في الآونة الأخيرة ازداد الحديث عن ضريبة القيمة المضافة وظهرت العديد من التحليلات الاقتصادية لما يتم النقاش حوله من جانب الحكومة المصرية والبرلمان باستبدال ضريبة القيمة المضافة بضريبة المبيعات،  وفي معظم تلك التحليلات سواء التي تؤيد أو تعارض مشروع القانون الجديد، هناك العديد من النقاط التي تم إغفالها إذ إن تلك التحليلات تعتمد بالأساس على النظرية الاقتصادية وليس بالأساس التداخلات مع الاقتصاد المصري الحالي أو سلوك الأنشطة الاقتصادية، ومن ثم، هناك بعض الأسئلة التي قد تكون مطروحة لدى المواطن المصري والتي يجب تناولها بالتفصيل مثل: كيف ستؤثر تلك السياسة الجديدة ليس فقط على المواطن العادي وأسعار السلع والخدمات، وإنما أيضًا على شكل الاقتصاد المصري؟ أيضًا، ما هو وضع مصر مقارنة بالدول العديدة التي تطبق نفس النظام؟ وإذا كان الهدف من تلك السياسة هو تغطية العجز في الموازنة فهل هناك بدائل أخرى  -ربما أفضل-  قد تكون مطروحة؟

ضريبة القيمة المضافة والمعروفة عالميًّا باسم VAT أو Value Added Tax، هي نظام يتم استخدامه في دول عديدة لوضع ضريبة على كل مرحلة من مراحل الإنتاج، وهي ضريبة الهدف منها رفع الإجمالي الذي يتم تحصيله من الضرائب، فعلى سبيل المثال إذا كانت هناك مصانع للمنسوجات تقوم بتوريد القطن من المزارعين ثم تبيعه للمواطن في شكل ملابس أو منسوجات للاستخدامات المختلفة، فإن الدولة سوف تحصّل الضريبة ليس فقط من المواطن الذي يقوم بشراء المنسوجات (والتي هي معروفة بضريبة المبيعات) ولكن أيضًا يتم تحصيل الضريبة على القطن الذي يورّده المصنع من المزارع ويستخدمه في الصناعة، وبذلك تزيد حصيلة الدولة من الضريبة[1]، وهذا النظام معمول به في دول عديدة جدًا على مستوى العالم ولكن يتم التعامل معه بحذر شديد إذ إنه يمثل نوعًا من أنواع الضرائب يسمى الـ regressive taxأو الضريبة الرجعية، وهو ما يعني أنه لا يهتم بالعدالة الاجتماعية وينظر فقط لزيادة العوائد التي ترد للدولة ويتجاهل تأثير ذلك على حجم الفقر أو عدالة التوزيع بين الأفراد داخل المجتمع. فالأصل في تعيين ضريبة القيمة المضافة وتحديد قيمتها في الدول الغربية هو المواطن بحيث لا تؤثر تلك الزيادة على قدرة المواطن على شراء السلع والخدمات ولا على مستوى المعيشة ونسب الفقر أو البطالة، وأن تتناسب أيضًا مع تركيبة الاقتصاد المحلي، بمعنى أنه إذا كان الاقتصاد اقتصادا حرًّا تمامًا فالأصل هو أن المستهلك والمصنّع يتحملان سويًّا عبء الضريبة مناصفة[2]، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فالحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.

ما أثر ضريبة القيمة المضافة على الأسعار ومن سيتحمل تلك الزيادة؟

ضريبة القيمة المضافة سوف تؤدي بالطبع إلى زيادة كبيرة جدًا في الأسعار، نظريًّا يتحملها المواطن والاقتصاد مناصفة وذلك طبقًا لنظرية العرض والطلب، فكلما ازداد السعر (متضمنًا الضريبة) قل الطلب على السلع والخدمات وبالتالي اضطر المنتجون إلى أن يتحملوا جزءًا من الضريبة ويقللوا من أرباحهم[3]، لكن في مصر يختلف الوضع نوعًا ما، فالاستهلاك في مصر غير مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأسعار نظرًا لعوامل كثيرة منها تحويلات العاملين بالخارج، وتكدس السكان جغرافيًا في أماكن واحدة مما يساعد على استمرار وجود من يملكون القدرة على الدفع في السوق المصري حتى وإن تعذّر ذلك على جزء كبير من المجتمع، فتواجدهم في نفس المكان (أكثر من 22 مليون مواطن في القاهرة) يشجع أصحاب المحال على الاستمرار برفع الأسعار[4]، ومن ثم فإن المواطن المصري هو الجانب الأكثر خسارة في تلك المعادلة.

لذلك وكما هو الحال في دول عديدة أخرى، قامت مصر بوضع شريحة مخفضة من ضريبة القيمة المضافة لـ52 سلعة من السلع الأساسية بحيث تحمي الطبقات الفقيرة نوعًا ما، ولكن  -وعلى الرغم من براءة النية التي تهدف لحماية الفقراء-  إلا أن الشريحة المخفضة من القيمة المضافة بها جور كبير على مفهوم العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع[5]، فطبقًا لبحث أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) على تأثير ضريبة القيمة المضافة المخفضة على العدالة الاجتماعية، فإن الأغنياء هم أكثر المستفيدين من تلك السياسة فهي تؤدي إلى زيادة استهلاك الأغنياء للمواد التي تكون تحت طائلة الضريبة المخفضة مثل المياه المعدنية، أو الخضروات أو اللحوم وما إلى ذلك، وحتى إذا لم يزد استهلاك الأغنياء منها فإن الدولة تحصّل من الفقير نسبة أكبر من دخله مقارنة بالغني، فإذا قلنا إن الدولة تقوم بتحصيل جنيهين على سبيل المثال على كيلو اللحم الواحد ضريبةً مخفضة، وإذا اعتبرنا أن الفقير والغني يتناولون نفس الكم من اللحم يوميًا (على سبيل المثال) فهذا يعني أن الدولة تأخذ جنيهين من الفقير الذي يحصل على راتب قدره 500 جنيه وتأخذ أيضًا في نفس الوقت جنيهين من الغني الذي يحصل على دخل قدره 5000 جنيه، والنسبة هنا تعد جورًا على مفهوم العدالة الاجتماعية بدلًا من تقديم الدعم لمستحقيه.

ما أثر ذلك على الاقتصاد المصري؟

الاقتصاد المصري هو اقتصاد معقد، يمثل فيه الاقتصاد غير الرسمي ما يزيد عن80% [6]، والاقتصاد غير الرسمي يعني مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي لا تعرف الحكومة عنها شيئًا فهي غير مسجلة ولا تدفع ضريبة للدولة، والنسبة الأكبر من تلك الأنشطة هي الأنشطة الزراعية والتي تم تطبيق ضريبة القيمة المضافة المخفضة عليها والتي لن يكون من الممكن تحصيلها من الأساس (على سبيل المثال كيف سيتم تحصيل الضريبة من بائع الخضروات في الشارع والذي لا يملك بالأساس بطاقة ضريبية ولا تعرف الدولة عنه شيئًا). هذا بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الاقتصادية التي لا تدفع ضرائب مثل مصانع المكرونة والقمح والمدارس والمستشفيات التابعة للجيش. المشكلة في ما سبق هو أن تلك الضريبة سوف ينتج عنها إحدى المشكلتين؛ إما أن يكون هناك عوائد أكبر للمؤسسات التي لا تدفع الضرائب وبالتالي لا تستطيع المؤسسات الأخرى منافستها في الأسعار فتغلق أبوابها، وبالتالي يصبح هناك احتكار لتلك المؤسسات المعفاة من الضرائب لآليات السوق، أو أن تقوم المؤسسات الاقتصادية القائمة بالتحول إلى السوق غير الرسمي وبالتالي تخسر الدولة أكثر من جانب حجم الضرائب المحصلة ويزداد السوق والاقتصاد غير الرسمي، وفي الحالتين لن يتعافى اقتصاد الدولة ولن يصبح الاقتصاد المصري طرفًا رابحًا في تلك السياسة.

ولكن، بما أن العديد من الدول الغربية تطبق نظام ضريبة القيمة المضافة فلماذا لا يتأثرون هم أيضًا سلبًا بتلك الضريبة؟

أولًا: لأن البيانات والمعلومات متوفرة (بدقة شديدة جدًا) في الدول الغربية للمحللين الاقتصاديين عن أدق تفاصيل الاقتصاد، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي تملك نظمًا للمحاكاة يتم من خلالها دراسة وتقييم آثار السياسات الضريبية على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية قبل تطبيقها فعليًا، فعلى سبيل المثال منذ عام 2012 وضعت بلجيكا جميع البيانات الاقتصادية لديها في أداة للمحاكاة تسمى «فلموسي» والتي من خلالها يمكن للمسئول أن يضع أي تغيير في السياسة الضريبية أو الاقتصادية ويرى تأثير أي ازدياد في الضريبة أو أي سياسة أخرى على نسبة الفقر والناتج العام الإجمالي والبطالة وعدالة الدخول وما إلى ذلك. وإذا قمنا نحن المصريين باستخدام نفس أداة المحاكاة كمثال لنرى أثر زيادة ضريبة القيمة المضافة على المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية فسوف نرى بكل وضوح العديد من الآثار الاجتماعية السلبية التي ستترتب على تلك السياسة، من تنامٍ سريع لمعدلات الفقر والبطالة وحتى انخفاض مؤشرات العدالة الاجتماعية.

ثانيًا: لأن الاقتصاد الغربي هو اقتصاد أغلبه نظامي وليس كما هو الحال في مصر، فليس هناك العديد من الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة، كما أنهم لا يعانون ما نعاني من الفساد، وفوق ذلك يملكون الأدوات المختلفة لتحصيل الضريبة من المنبع وليس كما هو الحال عندنا، والأهم من ذلك أنهم لا يوجد لديهم أنشطة اقتصادية منتجة لا تخضع للنظام الضريبي كما هو الحال في مصر مع المصانع والشركات المملوكة للجيش.

 إذًا، ما هي البدائل المطروحة؟

أولًا  -وكما ناقشنا من قبل-  حتى في حال الإجماع على تطبيق ضريبة القيمة المضافة، فإنه لا يجب البدء بتنفيذها بدون العمل على استعادة وضبط السوق أولًا وتنظيم النشاطات الاقتصادية غير الرسمية، ثم بعد ذلك التفكير في إضافة أو تعديل ذلك النوع من الضرائب. ولكن، هناك أيضًا العديد من البدائل المطروحة للنظر في حال أرادت الدولة سد عجز الموازنة:

أولًا: على الرغم من أن تطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة الجديد سوف يوفر للدولة 30 مليار جنيه[7]، فإن فاتورة الفساد في مصر قد بلغت 77 مليار دولار في العام الواحد[8]، أي ما يقارب 22 ضعف ما تريد الدولة تحصيله من القانون الجديد.

ثانيًا: تعديل شرائح الضريبة على الدخل، ففي مصر طبقًا لقانون الضرائب لعام 2015 هناك 5 شرائح من الضرائب على الدخل وهي كالآتي:[9] الشريحة الأولى أقل من 541 جنيهًا شهريًا معفاة تمامًا من الضرائب، ويليها من 541 جنيهًا إلى 2500 جنيه 10%، ومن 2500 جنيه إلى 3750 جنيهًا15% ، ومن 3750 جنيهًا إلى  16666جنيهًا20% ، وأخيرًا أكثر من 16666 جنيهًا ضريبة 22.5%، وعليه فإنه كان من الأولى التغيير في تلك الشرائح لدعم الموازنة وليس في ضريبة القيمة المضافة على الفقير والغني سواء بسواء، فكما نرى القانون الحالي يقلل نسبة الزيادة في نسبة الضريبة كلما ارتفع الدخل، بمعنى أنه لدخل أكثر من 16666 جنيهًا تزيد الضريبة فقط بنسبة 2 ونصف في المائة، بينما من الشريحة الثانية والثالثة تزيد الضريبة بنسبة 5 في المائة، وهو عكس ما يتم العمل به في دول عديدة من تلك التي تراعي العدالة الاجتماعية والتي تسعى لزيادة العوائد الضريبية.

ثالثًا: إصلاح المنظومة الضريبية والتي من خلالها سوف يتم زيادة العوائد بنسبة كبيرة مثلما حدث في جنوب أفريقيا منذ عام 1999 وحتى عام[10] 2009 والتي قامت فيها الدولة بالاستعانة بـ«برافين جوردان« وزير المالية الحالي والذي قام بإدخال العديد من الإصلاحات على نظام التحصيل الضريبي، والتي ارتفع على أثرها عدد دافعي الضرائب من 2.6 إلى 4.1 ملايين مواطن، أي ما يقارب الضعف وبالتالي تضاعفت الواردات من الضريبة، وهناك العديد من الدراسات التي ناقشت كيفية إصلاح المنظومة الضريبية والآليات التي فعّلها جوردن من أجل الوصول لتلك النتائج ويمكن قراءتها بالتفصيل على هذا الرابط.

المفاد هنا هو أن الدولة في هذه الآونة تركز تركيزًا جمًّا على إنقاذ الاقتصاد من الانهيار في حين أنها تتجاهل تمامًا المواطن الذي هو بالأساس الأصل والمحور الرئيس الذي يجب أن ترتكز عليه هذه السياسات، والتي حين تنفيذها يتم نقلها من دول أخرى مع عدم النظر إلى كيفية التطبيق والآثار المترتبة على السياسة بشكل كافٍ، فالأزمة في مصر ليست أزمة حلول ولكنها بالأساس أزمة تفكير وتحديد أولويات.
______________________________________________________________________________________

[1] General explanation of VAT

[2] Gans, J., King, S., Stonecash, R., & Mankiw, N. G. (2011). Principles of economics. Cengage Learning.

[3] Gans, J., King, S., Stonecash, R., & Mankiw, N. G. (2011). Principles of economics. Cengage Learning.

[4] سفينة نوح وسيناريوهات ما بعد الهجرة

[5] The effectiveness of reduced VAT rates as a redistributional tool

[6] الاقتصاد غير الرسمي.. 2.6 تريليون جنيه خارج سيطرة الدولة

[7] 7 عيوب قاتلة لقانون “القيمة المضافة” في مصر

[8] 77 مليار دولار فاتورة الفساد بمصر خلال عام

[9] الكتيب الخاص باستفسارات القانون الجديد

[10] REWORKING THE REVENUE SERVICE: TAX COLLECTION IN SOUTH AFRICA, 1999-2009

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد