يعود الجدل التحكيمي ليطفو على السطح مع وصول الدوري المغربي الاحترافي لنسخته التاسعة، إلى جانب قضايا الحكامة الرياضية ومتاعب البرمجة، صارت رؤوس قضاة الملاعب مطلوبة مع توالي الحالات المثيرة وضعف تفاعل المؤسسات المعنية مع شكايات الفرق المغربية وعلى بعد جولتين من دخول تقنية حكم الفيديو المساعد حيز التنفيذ.

ترتفع حدة النقاش كلما تعلق الأمر بالفرق التي يتربع رؤساؤها على مقاعد في سدة القرار، وتخفت نفس الأصوات عندما تكون نفس الفرق ضحية لأخطاء بشرية خرجت، في كثير من الأحيان، عن سياق مجانبة الصواب إلى درجة تفسح مجال الشك أمام كل متابع ليعتقد لوهلة أنها مقصودة.

لم تخلُ أي جولة من شكايات النوادي وتهديدها في كثير من المرات بالانسحاب، والغريب أن كلا منها أصبح يملك قائمة من الحكام يعتبر تاريخه معها «أسودًا» ويجد العصبة الاحترافية تمنحه قيادة مبارياتها لتفتح باب التخمينات بأن هنالك نوايا تختبئ خلف كل تعيين.

في وقت يتطور حضور الحكم المغربي نسبيًا في المنافسات القارية للنوادي، بالكاد صرنا نسمع اسم الكرة المغربية ممثلة في أحداث ككأس الأمم الأفريقية أو المونديال، بعد 22 سنة على قيادة المرحوم بلقولة لنهائي كأس العالم بين البرازيل وفرنسا، سبعة حكام ساحة يحملون الشارة الدولية ومثلهم مساعدون أعلنت عنهم الفيفا في آخر تحديث، لكن عطاءاتهم وطنيًا يصعب التمييز بينها وبين البقية في بطولة لا تستجيب في قراراتها إلا «للبوز» وآخر نموذج هو إيقاف التيازي مدى الحياة بارتكابه مجزرة في مباراة يوسفية برشيد وأولمبيك اخريبكة.

المتضرر الأول من هذه الأخطاء، أيا كانت النوايا خلفها، هي الكرة الوطنية التي كلما زادت مصاريف الإنفاق لتطويرها تفقد بصيصًا من سمعتها ومصداقيتها لمشاكل تدبيرية يعرفها القاصي والداني، كيف لا والفرق الوطنية تدفع ثمن التأخر في انطلاق البطولة بتراكم عارم للمباريات مصحوب بإصرار غريب من الجامعة الوصية على خوض كأس أفريقيا للمحليين في وقت لا يحصد منها المغرب إلا الإصابات في ظل احتكار محترفي الدوريات الأوروبية والخليجية لقوائم المنتخب الأول حتى بعد تتويج أسود البطوبة بلقب الشان بقارف كبير عن البقية.

ترك الحسابات الضيقة بين أقطاب الكرة المغربية بعيدًا من شأنه أن يسهم بشكل كبير في إنجاح تجربة «الفار» التي من الممكن أن تنقذ ماء وجه التحكيم المغربي، أو بالأحرى ستظهر الجانب المظلم للقرارات الارتجالية التي تعيشها الفرق كل أسبوع بلا حسيب ولا رقيب، التغاضي عن البطاقات أو إشهارها بسخاء مبالغ فيه والتردد داخل منطقة الجزاء وراية تائهة أمام خط التسلل، ناهيك عن أخطاء بدائية عند تحديد الحق في رمية التماس أو ضربة المرمى.

تقنية «الفار» ستضع الكرة المغربية أمام تحديات مختلفة منها النقل التلفزي وتوفير الإعادات من جميع الزوايا وما يتوجب أن يصاحبه من تنقيح لجودة البث، ففي الدوري السعودي مثلًا يتم الاكتفاء بكاميرات النفل التلفزيوني مما يعقد من مهمة الحكام في اتخاذ القرار، مع الإشارة إلى أن الدوري السعودي يستعين بالحكام الأجانب بشكل كبير من أوروبا وأمريكا، ومع ذلك فإن «الفار» تدخل بمعدل خمس مرات في كل مباراة في الجولات الخمس الأولى فقط، كما تعطل التقنية في أربع مباريات خلال نفس الفترة.

الأخطاء التحكيمية واردة في العالم بأسره، بوجود «الفار» أو في غيابه، لكن درجة التوتر ترتفع في المباريات الحاسمة التي قد ترمي بفرق لقسم الظلمات وفي نفس الآن تمنح بطائق البوديوم والمشاركات القارية لفرق أخرى، خصوصًا أن البطولة الاحترافية أصبحت تشهد تفاوتًا بسيطًا بين فرق الصدارة ووسط الترتيب.

فهل ستنجح التقنية في تصحيح عثرات الحكام، إن حصلت، أم أن قراراتها ستكون هي القاعدة واجتهادات الحكام الاستثناء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد