«الكثير من الثروات، أكبر احتياطي نقدي في العالم، خامس أكبر احتياطي للغاز، ذهب، البحر الكاريبي الواسع الغني، كل هذا و80% من شعبنا يعيشون في الفقر، أقسم أمام شعبي وفوق هذا الدستور المحتضر بأنني سأدفع قدمًا التحولات الديمقراطية الضرورية حتى تمتلك الجمهورية الجديدة دستورًا مناسبًا للأجيال القادمة».    *هوغو تشافيز، رئيس فنزويلا الراحل

كانت تلك كلمات هوغو تشافيز «ديكتاتور الفقراء»، ثائرًا بها على حقبة الرئيس الفنزويلي كارلوس أندرياس بيريز صاحب التوجه الليبرالي بعدما أرسل بيريز رسالة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مفادها إن فنزويلا ستلتزم بشروطهما القاسية مقابل إقراضها 4.3 مليار دولار، ومبلغ 1.5 مليار دولار للضرورة القصوى وبأسرع وقت. الرسالة التي أعقبها رفع أسعار البنزين 100% في البلد المصدِّر للنفط، وقيد الزيادات على أجور الحافلات عند 30%، ولكن السائقين تجاهلوا ذلك ورفعوا الأجور بما يتناسب مع الزيادة التي فرضها بيريز على أسعار البنزين. عمت فنزويلا اضطرابات جدية أودت بحياة المئات، كما تم وضع قيود على استيراد الأدوية، فانتشر في فنزويلا مرض الطاعون. كل ذلك كان كفيلًا بتسارع حركة تشافيز للتحضير للانقلاب.

فلقد ابتدأ تشافيز التحضير لانقلاب 1992م، عام 1982م، حيث انطلق انقلاب تشافيز على أنغام أغنية بوليفارية لـ«علي بريميرا» حملت حوارًا بين صبي صغير وطني وسيمون بوليفار محرر معظم أمريكا اللاتينية من الاحتلال الإسباني:

الصبي: الأسوأ أن شعبي اليوم بدون بوليفار.

بوليفار: إنهم من دون مال؟

الصبي: من دون عقل، أيها المحرر، من دون عقل، فقد خدعهم البرجوازيون الأغنياء الذين يذهبون إلى الضريح الوطني ليضعوا الأزهار في ذكرى وفاتك السنوية.

بوليفار: لماذا يذهبون إذن، أيها الوطني الصغير؟

الصبي: ليتأكدوا من أنك لا تزال ميتًا أيها المحرر، ميتًا فعلًا.

لتصبح مهمة تشافيز أن يثبت العكس، أن بوليفار ما زال حيًا! وتمر سنوات على محاولة انقلاب تشافيز القائد الاشتراكي الذي انطلق من الكوخ الطيني إلى الثورة المستمرة على قائد الليبرالية الفنزويلي بيريز، لتعود فنزويلا إلى الكوخ الطيني مرةً أخرى في عهد نيكولاس مادورو، سائق الباصات والقيادي العمالي، الذي تعاني البلاد تحت حكمه من تفاقم الفساد، بالإضافة إلى أزمة اقتصادية من جراء هبوط أسعار النفط وصلت إلى نقص الأدوية والألبان والمعدات الطبية في السوق، فما الذي أودى بالبلد الصاعد إلى تلك الوعكة الاقتصادية؟!

من بلد عائم على النفط إلى شعبٍ يعيش في كوخ من الطين

«أتمنى ألا تنزلق البلاد بهذا الشكل إلى صراع أهلي، نحن في لحظة شديدة السوء، إنها واحدة من أكبر الأزمات التي مرت علينا».    *ديفيد سمولانسكي، عمدة إحدى مقاطعات فنزويلا، متحدثًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية

تعتبر فنزويلا واحدة من الدول الست التي بمقدورها تزويد العالم بما يقرب من نصف احتياجاته من البترول بحلول العام 2020. حيث تحتل فنزويلا منزلة متميزة داخل أوبك، فهي تمتلك من احتياطيات الزيت المؤكدة في نهاية 2001 نحو 78 مليار برميل، أو ما يعادل 7.4% من الاحتياطيات العالمية. وهي بذلك تحتل المرتبة السادسة بعد المملكة العربية السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران. وبالإضافة لذلك تمتلك فنزويلا احتياطيات هائلة من الزيت الفائق الكثافة وتقدر احتياطاته بنحو 270 مليار برميل.

كذلك تأتي فنزويلا في المرتبة الثالثة في إطار الحصص التي اعتمدتها أوبك يوم 12 ديسمبر 2002 وتبلغ حصتها 2.65 مليون برميل بترول يوميًا بعد المملكة (7.4 مليون برميل يوميًا) وإيران (3.78 برميل يوميًا). كذلك تقدر احتياطيات فنزويلا من الغاز الطبيعي بنحو 148 تريليون قدم مكعب وهو ما يعادل 2.7% من الاحتياطيات العالمية للغاز أو 30% من احتياطيات النصف الغربي للكرة الأرضية.

وبالرغم من أن فنزويلا بلدٌ نفطي يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم؛ إلا أنها لا توفر الطاقة الكهربائية لشعبها، وأقرت الحكومة مطلع العام الجاري قانونًا خفضت بموجبه أيام الدوام في القطاع العام من خمسة أيام إلى يومين فقط في الأسبوع لترشيد استخدام الطاقة الكهربائية، في حين يتم توفير الكهرباء للمنازل أربع ساعات يوميًّا فقط.

ومع انخفاض أسعار البترول فرض الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حالة «الطوارئ الاقتصادية»، التي دخلت حيز التنفيذ في منتصف يناير الماضي لمدة شهرين. ثم مددها حتى أصدر مرسومًا رئاسيًا وقعه الثلاثاء 12 يوليو 2016، ونشر الأربعاء، على أن «حالة الاستثناء والطوارئ الاقتصادية ستمدد ستين يومًا بسبب ظروف استثنائية تؤثر على الاقتصاد الوطني». مع العلم أن حالة الطوارئ الاقتصادية ما زالت مستمرة حتى الآن.

وبرر الرئيس الفنزويلي هذا الإجراء بوجود «حرب اقتصادية» تشنها ضد فنزويلا شركات ومعارضون سياسيون. وتمنح «الطوارئ الاقتصادية» الحكومة إمكانية مصادرة ممتلكات القطاع الخاص لضمان الحصول على السلع الأولية، وهو ما تعتبره المعارضة أنه يمهد الطريق لعمليات وقف الاستثمار بشكل كبير في فنزويلا.

فكانت نتيجة فرض حالة الطوارئ الاقتصادية وصول معدل التضخم في فنزويلا إلى 180.90% ويرتفع التضخم بمعدل شهري يصل إلى 12.40% وقد وصل التضخم الغذائي إلى 315% وبالتالي أصبحت الأسر هناك تنفق نحو 70% من دخلها لشراء الطعام، ويقول 87% من الفنزويليين أنهم لا يملكون المال الكافي لتأمين الغذاء لعائلاتهم.

وتملك الحكومة متاجر لبيع السلع الغذائية، وبسبب شح السلع قررت فتح تلك المتاجر ليوم واحد فقط في الأسبوع ويكون دخول الأفراد إليها عن طريق نظام القرعة. ونتيجة لذلك، انتشرت ظاهرة نصب كمائن لقوافل الغذاء قبل وصولها إلى المتاجر الحكومية من قبل مواطنين، الحالة التي وصفتها المعارضة باليأس الشديد.

فنزويلا.. الانطلاق نحو الهاوية الاقتصادية

في إطار محاولات الهروب من معضلة البترول عمدت الحكومة إلى هيكلة نظام صرف العملات، إذ تضع الحكومة قيمتين رسميتين لسعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية؛ البوليفار، واحدة للواردات من السلع الأساسية، وواحدة للواردات العادية، الأمر الذي أدى إلى وصول معدل التضخم في سعر الصرف للعملة المحلية لفنزويلا 62.20%.

الأمر الذي أجج العلاقة بين سعر الصرف والتضخم السائد في البلد، حيث تستند هذه العلاقة على نظرية تعادل القدرة الشرائية التي صاغها في البداية ريكاردو ثم قام بتطويرها غوستان كاسل، وتركز على مبدأ بسيط مفاده أن «قيمة العملة تتحدد على أساس قدرتها الشرائية، ومن ثم فإن سعر الصرف التوازني يجب أن يعبر عن تساوي القدرة الشرائية الحقيقية للعملتين المعنيتين». أثبت هذا النموذج قدرة كبيرة على التنبؤ بأسعار الصرف على المدى الطويل، إلا أنه يعاب عليه عدة أمور مثل الفرضيات غير الواقعية التي بنيت عليها كتوفر منافسة حرة وكاملة في الاقتصاد الدولي وعدم وجود تكاليف التنقل والرسوم الجمركية. وبالتالي ارتفع مؤشر أسعار المستهلك من 18.20 نقطة إلى 583.30 نقطة إلى 594.30 نقطة وبالتالي انعدام القدرة الشرائية للعملة الفنزويلية. إذا استمر هذا الوضع أكثر من ذلك فهل ستكون فنزويلا بصدد ثورة شعبية جديدة؟!

قد تكون الإجابة في كلمات تشافيز حين قال: «أي طبقة جديدة تستولي على السلطة إن لم تتمكن من صياغة نظامها الجديد فهي عرضة للإسقاط من قبل الثورة المضادة التي ستقودها الطبقة المهزومة. وبالتالي فإن الخطوة الأولى لإسقاط أي نظام هي مغادرة دوائر وعيه، عندها سنتمكن بسهولة من الحكم على الديكتاتور» وبذلك قد عادت فنزويلا إلى الكوخ الطيني من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد