من الموضوعية الشديدة، والتي يجب أن نقف معًا عليها قبل أن أسرد هذا المقال، أن نُعرف المرأة المرتشية، كما يجب أن نعرف الرشوة.

المرأة المرتشية، هي بالتأكيد ليست نمطًا واحدًا في المجتمع، أو نموذجًا لمستوى اجتماعي، أو درجة تعليمية، أو مركز وظيفي بعينه، كما لا يفرق تدينها من عدمه شكلًا وموضوعًا بين كونها تخوض في الحياة، وتستحل الرشوة من عدمها، وليس بالطبع هذه الصفة الذميمة بل غير الأخلاقية ودون الدين تتصف بها سيدات مصر كلهن، المرأة المرتشية ظاهرة في المجتمع المصري وليست مُعممة على كل نساء مصر! كما المرتشون من الرجال، فليس كل المصريين مرتشين!

ورأيت أنه آن الأوان أن نُشير بأصابعنا ونوجه الاتهام المباشر لتلك التي يقال عنها نصف المجتمع، التي بتنا ندافع عن حقوقها، ونسينا الدفاع عن حقوق المجتمع التي تخوض فيه هذه الظاهرة الفاسدة -المرأة المرتشية-!

ومن الأشياء الملفتة أننا نرى الدفاع عن حقوق وتمكين المرأة في كل نواحي الحياة، ومن وجهة نظري وكونها كوتة في المجتمع المصري كما كُتبَ لها في الدستور، فالكوتة غالبًا يتدخل بها المحسوبيات والرشوة وتتخلف بالمجتمع والمرأة معًا أكثر من أن تتقدم بها، في حين أن المرأة التي يجب لها أن تخوض ناجحة ومتميزة ورائدة في تخصصها وعملها وإدارتها مُستبعدة، وغالبًا من يضع للمرأة شروط التواجد هو الوسيط أو الكارت التي تحمله لتعمل به، وتصبح أيضًا عضوًا في البرلمان ربما بالتعيين أو بالتزوير!

أما الرشوة في مصر لها أشكال كثيرة، ليس لمجرد مواطن يُخرج من جيبه مبلغًا من المال ليعطيه للموظف التي تقع مصلحة المواطن تحت يديه، فمن البديهي والصحي في المجتمعات غير المريضة أخلاقيًّا بالرشوة، كما في بلادنا، أن يحصل المواطنين على خدماتهم في كل نواحي الحياة من قِبل المؤسسات الحكومية، إدارية كانت أو تعليمية- صحية- خدمات يومية… إلخ، دون الدفع به والفرض عليه رشوة مقابل خدمة! أو استنزاف وقته وصحته وماله أيضًا في سبيل لا شيء.

لا شك أن في هذه المرحلة الراهنة التي تشهدها الساحة السياسية والاجتماعية في مصر، تسجل أكبر الفوز والتقدم لمن هم أكثر فسادًا سياسيًّا وأخلاقيًّا في نواحي كثيرة، وفي كل المؤسسات، وإذا تعمقنا كثيرًا في وسط هذه الظروف، والتي تلاحق مصرنا الحبيبة، هزيمة تلو الأخرى لتربو أعمال الشيطنة، وترتفع فيها بورصة المنافقين والمدلسيين والخونه لأوطانهم، ويرتع الاحتكار في خصب أرض حُرم على الشعب ثمارها، وخرج علينا الفساد بأوجه كثيرة، فبين الراشي والمرتشي أحكام كثيرة، فاليوم نشير على نصف المجتمع الذي من المفترض أن يكون درع يصد الفساد وليس طرفًا فيه، بل أصبح مشاركًا، وركنًا متمكنًا في الدولة العميقة بكل أبعادها.

فإليكم نماذج المرأة المرتشية في المجتمع المصري: فلنبدأ بنموذج المعلم، والذي هو أساس بناء المجتمع. التربية التي اختفت، والتعليم الذي انعدم من المدارس، وخرج إلى البيوت على شكل دروس خصوصية في كل المواد.

دعونا نتكلم عن المعلمة المرتشية التي تجبر تلاميذها على بدء الدروس الخصوصية قبل أن تنتهي الإجازة الصيفية، وقبل أن يتنفس أولياء الأمور للخروج بأولادهم للتصييف، فتقوم هذه المرتشية بربط الجميع في حبال وقتها، وتحت ضغوط الدرجات والنجاح والرسوب التي تمتلك هي توجيهها، والرشوة التي تُدعى بأنها دروس خصوصية.

مثال آخر يعرفه جيدًا من يقدم لأولاده في المدارس التجريبية التي يُعرف عن إدارتها أنها لا تقبل أقل من ذهب، أو موبايل مع الملف! ولا يخجلن عندما يتقابلن مع أولياء الأمور، وتطلب بنفسها إذا كانوا يمتلكون ما يسيل لعاب مصالح لها، أو محسوبية في أي مؤسسة عامة كانت، أو خاصة.

لا ننسى نموذج المرتشية من الموجهات اللاتي يكتبن في معلم فاسد من الإطراء والتدليل والشعر والتغطية على مفاسد جمة في حق تخصصه، فى حين تكتب في آخرين يرفضون الفساد والتدليس استبعادًا وإقصاءً طغى وظهر جليًا، بعد أن أصبحن يسيرن برؤية سياسية جعلتها تتسلط وتتجسس على الآخرين، وتقدم فيهم التقارير لمجرد أنهم ليسوا على شاكلتها، وليسوا من المنافقين.

كما سبق وقلت في مقدمة مقالي إنه لا يوجد قالب للمرتشية من كونها متدينة أو غير ذلك، فهي في كل الأحوال مضمون خالٍ من أي توجه تربوي، وساقطة في بركة الغش، ولا يوجد لديها أي ضمير.

تلك التي ينتظرها أولياء الأمور خارج لجنة الامتحانات حتى يعقد معها الصفقة التي تحقق لها الإشباع المادي، بدفع ما تطلبه في سبيل أن تُعمي بصرها عن ابنه أو ابنته ليقوما بالغش.

من النماذج الفجة أيضًا، لجان التفتيش التي تتوجه بقبول الشكل الهندسي والبناء الخاص بالمدارس، والذي يظهر به الأخطاء جلية في مواصفات البناء، والمساحة التي هي من حق الطالب داخل المدرسة، والتي ربما تسبب في كارثة إذا اختل توازن ومبنى المدرسة يومًا في سبيل علبة صغيرة بها جرامات من الذهب، والتي لا تقل عن المواصفات التي تُمليها تلك المرتشيه على صاحب المدرسة.

وإليكم أيضًا نموذج الموظفة الإدارية التي تسب وتلعن في الجماهير، وتنعتهم بالتخلف وعدم النظام، لكونهم مُزدجرون لضياع وقتهم وصحتهم في الوقوف طويلًا دون جدوى أمام شباك تلك الموظفة الفاسدة، وانظر حين يدخل عليها «الباشا» وتهب المرتشية واقفة على أظافرها حتى إن كادت تلوم الباشا بأنه اصطحب أحد أفراد عائلته إليها، فكان من الأولى أن تذهب هي إليه في بيتها، حتى لا تتعب «الوالدة باشا» أو غيرها في المجيء لأخذ صورة البطاقة، أو تخليص جواز سفر، أو ما شابه.

الطب وملائكة الرحمة

في مؤسسة الصحة والمستشفيات الخاصة كانت، أو العامة المكدسة بملائكة الرحمة اللاتي يُدنسن جيوبهن بالرشاوى، والتي يضعها أهل المريض لهن، حتى تُظهر بعض من نسمات رحمتهن على مريضهم بين الحين والآخر، أو محاولة خفض صوتها وإعطائه بعضًا من الاحترام والتعاطف كونه مريضًا!

وتلك الطبيبة، التي تحولت من طبيبة تغيث من يستغيث، وصاحبة رسالة أقسمت على الأمانة، تحولت لتاجر تستنزف المواطنين المرضى واحتياجهم الشديد للعلاج، وتوجههم إلى شراء أدوية بعينها، أو توجههم لمعامل تحاليل تعرفها لتحتفظ لنفسها بعمولة لا بأس بها، وهذا أيضًا شكل من أخطر أشكال الرشوة، تعرف نساء مصر جيدًا اللاتي يقعن تحت انتهازية البعض من طبيبات أمراض النساء والتوليد في استغلال حاجتهن بإرسالهن إلى عيادتهن الخاصة، حتى تلقى المواطنة اهتمامًا خاصًا من تلك التي لا تقوم بواجبها في المستشفيات العامة، استغلال آخر لشكل من أشكال الرشوة.

أمثلة كثيرة منهن هؤلاء المرتشيات، في مجال الطب، وفي ساحة العمل الصحي، واللاتي تعدت أفعالهن تعاطي الرشوة في مجال إنتاج الأدوية، وما خفي كان أعظم!

رغم توسع منافذ الفساد والرشوة في مؤسسات الصحة على عكس ما طرحه المشرع في قانون العقوبات الخاص بالرشوة، وانحصارها فقط في استخراج شهادة صحية مزورة أو ما شابه! وبالبحث عن القانون نجد هذا المثال!

الرشوة من مظاهر الفساد في المجتمع، وقد جرمها المشرع المصري في المواد من 103- 111 من قانون العقوبات، وبالإطلاع والبحث على جريمة الرشوة نجد أن المشرع قد جرمها في قانون العقوبات الأهلي 1883، وتطلب أن يكون المرتشي موظفًا عامًا، ولكنه خرج عن هذا الأصل في عام 1904، واعتبر الخبير المحكم وكل مكلف بخدمة عامة في حكم الموظف العام، كما أضافت المادة 189 التي اعتبرت كل من الطبيب والجراح ولو لم يكن موظفًا عامًا يقوم بأداء شهادة مزورة فيما يتعلق بمرض أو عاهة، يستوجب الإعفاء من خدمة عمومية مرتشيًا، وعاقبه القانون بعقوبة الرشوة حفاظًا على المصلحة العامة.

وتنطوي هذه الجريمة على إتجار الموظف العام بوظيفته، واستغلالها لفائدته الخاصة، وقد انعكست حقيقة جريمة الرشوة في القانون رقم 69 لسنة 1953، الذي توسع في تجريم الرشوة وغلظ العقوبة المقررة لها.

ومن المؤسف خروج الرشوة كڤيروس يُهاجم أجهزة المناعة في جسد المجتمع المصري، وانتشاره خارج نطاق العمل الوظيفي في المؤسسة التي تقدم الخدمات، ليصبح تبادل ودفع الرشوة على شكل خدمات أيضًا دون أجر، هذا غير نظام المقايضة بين مؤسسة وأخرى على مستوى المحسوبيات، وتبادل الرشاوى في سبيل استمرار جريان وتدفق الدم في عروق العملاق الضخم الذي تكون ونبت لحمه في ظل أنظمة فاسدة، كانت البيئة الجيدة الحاضنة لهذا الڤيروس! والأمثلة كثيرة.

المرتشية التي ما زالت تنعم بالمحسوبيات وتنعم بالتأمينات الأمنية لكونها أمين سر صندوق أسرار الفاسدين، والذي كان زوجها رئيسًا عليهم ذات يوم.

المرتشية تلك المرأة التي تستغل عمالًا وحرفيين في بناء وصناعة منزلها، مستغلة مركز زوجها ووظيفته الأمنية.

المرأة المرتشية التي ما زالت ترتع من حشاش وظيفة زوجها الذي كانت تعرف عن أسراره الكثير، والتي يعرف كل من يحيط بها أنه يجب احتواؤها، وأن تستمر تنعم بالحماية الأمنية والمادية هي وعائلتها، في مقابل النفاق والتدليس على المواطنين، وكما مثلها الكثيرات ممَن يقال عنهن القوة الناعمة، وربما القوة الراقصة، والتي فشلت كونها ممثلة فوجهت قبلتها إلى محاورة وإعلامية لإشاعة الإسفاف والنفاق والتدليس السياسي للسيطرة على توجهات المواطنين وتجهيلهم، والعمل على غياب العقول في مقابل الرشوة الإعلامية.

المرأة المرتشية تلك التي عاش زوجها يحكم بلاده بالسرقة، والنهب، وظلم شعبه، وإفقاره، وتجهيله.

المرأة المرتشية تلك التي نراها في مجالس المرأة، وحقوق الإنسان التي تشجع بطش وطغيان الحاكم، وتغوله على حقوق شعبه.

المرأة المرتشية صاحبة السعادة التي ترأست لوقت طويل مجلس تأخذ كل أوامرها ووثائقها وتوجهها للمجتمع بتوجيهات سياسية، يتم من خلالها تقسيم المجتمع، والفصل، والعنصرية، بين امرأة، وامرأة أخرى، واستبعاد فصيل من الشعب، والهجوم عليه، والانتقاص من حقه كمواطن، لكونه يؤمن بسياسة مغايرة لسياسة نظم موالية لها تلك المرتشية.

الناخبة المرتشية والسياسية الراشية والمرتشية، تلك التي ظهرت على الشاشات وأمام مرئى ومسمع الجميع، وأصبحت تلك المرتشية المزورة للأصوات مشاركة في وضع القوانين للمجتمع المصري اليوم -تلك الدولة العميقة الفاسدة بذكورها وإناثها- وأخيرًا وفوق كل قوانين الحياة، أحكام الله في الشريعة الإسلامية عن الرشوة والفساد والأموال الحرام، وأحاديث الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- التي كانت تحذر من السحت والفساد، وردت أحاديث كثيرة في التحذير من هذا المحرم، ومنها ما رواه ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به. قيل: وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم».

ومن كتاب الله فقد حرمت الشريعة الإسلامية الرشوة واعتبرتها من قبيل أكل أموال الناس بالباطل، الآية (188) من سورة البقرة، قال تعالى: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون»، وكما جاء في سورة المائدة الآية رقم ( 63) في قوله تعالى: «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ» صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرأة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد