مدخل

ظهر قناع فانديتا في السينما لأول مرة في عام 2005، من خلال الفيلم الأمريكي V for Vendetta، الذي أخرجه جيمس مكتيجيو، وهو مستوحى من إحدى القصص المصورة، وقام بأداء دور البطولة الممثل هوجو ويفنج الذي ارتدى قناع فانديتا طوال أحداث الفيلم، ويعتبر الفيلم من الأسباب الرئيسية لشهرة القناع عالميًّا كرمز للتمرد والثورة، وقد شغف البعض حبًّا بشخصية «في» لدرجة جعلتهم يقلدونه في ارتدائه لقناع فانديتا ممتزجين بأفكاره، ناشرين لها؛ مما جعل البعض يسأل هل شخصية «في» حقيقة أم هي مجرد قصة مصورة أتقن كاتبها حبكتها الدرامية، وأجاد صياغة شخصية بطلها الثائر، والحقيقة أن شخصية «في» هي شخصية حقيقة كانت واقعًا يومًا ما، ينبذ الظلم ويحارب الفاشية، ويرفض الظلم والتسلط.


تذكّر تذكّر الخامس من نوفمبر
خيانة ومؤامرة البارود
لا أعرف أي سبب يدفع إلى نسيان
خيانة البارود يومًا.
ولكن ماذا بشأن الرجل؟
من هو؟ كيف شكله؟ وما هي حقيقته؟

جاي فوكس الثائر

جاي فوكس والمعروف بجيدو فوكس، الاسم الذي تبناه أثناء الحرب في صفوف إسبانيا في الأراضي المنخفضة، كان عضوًا في فرقة من الكاثوليك الإنجليز خططوا لمؤامرة البارود الفاشلة سنة 1605. ولد فوكس وتلقى تعليمه في يورك. توفي والد فوكس عندما كان عمره ثماني سنوات، بعدما تزوجت أمه من كاثوليكي. غير فوكس ديانته إلى كاثوليكي وغادر بلده، ليحارب في حرب الثمانين عامًا بجانب الإسبان الكاثوليك ضد البروتستانت المصلحين الهولنديين. قام برحلة إلى إسبانيا طلبًا لدعم تمرد كاثوليكي في إنجلترا، ولكنه لم يوفق في ذلك. التقى فيما بعد بتوماس وينتور وعادا معًا إلى إنجلترا.

تعرف فوكس إلى روبرت كاتسبي الذي خطط لقتل جيمس الأول ملك إنجلترا، وإعادة ملك كاثوليكي إلى الحكم. حفر المتآمرون سردابًا تحت مجلس اللوردات وأوكلوا مهمة إشعال البارود الذي خزنوه هناك إلى فوكس. بعد تلقيهم رسالة مجهولة المصدر، قامت السلطات ببحث في قصر وستمنستر أثناء الساعات الأولى من صباح الخامس من نوفمبر، حيث وجدوا فوكس هناك حرس المتفجرات. أثناء الأيام القليلة التي تلتها، تم استجوابه وتعذيبه، واستسلم أخيرًا، وقبل لحظات قليلة من إعدامه يوم 31 من يناير/ كانون الثاني، قفز فوكس من فوق منصة الإعدام وكسر عنقه. للنجاة من طرق الإعدام غير الإنسانية والبطيئة المتبعة آنذاك. أصبح اسم فوكس مرادفًا لمؤامرة البارود، والتي يتم الاحتفال بها منذ 5 نوفمبر 1605، يتم في هذه الاحتفالات حرق دميته في موقد، وعادةً ما يكون ذلك مصاحبًا بعرض للألعاب النارية.

جميس الأول والقبضة الحديدية

«I wanted to blow you back to your Scottish mountains»

«أردت أن أفجرك عائدًا إلى جبالك الإسكتلندية».

كانت تلك كلمات جاي فوكس للملك جايمز الأول صباح الخامس من نوفمبر 1605، ردًّا على سؤال الملك عن سبب رغبته في قتله، ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة ولماذا الملك جايمز تحديدًا؟

تولى الملك جايمز الأول الحكم في 24 مارس 1603، بعد وفاة إليزابيث دون وريث، وكان جايمز السادس ملك إسكتلندا صاحب الحق الأكبر في وراثة إليزابيث، فجدته الكبرى هي مارجريت تيودور أخت الملك هنري الثامن، وأمه ماري ستيوارت «التي أعدمتها إليزابيث عام 1587» كانت الوريثة الشرعية الوحيدة لإليزابيث، حتى الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا «قيل إن ماري ستيوارت تنازلت عن حقها في وراثة عرش إنجلترا له» توفي عام 1598، ليصبح جايمز الوريث الوحيد لعرش إنجلترا، وفي أواخر عهد إليزابيث قام روبرت سيسيل بمراسلة جايمز سرًّا لضمان انتقال سلس للحكم في حالة وفاة إليزابيث، ليتم إعلانه ملكًا لإنجلترا بعد ساعات قليلة من وفاة إليزابيث صباح 24 مارس 1603.

وفور وصول خبر وفاة إليزابيث لجايمز قرر الانتقال إلى لندن مقر حكمه الجديد بعد تعهده بزيارة إسكتلندا مرة كل ثلاث سنوات «وهو الوعد الذي لم يحافظ عليه»، ليتم تتويجه رسميًّا في دير «ويستمنستر» في 25 يوليو 1603 كملك إنجلترا وإسكتلندا وأيرلندا.

وبوفاة إليزابيث وتولي جايمز الحكم وجد بعض الإنجليز المقاتلين في الجيش الإسباني أن الوقت قد حان للعودة مرة أخرى إلى وطنهم، آملين في تحسن أوضاع الكاثوليك بعد تولي سلطة جديدة مقاليد الحكم، وكان من بين هؤلاء «جاي فوكس» أحد خبراء المفرقعات في الجيش الإسباني، بعد رحلة طويلة استمرت عشر سنوات قضاها مقاتلًا في هولندا وفرنسا، ليلتقي مع «توماس وينتور» الثري الكاثوليكي، وتنشأ بينهما صداقة، قام على إثرها وينتور بتقديمه إلى ابن عمه الأكثر شهرةً وثراءً «روبرت جايتسبي»، وصديقه «توماس بيرسي» أحد الوجهاء المرشحين للانضمام إلى الحرس الخاص للملك الجديد، و«جاك رايت» أحد أمهر مستخدمي السيوف في إنجلترا وزوج أخت بيرسي.

وبمرور الوقت تنعقد أواصر الصداقة أكثر فأكثر بين الرجال الخمسة، وتدور بينهما نقاشات كثيرة حول مستقبل الكاثوليك في عهد جايمز، فبيرسي كان يؤمن أن جايمز المتزوج من الملكة الكاثوليكية آن ابنة ملك الدنمارك وعد بأن يكون أكثر تساهلًا مع الكاثوليك، أما جاي فوكس فكان يأمل أن يقدم فيليب الثالث على غزو إنجلترا وإعادتها مرة أخرى تحت لواء البابا في روما.

وفي الحقيقة كان باديًا للجميع أن جايمز أكثر تسامحًا تجاه الكاثوليك من سابقته، فغرامات التغيب عن القداس البروتستانتي تم تقليلها بشدة، وألغيت تمامًا في بعض المناطق، وتمتع الرهبان الجيزويت بحرية أكبر في إقامة القداسات الكاثوليكية؛ مما أشاع جوًا من التفاؤل في الأوساط الكاثوليكية تجاه الملك الجديد، ولكن في لندن كان جايمز يواجه ضغوطًا متزايدةً من النخبة البروتستانتية الحاكمة التي رأت في سياسة جايمز تهديدًا لا يمكن السكوت عليه، فرغم ازدياد الشعور العام بالعداء تجاه الكاثوليك إلا أن أعداد الكاثوليك كانت في تزايد ملحوظ؛ نتيجة توقف العديد من الكاثوليك عن التظاهر بالالتزام بالبروتستانتية، وممارستهم للطقوس الكاثوليكية بصورة علنية.

ونتيجة للضغوط المتزايدة على جايمز، وحاجته الماسة للدعم المالي من الأثرياء البروتستانت، اضطر جايمز لاتخاذ إجراءات للتضييق على الكاثوليك كانت بدايتها في عام 1604، حين أبدى جايمز ازدراءه للكاثوليكية في خطاب ألقاه أمام البرلمان الإنجليزي، قام بعدها بثلاثة أيام بإصدار مرسوم بإعادة فرض غرامات التغيب عن القداس، وطرد جميع القساوسة الكاثوليك والجزويت خارج إنجلترا، وهو ما مثل لطمة شديدة للآمال الكاثوليكية في أن يكون عهد جايمز أكثر تسامحًا من سابقه.

مؤامرة البارود

وكردة فعل لقبضة جميس الأول الحديدية، قرر الأصدقاء الخمسة أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراء ما ضد الملك، وكانت الخطة ببساطة هي اغتيال الملك ومعه أكبر عدد ممكن من حاشيته ومستشاريه ورجال كنيسة إنجلترا والنبلاء، وذلك عن طريق تفجير مبنى البرلمان الإنجليزي في ويستمنستر في أثناء جلسته الافتتاحية التي سوف يحضرها الملك وكبار رجال الدولة في فبراير 1605، ورغم بساطة الخطة إلا أنها كانت ستكون ضربة شديدة للنظام الحاكم في إنجلترا، فبجانب الملك كانت قائمة الحضور تضم 69 شخصًا من كبار الموظفين، جميع الوزراء، وأغلب النبلاء، وجميع أعضاء المحكمة العليا الإنجليزية، وجميع كبار قضاه إنجلترا، وأغلب قساوسة الكنيسة الإنجليزية البروتستانتية، بالإضافة إلى جميع أعضاء المجلس الاستشاري للملك.

بدأت الخطة بدفعة من حسن الحظ حيث أصبح المنزل المجاور لمبنى البرلمان متاحًا للإيجار، ليقوم بيرسي بتأجيره ويقيم فيه الوجه الجديد على المجتمع اللندني، وغير المعروف لجواسيس روبرت سيسل المنتشرين بكل مكان جاي فوكس تحت اسم مستعار هو جون جونسون.

وبتأمين مكان ملاصق لمبنى البرلمان تبدأ المجموعة في شراء البارود اللازم لعملية الاغتيال، وكانت هذه المهمة من نصيب جاي فوكس بصفته خبير المتفجرات في المجموعة «حاز جاي فوكس على خبرة كبيرة في المفرقعات نتيجة انضمامه إلى فرقة المفرقعات بالجيش الإسباني من عام 1591 إلى 1603»، وتم تخزين البارود في منزل مملوك لروبرت جايتسبي في لامبث يقع أمام البرلمان مباشرة، ولكن من الجهة الأخرى لنهر التايمز.

بعد اكتمال الكمية المطلوبة من البارود المخزنة في براميل خشبية، بدأ الإعداد لنقل البراميل عبر التايمز إلى المنزل الذي يسكنه جاي فوكس استعدادًا ليوم التفجير؛ لتجد المجموعة نفسها أمام حدثين أحدهما سيئ والآخر جيد، أما الحدث السيئ فهو تأجيل افتتاح البرلمان ثمانية أشهر كاملة «الثالث من أكتوبر 1605» نتيجة لوباء أصاب البلاد، وأما الخبر الجيد فهو أن القبو أسفل قاعة البرلمان مباشرة أصبح متاحًا للإيجار ليقوم روبرت جايتسبي على الفور بتأجيره تحت ستار قصة وهمية عن زوجته التي تستعد للانتقال إلى لندن.

وبمجرد تأجير القبو بدأت المجموعة نقل براميل البارود من منزل لامبث إلى القبو عن طريق مركب صغير، وكانت منطقة ويستمنستر في ذلك الحين قلب النشاط التجاري بلندن، وبالتالي لم يلفت الانتباه مركب صغير محمل ببراميل «كانت أغلب البضائع تخزن في براميل آنذاك»، وسط العديد من المراكب التي تعبر النهر يوميًّا، ويقدر عدد البراميل التي تم نقلها عبر النهر بحوالي 38 برميلًا متوسط الحجم «قدر برنامج تلفزيوني من إنتاج ITV عام 2005 قام بعمل محاكاة للتفجير اسمه مؤامرة البارود- تفجير الأسطورة البارود المستخدم من 1 إلى 3 أطنان من البارود»، لتصبح المجموعة جاهزة لعملية الاغتيال بحلول يونيو 1605.

ولكن على الجانب الآخر كان تأجيل جلسة البرلمان مشكلة كبيرة للمجموعة، فالتأجيل معناه زيادة الأعباء المالية، فبجانب احتياج روبرت جايتسبي الكثير من الأموال لتدبير هروب المجموعة، وتنظيم تمرد عسكري كاثوليكي وتمويله، وزيادة مدة الإيجارات؛ مما يعني زيادة في مصاريف العملية، كان جاي فوكس يخشى فساد البارود نتيجة طول فترة الانتظار؛ مما جعله يطلب كمية إضافية من البارود، ولم يكن باستطاعة روبرت جايتسبي توفير كل هذه الأموال؛ مما جعله يرتكب خطأ سيكون له تأثير مدمر على مسار الخطة كلها، وهو ضم المزيد من الأشخاص إلى المتآمرين، فقام جايتسبي بالاتصال بكل من روبرت كيز وتوماس بيتز وروبرت وينتور شقيق توماس وينتور، هذا بالإضافة إلى كريستوفر رايت شقيق جاك رايت وأمبروز روكودو، وجون جرانت، والسير إيفرارد دجيبي، والابن الأكبر لصاحب التحفة المعمارية ليفدن نيوبيلد الثري النورثهامبتوني فرانسيس تريشام (راجع الجزء الخامس)، ليصل عدد المتآمرين إلى 13 شخصًا، ليثبت هذا الرقم أنه يستحق السمعة السيئة التي تلاحقه عبر التاريخ الأوروبي الطويل.

وكان لطول فترة الانتظار آثارها النفسية أيضًا على المجموعة، فحاول جايتسبي الحصول على مباركة الكنيسة الكاثوليكية، فقام في أحد أيام صيف 1605 أثناء إحدى جلسات الاعتراف بإخبار أحد القساوسة الجيزويت ويدعى أوزولد تيزموند بما يعتزم فعله، والذي أصابته اعترافات جايتسبي بالرعب والحيرة، فتيزموند كان يخشى توريط الجيزويت والكنيسة الكاثوليكية في مؤامرة على الملك، ولكنه مجبرٌ طبقًا للتقاليد الكاثوليكية بكتمان اعترافات جايتسبي، فلجأ تيزموند إلى الأب هنري جارنت رئيس إرسالية القساوسة الجيزويت في إنجلترا، الذي طلب من تيزموند تهدئة جايتسبي ومحاولة صرفه عن خطته لخطورة آثارها حال فشلها على جميع الكاثوليك الإنجليز، كما قام جارنت بإرسال رسالة عاجلة إلى البابا يطالبه بتهدئة الأوضاع مع ملك إنجلترا، كما طلب من تيزموند إبلاغ جايتسبي رفضه منح مباركته للخطة.

رسالة مونتيجل

تجاهل جايتسبي تحذيرات كل من جارنت وتيزموند، وقرر المضي قدمًا في خطته، حتى بعد تأجيل البرلمان مرة أخرى إلى الخامس من نوفمبر، وبدأت المجموعة استعداداتها النهائية لساعة الصفر، حيث قام جاي فوكس بالسفر لفرنسا، وقام بشراء كميات إضافية من البارود ليصبح المجموع النهائي 38 برميلًا من البارود، وهو ما قدره أحد الخبراء وهو الدكتور سيندي ألفورد بحوالي من 1 إلى 3 أطنان من البارود، وتم نقل البراميل إلى القبو أسفل القاعة، وتم وضعها أسفل المكان المتوقع أن يكون به عرش جايمز.

وتمر الأيام وتقترب ساعة الصفر، وقبل بضعة أيام فقط من ميعاد الجلسة تصل رسالة إلى وليام باركر بارون مونت إيجيل الرابع تحذره من حضور جلسة البرلمان المزمع عقدها بعد بضعة أيام، والذي بمجرد قراءته للرسالة يذهب بها مباشرة إلى روبرت سيسيل ليحذره من مؤامرة تستهدف حياة الملك جايمز.

وتعتبر هذه الرسالة من المواضيع المحيرة في قصتنا، من الذي أرسل الرسالة إلى بارون مونت إيجيل؟ بعض المؤرخين يعتقدون أن زوج ابنته فرانسيس تريشام هو من أرسل له الرسالة ليحذره من الحضور دون أن يكشف تورطه في المؤامرة، والبعض الآخر يرى أن البارون علم بالمؤامرة من زوج ابنته ولفق الرسالة ليحمي نفسه، وخاصةً أن البارون اعتبر بطلًا قوميًّا وانهالت عليه المكافآت المالية، وخصص له الملك معاشًا شهريًّا وأراضي في المستعمرات الإنجليزية بأمريكا.

ولكن الحقيقة أن هناك مشكلتين فيما يتعلق بهذه الرسالة، إحداهما عدم وجود توقيع عليها ولم يعترف أي من أعضاء المؤامرة بأنه قد قام بكتابتها بالرغم من أن الاعتراف قد يكون السبب في تخفيف العقوبة عنهم أو حتى سبب لنجاتهم من الإعدام. والسبب الآخر غموض محتوى الرسالة فهي لم تذكر أي معلومات عن المكان أو الزمان، ومع ذلك عرف الملك ورجاله بأمر السرداب والبارود قبل سويعات قليلة، كيف علموا بالأمر؟

القبض علي جاي فوكس

لا أحد يستطيع القول بأن سيسيل كان يعرف تفاصيل عن المؤامرة قبل المعلومات التي وصلته من البارون مونت إيجيل، وبالرغم من وجود العديد من المؤامرات المتوقعة ضد الملك، إلا أن خطاب مونت إيجيل ربط الكثير من المعلومات المتناثرة عن وجود مؤامرة ضد الملك، ولكن الخطاب الذي قدمه مونت إيجيل منح سيسيل دليلًا مؤكدًا على استهداف الملك مدعومًا بالزمان والمكان الذين سيتم استهدافه فيهما.

وكان بإمكان سيسيل أن يتحرك للقبض على المجموعة بمجرد وصول خطاب مونت إيجيل، ولكنه أراد أن تتم العملية بأقصى صورة درامية ممكنة يستطيع من خلالها تعزيز موقعة بجانب الملك جايمز، فاحتفظ بالخطاب 6 أيام كاملة قبل أن يعرضه على الملك وأقنعه بالانتظار حتى يستطيع القبض على الجناة متلبسين في اللحظة الأخيرة حتى يستطيع الملك استغلال الفرصة لتشويه الكاثوليك، وإعادة السيطرة والقوانين البروتستانتية مرة أخرى بحجة تآمر الكاثوليك على حياة ملك البلاد، وبعد أن أقنع سيسيل جايمز بفكرته انتظر سيسيل 3 أيام حتى الليلة السابقة لجلسة البرلمان قبل أن يقوم بتفتيش المبنى بأكمله، ليعثروا على جاي فوكس بزيه العسكري كاملًا في إحدى الطرقات، وعندما سأله الحرس لماذا يرتدي هذه الملابس في هذه الساعة لم يرد عليهم، فتم القبض عليه، وبتفتيش القبو يتم العثور على البراميل الممتلئة بالبارود.

التحقيق مع جاي فوكس

طلب الملك استجواب جاي فوكس بنفسه، ليبدأ بالسؤال عن اسمه فيجيبه فوكس أن اسمه جون جونسون، فيسأله عن سبب رغبته في قتله، فيجيب أردت أن أعيدك إلى جبالك الإسكتلندية منفجرًا «I wanted to blow you back to your Scottish mountains»، فيسأل الملك عن أسماء شركائه، فيرفض فوكس الإجابة، فيأمر الملك بحبسه في برج لندن واستجوابه للاعتراف على شركائه، وأمام رفض فوكس البوح بأسماء شركائه، أو حتى اسمه الحقيقي، يوقع الملك أمرًا ملكيًّا بالسماح بتعذيب فوكس «كان تعذيب السجناء في هذا الحين أمرًا غير قانوني مما استلزم أمرًا ملكيًّا بالسماح بتعذيب فوكس»، ورغم شدة التعذيب استطاع جاي فوكس الصمود لعدة ساعات أخرى قبل أن يبدأ المحققون في استخدام أحد أسوأ أدوات التعذيب وهي آلة المط (Torture rack)، وهي عبارة عن آلة يتم ربط الشخص المراد تعذيبه من أطرافه الأربعة، ثم يتم شد كل جزء على حدة حتى تتمزق أطراف وأربطة الضحية.

وكانت هذه هي الآلة التي كسرت جاي فوكس تمامًا، لدرجة أنه استطاع بصعوبة بالغة أن يضع توقيعه على الوثيقة التي حوت اعترافاته.


سؤال

إذا كان القائد لمؤامرة البارود هو روبرت كاتسبي، لماذا أصبح جاي فوكس هو الأشهر؟
لأن جاي فوكس هو الذي تم القبض عليه ومعه 36 برميلًا من البارود، وليومين ظل المشتبه به الوحيد في التخطيط والتنفيذ لهذه المؤامرة؛ مما جعله مرادفًا لها والتصقت باسمه.

أحداث النهاية

وصلت أخبار فشل المؤامرة للأب هنري جارنت، ويقال إن أحد أساقفته انهار باكيًا وهو يردد لقد انتهينا.

وخلال الأيام والأسابيع التالية يتم القبض على جميع أفراد المجموعة وسجنهم في برج لندن، حيث تم استجوابهم، وفي يناير 1606 بدأت محاكمة 8 من المتآمرين الأساسيين ويقال إن جايمز حضر المحاكمة سرًّا، لتنتهي المحاكمة بالحكم على المتآمرين الثمانية بالعقوبة الإنجليزية التقليدية للخيانة العظمى، وهي الشنق ثم السحب والإرباع (Hanged, drawn and quartered) حيث يتم سحب المذنب على لوح خشب حتى مكان الشنق، ثم يتم شنقه حتى يصبح أقرب للموت منه للحياة، ثم يتم تقطيعه إلى أربعة أجزاء تعلق في أماكن مختلفة في لندن.

وفي الثلاثين من يناير 1606، يتم إعدام المتآمرين الأقل أهمية، وهم: توماس بيتز، وروبرت وينتور، وجون جرانت، والسير إيفرارد دجيبي، أما جاي فوكس وتوماس وينتور وأمبروز روكوود وروبرت كيز فتم تنفيذ الحكم عليهم في اليوم التالي مباشرة أمام مقر البرلمان في ويستمنستر.

ويقال إن كيز لم ينتظر أوامر الجلاد بالشنق؛ حيث إنه قفز بنفسه بعد وضع حبل المشنقة حول عنقه، ولكنه نجا، ولذلك تعرض لعملية التعذيب التي تلي لمن ينجو من الشنق، وهي ببتر أطرافه.

على عكس فوكس، الذي قام بالقفز أيضًا ولكنه دق عنقه وبالتالي نجا من الجزء الأخير المتمثل في عمليات التعذيب البشعة. تم إعدام ستيفن ليتليتون في ستافورد. بينما أُعدِم قريبه همفري في ريد هيل، بالقرب من ورسيستر، بالرغم من تعاونه مع السلطات. بينما أُعدِم هنري جارنت في الثالث من مايو عام 1606.

أما الأب هنري جارنت فتم القبض عليه في 27 يناير 1606، وصدر الحكم بإعدامه في 28 مارس، ونفذ الحكم في 3 مايو من العام نفسه 1606.

ماذا إن نجحت مؤامرة البارود وتم نسف المبني هل سيتغير التاريخ؟!

في الحقيقة إجابة هذا السؤال تنقسم إلى شقين: الأول هل كان الانفجار إذا تم سيكون ناجحًا، خاصة وأن الحرس الملكي أكد في شهادته أثناء المحاكمة أن البارود الذي عثر عليه في القبو كان متحللًا وغير صالح للاستخدام.

الإجابة نعم، كان الانفجار سيكون قاتلًا لكل الموجودين بالقاعة، فكمية البارود المستخدمة وهي 38 برميلًا تساوي ما بين 1 إلى 3 أطنان من البارود، ويرجح خبير المفرقعات الدكتور سيندي ألفورد أن نصف الكمية كان سيكون كافيًا لتحقيق نفس النتيجة حتى ولو افترضنا كجاي فوكس أن 15% من البارود لن يشتعل.

وقد قام طاقم الفيلم التسجيلي «مؤامرة البارود- تفجير الأسطورة» بمعاونة الدكتور سيندي ألفورد ببناء مبنى على شكل مبنى البرلمان وبنفس التقنية ومواد البناء والبارود المستخدم في ذاك الوقت، وقاموا بعمل تفجير بنفس كمية البارود المستخدمة في المؤامرة.

وكانت نتيجة التجربة كالتالي:

1- تدمير كامل للمبنى.

2- (من 0 إلى 100 متر) ستكون مغطاة بالأنقاض وأشلاء الضحايا، وقد وجدت أجزاء من دمية تمثل الملك وضعت داخل المبنى بعيدًا عن مكان الانفجار بحوالي 90 مترًا.

3- (من 100 إلى 200 متر) تدمير كل الزجاج الموجود في هذه المنطقة.

4- (من 200 إلى 400 متر) تدمير الكثير من زجاج المباني بإضافة إلى الكثير من الدخان، وأمطار من حطام المبنى.

5- صوت الانفجار كان سيكون مسموعًا لمسافة 5 أميال من موضع الانفجار.

6- ستبلغ سرعة الحطام 160 ميلًا/ الساعة في خلال 0.1 ثانية فقط.

وبسؤال الدكتور سيندي عن حالة البارود، أكد أن هذا لم يكن ليشكل فارقًا مهمًا في قوة الانفجار، وفسر شهادة الحرس الملكي أن أغلبهم من جنود المشاة، والبارود الذي يستخدمه جنود المشاة يجب أن يكون في صورة مسحوق حتى يستطيعوا حشوه داخل بنادقهم، أما في حالة استخدام البارود لعمل التفجير فوجود نسبة عالية من الرطوبة أدت إلى تحجره، وهو ما يعتبر متحللًا بالنسبة للمشاة ولكنه سيظل صالحًا في حال استخدامه لعمل تفجير، حيث إن خطورة هذه التفجيرات تأتي من اشتعالها داخل البراميل؛ مما يؤدي إلى زيادة الضغط بداخل البراميل لتنفجر في نهاية الأمر مطلقة موجات تضاغطية تضاعف قدرتها التدميرية، وتحدث تأثيرًا مدمرًا.

أما الشق الثاني وهو الشق السياسي والاجتماعي، فيرجح الدكتور ديرميد ماكلوخ الأستاذ بجامعة أوكسفورد أن قتل كل هؤلاء البروتستانت كان سيؤدي إلى نتائج عكسية تشبه إلى حد كبير آثار تفجيرات 11 سبتمبر، فالتفجيرات كانت ستؤدي إلى رغبة عارمة للأغلبية البروتستانتية «كانت أعداد الكاثوليك في هذا الحين تقدر ما بين 5 إلى 20% من سكان إنجلترا» في الانتقام من الكاثوليك؛ مما كان سيؤدي إلى مجازر في حق المواطنين الكاثوليك تؤدي بالنهاية إلى إنجلترا أكثر بروتستانتية، وحتى لو افترضنا التدخل الفرنسي أو الإسباني، فالنهاية كانت ستؤدي إلى وجود أقلية كاثوليكية حاكمة مدعومة من فرنسا أو إسبانيا، وهو ما لم يكن سيأتي بأي استقرار على الإطلاق، وعلق الدكتور ماكلوخ مازحًا أنه بتتبع تاريخ فرنسا كانت إنجلترا ستسقط الملكية وتتحول إلى جمهورية.

زبدة المقال

لا بد أن يعلم أصحاب السلطة والجاه أن الاصطدام الحتمي قادم، وأنه سيأتي اليوم الذي لن يجد فيه الفقراء شيئًا ليأكلوه سوى الأغنياء!

ولقد بات هذا اليوم وشيك الوقوع، والاصطدام بين الفقراء والأغنياء قادم لا محالة، ولن يسكت كلب الجوع سوى عظام غني قد انتزعها من ظهر فقير، وقد جاء ليستردها!

يتبع!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فانديتا
عرض التعليقات
تحميل المزيد