدمغتنا نحو السلع والبضاعة إلا أحقر الرغبات والآراء، بشكل تلقائي تنفذ أدمغتنا هذه المهمة بعد أن نفذناها بشكل واع لسنين متواصلة.

وفهمنا أن قيمة حياتنا في السعي للمعرفة وتجميع أكبر قدر من الثقافة؛ لنصبح مسؤولين عن أفعالنا، وتصرفاتنا، ووجهات نظرنا. ومن هنا أصبحت القراءة والتطلع للمعلومة مغزى ومحرك حياتنا، بل أجزم، أفضل ما في حياتنا، إلى جانب الحركة، والعمل، الانضمام والعمل الجبهوي والتنظيم.

فهمنا أن حياتنا لن تتكرر، وعلينا البحث عن السعادة في تخريب وتحريف كل قوانين وأقوال النظام الجمهوري والرأسمالي من حولنا، فأصبحت الثورة اليومية بديلًا عن الانتظار الاستاتيكي لثورة المجتمع. أصبح تمردنا على المجتمع والسلطة شاملًا تامًا للنفاذ من دورنا المحدد بمسرحية، وفيلم، وعبث الحياة الحالية وعبوديتها. تمردنا لا يقطعه أي انضباط أو استسلام إلا ما يبقينا على قيد الحياة «من مثال ضرورة الانضباط المرهون لرب العمل– التخفي من البوليس والجيش في كمائن التفتيش».

فهمنا أن حجة «الحياة مكررة، وما من شيء أو فعل يمكن أن يُعمل» فهمنا أن هذه هي حجة الرأسمالية لدفعنا للاستسلام التام؛ لكيلا يبقى أمامنا سوى أن نختنق من انعدام القيمة، وهكذا أصبحت لحياتنا في أبسط مستوياتها قيمة نلقاها ابتداء بلقاءاتنا بمعارفنا، وانتهاء بمطالعتنا لمعلومة أو مقال عن كفاح، أو نضال، أو فعل تنويري. وبالنهاية نستيقظ يوميًّا لنتساءل كيف نضيف القيمة لحياتنا لحين تندلع الانتفاضة فتضيف لحياتنا قيمة. في هذا التساؤل اليومي وفي توابعه من تحريض، وتحريف، وتخريب لكل ما يحاصرنا، في هذا التساؤل اليومي وعبره تضاف القيمة لحيواتنا لحين ينتفض المجتمع فيحررنا من عبودية العمل والنظام، وفي إدامة الانتفاضة وطاقتها سنلقى التحرير الشامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(*) من شعر ابو العلاء المعري الذي مات عام بمعرة النعمان، سوريا، 1057
عرض التعليقات
تحميل المزيد