النباتيون والإلحاد، ربما لا يكون عنوانًا مثيرًا لذي العقول راقية التفكير، ولكنه سيكون مثيرًا لذي العقلية السطحية، لطالما عانى النباتيون في العالم العربي من وابل اتهامات الإلحاد بمجرد إفصاح أحدهم عن نباتيته، قد يكون البعض منهم بالفعل عندما يقرر الإلحاد يعلن نباتيته، لكن ليس كل من قرر الإلحاد نباتيًا وليس كل من قرر النباتية ملحدًا.

إلحاد «منى هلا»

هكذا قرأت الخبر الخبيث في الصباح الباكر عندما تصفحت حسابي على موقع التواصل الاجتماعي -فيس بوك- ربما يتعمد بعض الصحفيين إثارة «بلبلة كاذبة» بوضع عنوان مثير للخبر مع سبق الإصرار دون وضع حسابات أن مثل تلك الأخبار يمكن أن تؤذي أحدًا ما، خاصة لو كانت أخبارًا عن حياة شخصية لأحد المشاهير.

منى هلا، تلك الفنانة الكوميدية الساخرة التي لطالما أحدثت ضجيجًا مزعجًا حولها منذ ظهورها في وسطي الفن والإعلام؛ حيث قالت «منى» في حسابها على إنستجرام: «أنا عمومًا مش من الشخصيات اللي بتندم على أي حاجة عملتها في حياتها، الحاجة الوحيدة اللي فعلاً ندمانة إني كنت بعملها إني كنت باكل لحوم الحيوانات في يوم… وأتمنى لو ييجي اليوم وأقدر أكفر فيه عن الجرم البشع اللي عملته في حق كل حيوان دخل معدتي»، بالطبع أختلف معها في اعتقادها بأن أكل لحوم الحيوانات بالذنب الذي يجب أن تكفر عنه؛ حيث إن الأديان السماوية الثلاثة أحلت أكل تلك اللحوم بغض الطرف عن استثناءات كل دين منهم، بل بالعكس فهي ارتكبت ذنبًا عندما سمت ما أحله الله بالذنب، هكذا عقب متابعوها كما عقبتُ، لكنها استطردت قائلة: «ما هو فكرة إن ربنا اللي خلقه دي بتاخدنا للنقاشات الدينية اللي مبحبهاش لإن كل واحد ليه معتقداته وفي الآخر الحلال والحرام شيء نسبي بحت كل واحد بيشوفه من وجهه نظره»، أختلف معها مرة أخرى في اعتقادها بنسبية الحلال والحرام؛ حيث إن كل دين وضح الحلال من الحرام وهذه رحمة من الله بعباده، لكن دعونا نؤكد على أن لكل إنسان معتقداته وواجب احترامها أيًا كانت طالما لم يضر بها غيره.

أما عن وجهة نظر بعضهم بأن تلك الحيوانات خلقها الله وأحل أكلها فما كان يصح أن نمتنع عن أكلها فهي وجهة نظر خاطئة، دعوني أوضح لكم كلمة «أحل» أي «أتاح» أو «أباح» ليس «ألزم» أو «أمر»، الله أباح لنا أكل اللحوم ولكن لم يأمر بأكلها، حتى في المناسبات الدينية مثلاً كعيد الأضحى المبارك لم يلزم بأكلها، بل حتى الأضحية ليست واجبة بل هي سُنة، وأيضًا في «الصوم الكبير» عندما يمتنع الأقباط عن أكل أي نوع من اللحوم لمدة ٥٥ يومًا ويفطرون، لم يُلزموا بأكل اللحوم بعد الخمسة وخمسين يومًا.

وللتوضيح، هناك فرق بين الامتناع عن أكل اللحوم لأسبابٍ ما كانت صحية أو اعتقادية وبين التحريض بأن أكل اللحوم ذنب أو غير إنساني أي أنك تقوم بمثابة تحريم لما أحله الله.

مرة أخرى أوضح لكم كلمة «أحل» ليس لفظيًا لكنني أوضحها مضمونًا، عندما أحل الله الزواج لم يلزمه في الثلاثة أديان السماوية، وكذلك عندما أحل الزواج بالأربعة في الإسلام لم يلزمه، أيضًا الحج فهو واجب مرة واحدة في العمر فقط، ولكن كثيرًا من المسلمين يحبذون إقامته أكثر من مرة، رغم أنه شيء مستحب أي مباح وليس مُلزمًا لهم، كلها أحكام شرعية مستحبة أي ترك الله لنا الحرية في القيام بطقوسها من عدمه.

إذن لا أرى في تعقيبات «هلا» أي دليل على إلحادها، لكن يمكننا القول بأنه ضعف إيمان مثلاً أو ضعف معتقد ما في عقلها، لكن لا يمكن الجزم بأنها ألحدت لمجرد أنها أرادت أن تكون «Vegetarian» أي نباتية، هذا غير منطقي إطلاقـًا، فمن السطحية أن نحكم على كل إنسان أعلن نباتيته ونربط ذاك بإلحاده، لأنه من المعروف أصلاً أن الكثير من النباتيين يتجهون للنباتية لأسباب يرونها أخلاقية مع تمسكهم بأساسيات دينهم، فمثلاً الساخر الدكتور باسم يوسُف قال في إحدى اللقاءات التلفزيونية إنه اختار النظام الغذائي النباتي لأسباب صحية ورياضية، حيث قال إنه أحس بفارق في صحته ولياقته ما بين قبل النباتية وما بعدها، وغيره الكثير من المشاهير العرب الذين عُرف عنهم النباتية في نظامهم الغذائي، الأديب والكاتب أنيس منصور، الدكتور والإعلامي الساخر باسم يوسُف، ومن العرب كان العالم ابن البيطار ومؤسس علم الجبر محمد بن موسى الخوارزمي.

إذن لماذا تحكُمنا السطحية الحمقاء؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد