إن شخصية الإنسان المعاصر قد تشوهت كثيرًا بسبب قيم الفردية والمادية والأنانية والشهرة الزائفة والانحلال الجنسي باسم الحرية والحداثة وما بعد الحداثة، وفي الوقت ذاته، نجد القيم الحقيقة والقيم الروحية والقيم الجمالية قد اضمحلت كثيرًا في شخصيته. إن القيم هي مجموعة الأحكام التي يصدرها الفرد لاستحسان أو لاستهجان موضوع سيكولوجي وسلوكي.

والقيم ترسم الحدود التي نسير خلالها لتحقيق الحاجات والرغبات والآمال؛ فمثلًا إشباع المعدة وسد فم الجوع رغبة فطرية عند كل البشر، فهل نحقق هذه الرغبة ونحصل على الطعام بمال حلال أم بمال أتى عن طريق السرقة أو الرشوة أو النصب أو الاحتيال؟ ركوب السيارة أمل يلاعب خيال الكثيرين، فهل نصل إلى هذا الأمل ونركب السيارة بمال شقينا فيه أم بمال أتى من طريق مشبوه؟ الشهرة مطلب لكثير من البشر حتى لا يكونون هملًا، فهل تأتي الشهرة بجهد وعرق حقيقيين أم بطريق الانتهازية والوصول لأصحاب السلطة بطريق غير شريف؟

وطبق هذه القاعدة على كل مناحي الحياة. والعلم الذي يهتم بالقيم هو علم “الأكسيولوجيا”، بالإنجليزية .(Axiologie) وتعرف موسوعة ويكيبيديا علم الأكسيولوجيا (بتصرف):

“هو العلم الذي يدرس علم القيم المثل العليا والقيم المطلقة، وهو أحد المحاور الرئيسية الثلاث في الفلسفة (وهي مبحث الوجود/ الأنطولوجيا، ومبحث المعرفة/ الإبيستيمولوجيا، ومبحث القيم/ الأكسيولوجيا). والمراد به البحث في طبيعة القيم وأصنافها ومعاييرها. وهذا العلم يرتبط بثلاث قيم أساسية وهي: قيمة الحق التي يدرسها علم المنطق الذي يضع لنا قواعد التفكير السليم، وقيمة الخير التي يدرسها علم الأخلاق الذي يوضح قواعد السلوك الأخلاقي، وقيمة الجمال التي يدرسها علم الجمال الذي يوضح مقاييس الشيء الجميل وينمي الذوق الجمالي لدى الإنسان.

 

والإكسيولوجيا تميز عادة بين نوعين من القيم؛ أولهما القيم النسبية المتغيرة التي تطلب كوسيلة إلى غاية أبعد منها، كالثروة والمال والقوة، وهي بذلك تتماهى والقيم المادية، وثانيهما القيم المطلقة الثابتة، التي ينشدها الإنسان لذاتها كالسعادة والعدل والأمن.

و”الأكسيولوجيا” من حيث هي مبحث أخلاقي، تدرس مشكلتي الخير والشر، وكيف يقيّم السلوك البشري بين الخير والشر، وماهية مصدر الخير وطبيعته في الوعي الأخلاقي البشري.

وقد عرف تاريخ الفكر البشري محاولات عديدة للإجابة على هذه التساؤلات وخاصة في الثقافة العربية الإسلامية التي اهتمت بالسلوك الإنساني وخاصة في سلوك وأخلاقيات رموز الإسلام، مثل سيرة النبي محمد “صلى الله عليه وسلم”.

(1)

وهنا نصل إلى معرفة بعض أنواع القيم الإسلامية والتي ينبغي أن نهتدي بهديها:

قيمة العدل:

قال تعالى في سورة النحل: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الآية 90.

وفي سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} الآية 8.

قيمة الأمانة وتحمل المسئولية:

قال تعالى في سورة الأحزاب: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الآية 72.

قيمة التعقل وإعمال العقل:

 

قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} الآية170.
قيمة الخير:

قال تعالى في سورة البقرة: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الآية 147.

قيمة الشورى:

قال تعالى في سورة الشورى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} الآية 38، ويكفي أن الشورى لها سورة باسمها في القرآن الكريم.

قيمة العمل:

قال تعالى في سورة التوبة: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الآية 105.

قيمة الصدق

 
عن ابن مسعود – رضي الله عنه- عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: “عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا”. رواه البخاري ومسلم.

 

قيمة المساواة

 

قال تعالى في الآية 13 من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

وقال الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ: قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ، هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ”، رواه الإمام أحمد بن حنبل.

 

 

(2)

وهنا نصل إلى عرض أمثلة لبعض القيم المغلوطة في الإنسان المعاصر:

 

ما هي مجموعة القيم التي يحملها رجل الأعمال الذي يقوم بأعمال منافية للقيم والآداب في سبيل تحقيق ثروة كبيرة وبسرعة مثل تجارة المخدرات؟ سيكون معه أموال طائلة فعلًا، ولكن فهل هذه الأموال ستخلع عليه أي قيمة أو احترام؟

رجل الأعمال الذي يقوم بعلاقة زنا سياسي مع السلطة؛ يصرف على البلطجية من جيبه الخاص لكي يقمعوا المظاهرات والمعارضين والأحرار ويزوروا الانتخابات في مقابل أن يحتكر الحديد والصفيح وحتى تجارة الخنازير، ما هي قيمته الحقيقية أمام نفسه مهما اشتهر واغتنى وكان من رجال الدولة والمرموقين؟
ما هي قيمة رجل الأعمال الذي يتاجر في الأفلام الهابطة والجنسية؟ وما هي قيم الممثلين أو المشخصاتية – ولا أقول “الفنانين” في هذه الحالة- الذين يقومون بهذه الأعمال الهابطة؟

رجل الأعمال الذي يتهرب من الضرائب بعدما رشا ابن مسئول كبير له شأن في الدولة بفيلا أو منزل ، ما قيمته الحقيقية في المجتمع؟ والعجيب أن الدولة تجبي الضرائب من صاحب محل فول وطعمية بسيط وتترك هذا المجرم وأمثاله! الموظف الذي يعقد الأمور أمام المواطنين لكي يدفعوا له (المعلوم)، هل يشعر باحترامه لنفسه؟ التاجر الذي يغش في تجارته، ما قيمته أمام نفسه؟

الطبيب الذي يقوم بترقيع غشاء البكارة لمنحرفة ساقطة لكي تغش عريسها المقبل، هل المبلغ الذي تقاضاه ذلك الطبيب يجعله محترمًا أمام ضميره إن كان عنده ضمير؟ وهل هذه المنحرفة تشعر بأنها بهذا الغش محترمة وعفيفة؟ الكاتب الكبير الذي يروج للظالمين والطغاة لأنه لا يريد أن يبتعد عن الشهرة فقبل أن يملي عليه “صول” الجريدة القومية الكبيرة الأوامر للكتابة في عهد الانقلاب… رضي بأن يقيد الشموع والبخور في معبد السحت والعهر السياسي. ما هو احترامه لنفسه عندما ينام بالليل ويخلو لنفسه؟

الكاتب الذي يشار بأنه عقيد الأدب العربي أو الإفرنجي أو الفارسي، هل تأتي قيمته من هذا اللقب وانتهى الأمر، أم تأتي قيمته من صقله الأدبي وموهبته الحقيقية وليست المزيفة؟ هل خلع لقب “لواء” على الموسيقار عبد الوهاب قد أعطاه أي قيمة؟ أم موهبته الفنية وتجديده وتجويده لعمله جعله موسيقار الأجيال؟

الديكتاتور السفاح الذي يمشي وهو خائف من كل شيء حتى وصل الخوف من ظله، ويقف في أي لقاء وهو ينز في عرقه، ويقلب الحروف في كثير من كلامه، هل خلع لقب “الدكر” عليه سيجعله دكرًا فعلًا؟!
من الممكن مراجعة مقالنا عن خوف الديكتاتور في مقالنا “أمنا الغولة” في هذا الرابط

الممثلة الساقطة التي يشار إليها بالبنان ويقال عنها بأنها طاقة فنية خلاقة، وهي في حقيقة الأمر لا تملك أي قيمة فنية سوى تقديم جسدها الرخيص للمنتج أو المخرج أو أي عاهر يشهرها بالكذب والبهتان.

وما هو حال الراقصة الساقطة التي لا تملك أي فن سوى تقديم أكبر وجبة دسمة من جسدها الرخيص للناظرين والمبحلقين والطامعين حينما تختار كأم مثالية، هي تشعر بقيمة هذا اللقب في داخلها؟ هل فعلًا هي أم مثالية؟!
وما هي قيمة العدل والإنصاف عند القاضي الذي يحكم أحكامًا جزافًا من إعدامات وسجون لفترات طويلة وغرامات مالية رهيبة على الشرفاء والمعارضين لانقلاب 3 يوليو 2013؟!

(3)

وهنا نصل إلى السؤال عن قيمة الإنسان الحقيقية؟

إن قيمة الإنسان تأتي من مجموعة القيم والأخلاق والمبادئ التي يسير على ضوئها. فلن تأتي قيمة حقيقية للإنسان من شهرة زائفة، ولن تأتي قيمته من ما يقال عنا كذبًا وزورًا، ولن تأتي من مال أو غنى، ولن تأتي من أي مظهر من المظاهر الكاذبة ولا من أي عرض زائل.

يقول المسيح عليه السلام: “ما فائدة أن تربح العالم وقد خسرت نفسك؟”. إن تعليم القيم فريضة ينبغي القيام بها دون كلل أو ملل، وغرس القيم يجب أن يبدأ من الروضة في البيت والمسجد والمدرسة؛ حتى يشب أطفالنا صالحين ويحملون القيم الحقيقية في أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم، والتي ينبغي أن يحملها كل إنسان صالح محترم فاضل.

إن قيمتنا تنبع من داخلنا، من ضميرنا، من المبادئ التي نسير عليها، من أخلاقنا السامية، من الوقوف بجانب الحق والخير والجمال كما قال الفلاسفة، وأخيرًا من ديننا الحنيف الذي حث على اجتناب الباطل والتمسك والتشبث بالحق.

إن تعليم القيم الفاضلة أمر حض عليه القرآن الكريم حيث ذكر الله – سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} آية 9.

وفي الحديث الشريف: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(1).

وقال عليه الصلاة والسلام: “إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”(2).

وقال عليه الصلاة والسلام: “أكثر ما يدخل الناس الجنة، تقوى اللّه وحسن الخلق”(3).

وقال عليه الصلاة والسلام: “إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا”(4).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- صححه الألباني في الصحيحة.
2- رواه أحمد.
3- رواه الترمذي والحاكم.
4- رواه أحمد والترمذي وابن حبان.
عرض التعليقات
تحميل المزيد