ألم يحوّل المغني مايكل جاكسون جلده رغبة في السيادة؟

لقد نقشت مظاهر العنصرية الكثيرة بين الجنس الأبيض والأجناس الأخرى، ولقوة الشقر، تم إخضاع الباقي تحت أقدامهم، فجعلوا من السود عبيدا، ومن الصفر حكماء، بينما أكسبوا السُمر أوهامًا ترددت بداخلهم بشكل قاسي للغاية، وهي الحالة الرهيبة بكافة المعايير، فإن تنتمي للجنس الأبيض فأنت السيّد، وأن تنتمي للجنس الأسود فأنت العبد، وأن تكون أسمرًا أنت بينهما، رافضًا للعبودية غير مقبول لدى السادة. طيلة حياتي وأنا أعيش معتقدًا بأن الجنس الأبيض الأشقر هو حامل فيروس العنصرية (le racisme) البغيضة، ولطالما حملت بين أفكاري وذكرياتي مشاهد الغضب الأبيض عبر ما تبقى في الذاكرة العالمية من مجازر في حق السُمر أو الجنس الأسود، وكم نبذتُ هذه الأفعال، إذ إنها تعبر عن وحشية البشر دون تفسير. ومع ذلك، وبالرغم من حضور الديانات على اختلافها ومناداتها بالسلام الداخلي والخارجي، ورغم سيادة الأفكار، الفلسفات والثقافات، لازلنا نغوص حتى الركب في ما يسمى: العنصرية، نحمل بين أفئدتها كبشر الرغبة في الإقصاء، حب السيطرة والتلذذ بالتفوق أو التميُّز، على حساب الآخر (الغير) طبعًا.

العنصرية هي العصبية المدمرة التي أشار إليها ابن خلدون في كتابه الشهير، وعلى الرغم من سلبياتها التي تستحضر الإقصاء كمقدمة للتهميش وبذر بذور الكراهية بين فئات المجتمع، إلا أن عبد الرحمن رأى فيها المحرك الذي يصنع الحضارة ويذود عنها، كونها تؤجج حب الأرض وتنمي شغف التفوق لدى جماعة بعينها، لتدفعها نحو الابتعاد عن الاندثار والعمل بجد من أجل تثبيت ملكهم بشكل اضطراري، لكنها وعبر الكثير من المواقع، تبقى العنصرية الفردية إن جاز لنا الأخذ بهذا المصطلح أكثر تدميرًا للذات على المستوى النفسي؛ لأنها تبعث في الروح الفردانية الغرور الذي يلازم تصوراتها بشكل يغرق بين إعمال القوى في مساحة صناعة التمدد الذاتي الرهيب، طمعًا في ردّ الأذى، وأملًا في بناء القدوة عبر الوصول إلى المُشار إليه.

كما أسلفنا آنفًا، ظلم التاريخ الجنس الأسمر بشكل رهيب، جعله بلا انتماء، بدون تصنيف في عالم مرتب بشكل دقيق، يرفض كل غير مصنف أو بلا مكان، يقصيه ويعبث بمشاعره وأحاسيسه لدرجة التيه والضياع، فإن كنتَ أسمر، فأنت أبيض بين السود وأسود بين البيض، مرفوض من السواد والبياض بشكل عبثي لا جدال فيه.

في البدء كانت الزرقة، السماء والبحار، كلاهما أزرق، ومنه اعتنقت العيون الزرقاء الجمال، فالطيور الجميلة سكنت السماء، الأسماك الجميلة سكنت البحار والعيون الزرقاء الجميلة سكنت القلوب، من النادر أن تجد سمراء بعيون زرقاء، وإن وجدت ستكون عيونها تأشيرتها التي لا تُرد نحو أبواب السيادة، فهذه الأخيرة آخر قمم طموحات البشر، تعلو على الجميع، والقليل من الأفراد من يتشبع بما ينتج عنها من نتائج أو يتمكن من هضم مضامينها.

جلّ القصص الطريفة عبر العصور سردت كيف كانت الشقراء تعتلي منصات الشرف، بينما تجثوا الخادمات من سمر وسود عند أكعاب صاحبة الجلالة، كل قواميس الأرض تسرد على أرواحنا كيف ساد الجمال الأبيض على بقية الأجناس، مسببا لهم الكثير من اللغط والضوضاء.

ربما الجمال أبيض البشرة، أشقر الشعر وأزرق العيون، لكنه يبقى غير مكتمل الأركان بلا نقاء الروح، صحيح، نحن نعيش في عالم لا يخضع سوى لهذه المعايير، حتى الأجناس الأخرى صدقت هذه النظريات الواهمة، من سيادة الجنس الآري وتخلف غيره، ومع ذلك تجربتي القصيرة في الحياة، علمتني بأن هذه المزاعم قد تغلغلت في أرواح السمر قبل غيرهم، فالسمراء تبقى متلحفة بالظلم والمظلومية، ومهما بسطت الحياة لها السعادة كزرابي المساجد، تبقى ناقصة من الداخل، غير مكتملة الأركان، على الدوام تتذكر بأنها ليست سيدة، ولن تكون؛ لأنها ترى في المرآة لونها الأسمر، المختلف عن البياض.

فينوس هي الجسر الرابط بين الأجناس، هي الموجودة عند السمراء، الشقراء والسوداء وغيرهن، لكنها تختفي عند بعضهن، وتتضح بشكل ملفت لدى الأخريات، صحيح أن شبكات المعلومات أظهرت جلّ ما هو مستور في عالمنا، لكن السمراء بقيت تعاني بين الأحمر لدى الشقراء والوردي لدى السوداء، لتضيع السمراء بينهما، وتضطرب مستكينة لقدرها التائه، هذا التيه هو ما شجع على ظهور العنصرية بين البشر، وهو من يرعاها حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد