تقع دولة فنزويلا في شمال أمريكا الجنوبية، ويحدها الكاريبي والأطلنطي، واستقلت عن إسبانيا في عام 1811. يمثل البترول 80% من صادراتها، وبها تقع أكبر احتياطيات البترول على كوكب الأرض. وفقًا لبعض الخبراء يمكن لها أن تظل تُصدّر الخام بنفس المعدل طيلة 300 سنة قادمة بنفس الكفاءة. وبالرغم من كل هذه الاحتياطات الضخمة نجد أن كل الأخبار القادمة من هناك محزنة ومفزعة للغاية، وتدل على تدهور غير مسبوقٍ في الأحوال المعيشية لسكان هذا البلد الذي يقترب من 30 مليون نسمة. أجمعت كل التقارير على وجود نقصٍ حادٍ في الأدوية والغذاء وأيضًا في المحروقات، كذلك زادت نسبة وفيات الأطفال بمعدل 30%، وكذلك زاد معدل وفيات الحوامل بمعدل 65%، وانتشرت أمراض مثل الملاريا والدفتريا وفيروس الزيكا، وفقد الكثيرين من السكان ما بين 6 إلى 8 كيلو جرامات من أوزانهم نتيجة الفقر والتقشف. الإحصاءات السابقة تمثل محتوى تقرير الصحة العامة الذي أفصحت عنه أنطونيتا كابورالى، وزيرة الصحة السابقة في حكومة الاشتراكي نيكولاس مادورو، والتي تمت إقالتها بعد ثلاثة أيام من نشر التقرير الذي كان يُعَلن بشكلٍ أسبوعي منذ عام 1938، ولكن توقف الإعلان عنه منذ وصول مادورو للسلطة. أمام هذه الأزمة الحادة لم يجد مادورو سوى طلب المساعدة من الأمم المتحدة في مارس (آذار) الماضي، ولكن على حد قول النائب البرلماني المعارض خوسيه مانويل أوليبارس أن هذا الاعتراف جاء متأخرًا بعد موتِ الكثيرين.

كيف يمكن لنا أن نتفهم أزمة طاحنة، مثل تلك التي شرحناها سابقًا في بلدٍ به هذا الكمّ الضخم من المخزون النفطيّ، كيف لبلد سيمون بوليفار محرر أمريكا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، وكذلك البلد التى احتكرت نساؤه لقب ملكات جمال العالم لسنواتٍ عديدة أن ترزح تحت براثن دكتاتورية مقيتة يحميها جيش أقسم بالولاء لديكتاتور كان في الأصل سائق شاحنة، ولم يتم تعليمه الجامعي، وفقط بفضل منصب نقابي ساهم من خلاله فى الإفراج عن هوغو تشافيز من السجن جراء محاولة انقلابية قام بها الأخير ضد الرئيس أندريس بيريز فى عام 1992 قام الأخير بتعيينه نائبًا له وأوصى الشعب الفنزويلّي بانتخابه أثناء فترة مرضه بالسرطان، ويظل فوزه في انتخابات عام 2013 بنسبة 50.6% ضد مرشح طاولة الوحدة الديموقراطية  إنريكي كابريليس أمرًا محل جدل. يمكن الإجابة على هذه التساؤلات من خلال التحليلات التي يقدمها المفكر الفنزويلي البارز موسى نعيم مؤلف كتاب نهاية القوة، ورئيس تحرير دورية فورين بوليسي، منذ عام 1996، وحتى عام 2010، والذي يعزو هذا التدهور غير المسبوق في كل شيء في فنزويلا إلى ثلاثة أسباب، وهي:

التحالف مع نظام فيدل كاسترو في كوبا وامتداده ممثلًا في أخيه راؤول كاسترو، فلقد كانت كاراكاس عاصمة فنزويلا هي المحطة الخارجية الأولى لفيدل كاسترو بعد هزيمته لقوات فولجنسيو باتيستا، ودخوله إلى هافانا منتصرًا، ومن يومها ظلّ كاسترو يتحين الفرصة كي ينال نصيبًا من بترول فنزويلا، خاصةً بعد مناصبته العداء للولايات المتحدة منذ أتته الفرصة عند تولي الرئيس هوجو تشافيز مقاليد الأمور في فنزويلا في عام 1999، ودعوته لاشتراكية القرن الواحد والعشرين، ومن يومها تقوم فنزويلا بتزويد كوبا بـ 100,000 برميل بترول يوميًا يكفي 60% من احتياجات كوبا. انخفض هذا الرقم بنسبة 20% بسبب الأزمة التي تمر بها فنزويلا مؤخرًا علاوةً على انفتاح الرئيس راؤول كاسترو على الولايات المتحدة الأمريكية. هذه المساعدات السخيّة كانت في مقابل إرسال النظام الكوبيّ لـ 132 ألف طبيب للعمل في فنزويلا، ولكن وفقًا للكاتبة كريستينا ماركانو مؤلفة كتاب هوجو شافيز بدون الزى العسكري، فقد تطور الأمر من مساعدات متبادلة إلى تدخلٍ وهيمنةٍ كوبية على مقاليد الأمور في فنزويلا، حيث ذكرت أن هناك 100 ألف كوبيّ يعملون في قوّات الأمن الفنزويلية والمطارات والقواعد العسكرية منهم 3700 فرد في جهاز الاستخبارات الفنزويلي، وذلك من أجل ضمان المساعدات البترولية. يرجع المفكر موسى نعيم قدرة نظام مادورو في السيطرة على الاضطرابات الواسعة التي شملت معظم أرجاء البلاد مؤخرًا إلى الخبرة الكوبية في القمع طيلة نصف قرن التي تمد بها فنزويلا.

وجود أوليجاركية تشافيزية كونت شبكة مصالح ضخمة تتاجر الآن في الغذاء والأدوية الشحيحة على الشعب، وكذلك غسيل الأموال والمخدرات، وأبرز شخصية في هذا الصدد هو نائب الرئيس طارق العصاميّ، وهو من أصل سوريّ، والذي اتهمته أمريكا مؤخرًا بالضلوع في تجارة المخدرات.

لا يمكن فهم موقف الجيش الوطنيّ المؤيد للقمع الذي يمارسه نيكولاس مادورو سوى من خلال الخبرة الكوبيّة التي تم تصديرها من كوبا حيث تم إقصاء كل القادة الرافضين للأيديولوجية التشافيزية في مقابل عمليات إثراء للموالين.

وبالتالي وفقًا لموسى نعيم فإن رحيل مادورو عن السلطة سيكون غير كافٍ، حيث يجب التخلص أو على الأقل تحييد القوى الثلاثة المهيمنة على مقاليد الأمور، كي ينجو هذا البلد الغنيّ الذي أفقره الكلام الكبير الذى ابتدعه تشافيز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد