من أهم القيم العليا التي تفتخر بها المجتمعات المتحضرة في هذا العصر هي حرية التعبير. ولا شك في أن هذه القيمة (أو هذا المبدأ الإنساني) هي من أهم إنجازات الصراع الإنساني بين كهنة الكنيسة والعلماء عبر عقود طويلة. وهي كذلك من أهم ملامح الحضارة الغربية التي ينعم بها المقيم في بلاد الغرب اليوم.

وعلى الرغم من تقدير الإسلام وضمانه لحرية التعبير (من ضمن حريات أخرى كثيرة)، فإن مفهوم حرية التعبير (والحرية بشكل عام) مقيد في الإسلام بضوابط وحدود معينة يُحظر تجاوزها.

أما الحرية التي حاربت المجتمعات الغربية لانتزاعها من تحت وطأة الكنيسة (أثناء سيطرتها على الحريات في العصور المظلمة)، فقد انتُزعت في الأصل للتخلص من سيطرة كهنة الدين وأي سلطة أخرى! ولا تعترف هذه الحرية بأي قداسة لدين أو شخص أو هيئة أو معتقَد. فلم يعد من الغريب أن تجد برنامجًا تليفزيونيًّا أو فيلمًا سينمائيًّا أو كتابًا أو مقالًا غربيًّا يسخر من الله سبحانه وتعالى، أو من المسيح، عليه السلام، أو من المتبعين لدين أو معتقَد ما.

ولكن استطاعت بعض الأقليات كاليهود أن يخلقوا قداسة خاصة لهم تجعل المساس بأمورهم وشئونهم ومعتقداتهم وطقوسهم ذات قداسة خاصة مستثناة من حرية التعبير التي لا تعطي قداسة لأحد أو هيئة أو دين. واستطاع كذلك المثليون مؤخرًا الحصول على هذه القداسة، فأصبح مجرد انتقادهم أو حتى وصفهم بالمرضى أمرًا غير مقبول. وفي بعض الدول – كأستراليا التي أقيم بها – ليس من حق مَدرسة دينية كاثوليكية أن ترفض توظيف مدرس مثلِيٍّ أو حتى ملحد لكونه لا يؤمن بالمبادئ التي تُدرسها المدرسة لطلابها!

يظن البعض أن رفض الشعوب الغربية لبعض المظاهر والشعائر الإسلامية هو حرب على الإسلام. ولا شك في وجود متطرفين وصلتهم بعض المعلومات الخاطئة عن الإسلام، ويحاولون فعلًا محاربته بسبب فهمهم الخاطئ. ولكن هؤلاء قلة قليلة جدًّا، مثل كون المتطرفين المسلمين كذلك قلة قليلة جدًّا. ولكن غالبية أفراد الشعوب الغربية لا يعرفون شيئًا عن الإسلام لمحاربته أو حتى ليتعاطفوا مع المتطرفين أو المغرضين. ولكنهم حريصون جدًّا على الحفاظ على القيمة العليا التي حصلوا عليها بشق الأنفس، وهي حرية التعبير. وهم لا يدركون أن هناك من البشر من يتألمون كثيرًا لمجرد سب دينهم أو نبيهم! فسب نبي الإسلام (بالنسبة لهم) لا يختلف عن سب نبي المسيحية الذي هو أمر مقبول وغير ذي بال عندهم، وذلك بعد أن استسلمت الكنيسة في العصر الحديث وتركت الدفاع عن قداسة الله والأنبياء والدين!

المسلمون والغربيون يدافعون عن مبادئ وقيم عليا مقدسة بالنسبة لكل منهم! يرى المسلمون أن الدفاع عن شعائرهم ورسولهم، صلى الله عليه وسلم، هو فرض مقدس على كل مسلم. ويرى الغربيون أن الدفاع عن حرية التعبير هو امتداد للحرب المقدسة ضد سيطرة فكر الكنيسة أثناء العصور المظلمة! محاولة مواجهة المجتمعات الغربية عن طريق الإرهاب المسلح عديمة الجدوى (بالإضافة لأنها عمل بربري يرفضه الإسلام)، فهم يدافعون عن مبادئ سامية ضحوا من أجلها بالغالي والنفيس، وهم على استعداد بتقديم مزيد من التضحيات للحفاظ عليها، بل ستزيد من شراسة هجومهم على المقدسات لأن في ذلك دفاع عما حاربوا كثيرًا من أجل تحقيقه. ولكن لا بد من اللجوء للحوار الهادئ الرزين لتوضيح قداسة الدين ورموزه عند من اختار الإيمان بإله، ولا بد من المطالبة باحترام كل إنسان لمقدسات غيره.

كما ذكرت أعلاه، استطاع اليهود والمثليون أن يحصلوا على استثناء خاص، فأصبحت لهم قداسة تستثنيهم من حرية التعبير. فهل يا ترى سينجح المسلمون في تحقيق ما نجح في تحقيقه اليهود والمثليون بالسبل السلمية والعقلية ليحصلوا على استثناء مشابه؟ هل سيستطيع المسلمون وغيرهم من أصحاب المعتقدات المقدسة أن يتعاونوا معًا لإعادة تعريف الحرية الغربية لتصبح حرية إنسانية مقيدة باحترام مقدسات الآخرين، وليست حرية بهيمية مطلقة؟!

لقد تطورت البشرية في كثير من نواحي الحياة واكتشاف الكون ونواميسه. ولكننا ما زلنا نحبو فيما يتعلق بفهم الإنسان وعقله وروحه وما يحتاج لاستقراره النفسي وطمأنينته. وأظن أن السر يكمن في أهمية اعتراف الإنسان بأن عقله وإدراكه يعجز عن إدراك الكثير من الأمور، كالحاجة للإيمان بوجود خالق للكون وما فيه، وبالحاجة للإيمان بالغيبيات كالروح. وسيكون هناك دائمًا من يرفض الإيمان بوجود خالق ومدبر للكون. ولكن على جميع البشر أن يتفقوا أن من حق البعض منا أن يؤمن بوجود الخالق، ومن حق هذا البعض أن يعطي قداسة لربه ونبيه ومعتقداته. وعلى البعض الآخر الذي لا يؤمن بالخالق أن يحترم هذه القداسة فلا يمس هذه المقدسات بأي شكل من أشكال عدم الاحترام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد