الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد. تعاني أمتنا اليوم حربين ضروسين، تستهدف الأولى عقيدتها وأفكارها ومقدساتها بالشبهات، وتستهدف الثانية حياة أبنائها، وكان لزامًا أن يقف أهل العلم وطلبته من حرب الشبهات موقفًا صارمًا وأن يفندوها بما يغيظ أولئك الأعداء “بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ”، كما هو واجب عليهم أن يقفوا للحرب الأخرى بإقامة الدعوة إلى مواجهة الأعداء، والدفاع عن الأعراض والأنفس والأموال.

ومنذ أيام، قرأت تلك الإجابة (ما فوق الخط) لأحد الشباب على موقع ASK.FM
سؤال: انت ليش ما بتامن انو عيسى ما رح ينزل.. هو اصلا يلي رح ينزل يقتل مسيح الدجال‏

فأجاب: ولماذا أؤمن بعقيدة لم يذكرها الله في كتابه من بعيد ولا من قـريب؟ ولماذا أؤمن أن الله ذكر لنا تفاصيل قصة سيدنا عيسى كاملة وأخبرنا خبره في الدنيا والآخرة ثم أغفل تمامًا ذكر أنه ينزل ثانية ويقـتل هذا المزعـوم، إلى أن جاء المحدّثون فزعموا ذلك؟ ثم من ذلك الدجال أصلًا؟ ومن أي الأديان جاءتـنا هذه العقيدة؟

ومن أدخلها على حديث رسول الله، مع أنها لا وجود لها في كتاب الله لا من قريب ولا من بعيد؟ ومن هذا الدجال الذي يزعمون أن الله يرسل على يديه المعجزات العظيمة الباهرة من أجل أن يكفر الناس ويضلوا؟

ومنذ متى كان الله معينًا للكافرين والكذابين والدجالين بالآيات الباهرات والمعجزات؟ ثم لماذا مرة أخرى أغـفل الله ذكر مثـل ذلك الأمر الجلل – إن كان حقا – في كتابه، وهو سبحانه القائل: {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون}، وهو القائل: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}، وهو القائل:

{هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين}؟

فهل أكذب هذه الآيات جميعًا، وأذهب لأصدق أن الله ما أنزل لنا ذكرنا في الكتاب كاملًا وإنما أهمل بعض مسائل الإيمان والاعتقاد المذكورة، وجاء المحدّثون ليستدركوها على الله، ويكملوا بها ديننا الناقص واعتقادنا وإيماننا الذي لا يكفي في بيانه كتاب الله ويعجز فيه عن إكمال دين الناس؟

ثم إذا كان الرب قد أهمل ذكر ذلك المعتقد المزعـوم في كتابه، فإما أنه ليس بحق وإما أنه غـير مهم أن يعتقد به المرء، وكلا السببين مدعـاة لترك الانشغال بمثـل هذا الاعـتقاد. ويكفيني قول الله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}، فأنا أصون نفسي أن أردّ على الله قوله، فأذهب لأؤمن بشيء بعد حديثه سبحانه وتعالى وآياته.” انتهى كلامه.

وبالطبع كانت إجابتي المباشرة وقتها عندما عرضت على أن خبر الواحد الثابت برواية العدل، حجة في العقائد بإجماع أئمة أهل السنة والجماعة كما نقل ابن عبدالبر حيث قال:

“وكلهم يروي خبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا وحكمًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة. انتهى”.

وقال ابن تيمية معلقًا على هذا الإجماع الذي نقله ابن عبد البر: “هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الاعتقادات يؤيد قول من يقول: إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علمًا ولا عملًا كيف يجعل شرعًا ودينًا يوالي عليه ويعادي؟ انتهى.
لكن أمثال أولئك الشباب (كصاحب تلك الإجابة) لا يعتدون بحجة كالإجماع لما عُرِف عنهم من استهزاء وتهكم على علماء المسلمين وأئمتهم ووصفهم لهم بالجهل والتخلف، ويقولون حسبنا القرآن كما نفهمه بعقولنا. لذا قررت أن أثبت حجية خبر الواحد في العقائد وغيرها بتلك الطريقة التي يعرفون، وهي المنطق كما أقره القرآن.

 

(1) ما هي أحاديث الآحاد؟

حديث الآحاد هو: “ما لم يبلغ حدَ التواتر”، وحد التواتر هو (أن يروي الخبر الذي يعتمد على الحس “كقولهم سمعنا أو رأينا ونحو ذلك وليس ما يفهم بالعقل أو الظن”؛ جمعٌ يستحيل اجتماعهم على الكذب، عن جمعٍ يستحيل اجتماعهم على الكذب، وهكذا في جميع طبقات سنده)، وعليه فإن أغلب ما وردنا من الأحاديث: آحاد، وقليل منها هو المتواتر.
وقد يظن غير المتخصص خطأً أن حديث الآحاد هو ما رواه فرد عن فرد فقط، بل إنه يشمل كل ما لم يبلغ حد التواتر لذا نوهت على ذلك.

(2) ما الذي يميز المتواتر عن الآحاد؟

ميزة التواتر هي اليقين، فلا يعقل أن يكون ما نُقل بالتواتر كذبًا أو ظنًا أو خطأً، وهذا اليقين يجعل المنقول بالتواتر (علمًا قطعيًا) لا يجوز إنكاره، ومنكره يكفر.

لكن ذلك لا يقدح في الآحاد، حيث أن الآحاد يفيد الظن، والظن له قاعدة في التعامل، وليس كما يظن البعض أن الظن حقه أن يترك كله!

(3) ما هي القاعدة في التعامل مع الرواية الظنية (الآحاد)؟

القاعدة هي ما تنص عليه نظرية التثبت والاحتياط، سميتها بذلك نسبة إلى دليلها وأهم جزء فيها وهو الاحتياط، وتفسيرها كالتالي:-

قال الله – عز وجل – في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”، وفي قراءة “فتثبتوا”.

والآية نزلت كما أورد الطبري عن أم سلمة،

قالت: “بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون، قال: فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا، فسررنا بذلك، وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذن بصلاة العصر، قال: ونزلت “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”.

وبذلك تنص الآية – كما يفهم من سبب نزولها – على أنه كان لابد لرسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يتعامل مع الخبر (النبأ، أو الحديث) بمنطق التثبت والاحتياط وليس على أنه يقين حتى يتم إثباته أو نفيه، وهذا يحيلنا إلى الظن واحتمالاته المنطقية.
ومبدأ التثبت والاحتياط الذي نقصده يضع ست صور للخبر ويضع معها ست آليات للتعامل:

1. أن يكون الخبر عن فعل مضارع لا زال يحدث، والراوي (ثقة أو غير ثقة)، وهنا يكون التعامل بالتثبت والتأكد من الخبر حيث أن هذا ممكن، كأن يقول الراوي: “إن أرض فلان تحترق”، وهنا يمكننا أن نذهب ونشاهد ذلك بأعيننا، ولم نعول هنا على صدق الراوي أو كذبه لأن الأمر قابل للتحقق وهو أعلى من الصدق وأعلى من التواتر.

 

2. أن يكون الخبر عن فعل ماض حدث في وقت قريب، والراوي (ثقة أو غير ثقة)، وهنا يحتاج الخبر إلى شاهدٍ قد حضر الواقعة يؤكدها، أو قرينة تدل على صدق الخبر، كأن يقول الراوي “قد احترقت أرض فلان بالأمس”، وهنا يمكننا أن نسأله عن شاهد يؤكد صدقه فيما يدعيه، أو أن نذهب إلى مكان الاحتراق ونرى آثاره بأعيننا.

3. أن يكون الخبر عن فعل ماضٍ بعيد زالت آثاره، أو عن أمر مستقبل، أو عن تفسير، أو نحو ذلك مما ليس على الصورتين السابقتين، والراوي (ثقة) بلا شاهد أو قرينة، وهذا نعمل بما فيه، ونترك أمر صدقه أو كذبه إلى الله، لثقتنا بالراوي من باب الاحتياط حتى لا نترك ما هو واجب، ويكون العلم بما فيه علمًا ظنيًا.

4. أن يكون الخبر كما في الصورة الثالثة، ولكن الراوي (غير ثقة غير كذاب) ولا شاهد له ولا قرينة، وهذا نتركه لعدم ثقتنا براويه. حتى وإن كان في حقيقته صوابًا، إلا أن القاعدة لا تعرف الاستثناءات غير المبررة.

5. أن يكون الخبر كما في الصورة الثالثة، والراوي (غير ثقة غير كذاب)، لكن معه شاهدًا، أو قرينة على صدقه، وهذا نوثقه توثيقًا أضعف من توثيقنا للصورة الثالثة.

6. أن يكون الخبر كما في الصورة الثالثة، والراوي (كذاب)، وهذا متروك بإجماع، لما عرف عن راويه من الكذب. حتى وإن لم يك كاذبًا فيه في الحقيقة، إلا أن القاعدة لا تعرف الاستثناءات غير المبررة كما أسلفنا.

ومن تلك الصور تفهم – أخي القارئ – أن أحاديث الآحاد خمس درجات:

الدرجة الأولى: الصحيح قطعًا، وهو ما كان على الصورة الأولى أو الثانية.
الدرجة الثانية: الصحيح ظنًا، وهو ما كان على الصورة الثالثة.

الدرجة الثالثة: المتروك ظنًا، وهو ما كان على الصورة الرابعة.
الدرجة الرابعة: ما بين الصحيح الظني، والمتروك الظني، وهو ما كان على الصورة الخامسة.

الدرجة الخامسة: المتروك قطعًا، وهو ما كان على الصورة السادسة.

فلِمَ يشترطون التواتر إذًا في الحديث، إن كان في كتاب الله “المتواتر” ما يدل على التعامل مع حديث الآحاد؟!

هذا فضلًا عن عشرات الوقائع في السنة النبوية الصحيحة التى تؤكد على التعامل مع الآحاد، والإجماع على ذلك كما أوردنا في المقدمة عن ابن عبدالبر، إلا أن هذا المقام ليس مقام الاستطراد في ذلك، وآثرت فيه الاستدلال المنطقي على الاستدلالات الشرعية حيث أن تلك المقالة موجهة في الأساس إلى بعض من لا يؤمن بالسنة أو يرد أكثرها ولا يقتنعُ إلا بالمنطق والقرآن.

 

(4) من أين أتيت بطريقة التعامل مع الصورة الثالثة (الاحتياط)؟
قد يقول قائل: “إن كل الاحتمالات منطقية خلا الثالثة، فإنه لا يلزمنا تصديق الثقة بلا شاهد أو قرينة، اعتمادًا على ثقته وأن حسابه على الله في صدقه وكذبه”.

أقول: إن الآية تدل بمنطوقها على الصورة الرابعة والخامسة (إن جاء فاسق بنبأ فعليه القرينة أو الشاهد)، وبمفهومها على الصورة الثالثة (إن جاء ثقة بنبأ بلا قرينة أو دليل يقبل نبؤه من باب الاحتياط)، وبالعقل وبما جاء في سبب نزولها، على الصورتين الأولى والثانية، وبالعقل على الصورة السادسة، حيث أننا لم نكلف التثبت إلا في رواية الفاسق فيما يمكن التثبت منه.

 

فإن قال: “قد كانت الواقعة في رواية أحد الصحابة وليس بفاسق، فكيف تنزل فيه آية كتلك؟”
أقول: إن الآية تنص على قاعدة التعامل مع الأخبار بصورة عامة (بالصور السابقة كلها)، ولو نظرت إلى الواقعة لوجدت أن رواية الصحابي فيما فعله بنو المصطلق يمكن التثبت منها لأنها على الصورة الثانية (فعل ماضٍ يرويه ثقة ويمكن التثبت من آثاره) فلم تنزل الآية لتصف الصحابي بالفسق، ولكن لتؤسس قاعدة التعامل مع الأخبار بصفة عامة، وهذا من البديع في كتاب الله عز وجل أنه يذكر أشياءً كثيرة في كلمات قليلة.

 

(5) هل هناك أدلة على الاحتياط في الصورة الثالثة؟

الآية السابقة تدل بمفهومها على ذلك، كما أن في كتاب الله أدلة أخرى كقوله – تعالى – في سورة غافر: “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ”.

ووجه الاستدلال في الآية أن ذلك المؤمن استدل دلالة منطقية أمام قوم فرعون على مبدأ الاحتياط في التعامل مع موسى (وهو ثقة لديهم فلم يجربوا عليه كذبًا) فقال: “إِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ” أي ما عليكم إلا اتباعه، فإنه إن يك كاذبًا وصدقتموه، فسيحمل هو إثم الكذب أمام الله ولن يضركم ما توعدكم به من الكذب، أما إن كان صادقًا وكذبتموه فسوف يصيبكم ما أنذركم به من الآيات. وهو مبدأ الاحتياط الذي أشرنا اليه سابقًا.

فإن قال: “وكيف نأمن على ديننا ممن يدعون الورع وهم من أهل النفاق والكذب؟”
قلت: ختام الآية السابقة يؤكد على أن الله يحفظ دينه من أهل النفاق والكذب “إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” وكم من كذاب فضحه الله على رؤوس الأشهاد، وبينه أهل الحديث المتخصصون في ذلك وتركوا مروياته. وهذا مما تكفل به الله – عز وجل – فقال أيضًا: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ”.

فإن قال: “وكيف ترد على من يدعون النبوة – بعد النبى صلى الله عليه وآله وسلم – ويصدقهم بعض الناس بمنطق الاحتياط كمسيلمة من القدماء، وغيره ممن ادعوا النبوة في العصر الحديث؟”

قلت: قد قال مؤمن آل فرعون “وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” فأين ما جاؤوا به من البينات؟ بل إن الله قد فضحهم بما ادعوا أنه معجزات لهم، ثم إن الإيمان بالله – بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم – يستتبع الإيمان بأنه رسول الله الخاتم الذي لا نبي بعده كما جاء في قوله – تعالى -: “مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ” صلى الله عليه وآله وسلم.

(6) هل ما ذكرته من صور يصح استخدامها في العقائد والشرائع؟

بالطبع، فليس هناك فرق بين الشريعة والعقيدة من جهة الثبوت كما قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين – رحمة الله عليه – لما سُئل:

” إن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة، لأنها تفيد الظن، ولا تفيد اليقين. فما هو جوابكم على هذا؟”
قال:

جوابنا على من يرى أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة لأنها تفيد الظن والظن لا تبنى عليه العقيدة. أن نقول: هذا رأي غير صواب؛ لأنه مبني على غير صواب، وذلك من عدة وجوه:

1-القول بِأَن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صِدْقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول، مثل حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) فإنه خبر آحاد، ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.

2-أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل الآحاد بأصول العقيدة ـ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ـ وإرساله حُجَّة مُلْزِمة، كما بعث مُعَاذًا إلى اليمن، واعتبر بَعْثَه حُجَّةً مُلْزِمَةً لأهل اليمن بقبوله.

3-إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد، أمكن أن يُقال: والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد، لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله تعالى أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قُبل هذا القول تعطَل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رُدّ هذا القول فليردّ القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق كما بيّنا.

والحاصل: أن خبر الآحاد إذا دلت القرائن على صِدْقه أفاد العلمَ، وثبت به الأحكام العَملية والعِلمية، ولا دليل على التفريق بينهما، ومَنْ نَسَبَ إلى أحدٍ من الأئمِة التفريقَ بينهما فعليه إثباتُ ذلك بالسند الصحيح عنه. ثم بيان دليله المستَند إليه.

4- أن الله تعالى أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلًا فيما هو من أعظم مسائل العقيدة وهي الرسالة: فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) النحل/43، 44.” انتهى

قلت: إن خبر الواحد الذي بعث به النبي – صلى الله عليه وسلم – رسله وعماله كان العقيدة وغير ذلك الكثير، وقد ذكر إمامنا الشافعي – رضي الله عنه – في رسالته الكثير من الأدلة على ثبوت خبر الواحد والعمل به، ومنها:

“{واضرب لهم مثلا أصحابَ القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما، فَعَزَّزنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون. قالوا: ما أنتم إلا بشرٌ مثلُنا، وما أنزل الرحمن من شيءٍ. إن أنتم إلا تَكْذبون} فَظَاهَرَ الحُجَجَ عليهم باثنين، ثم ثالثٍ، وكذا أقام الحجةَ على الأمم بواحد، وليس الزيادة في التأكيدِ مانعةً أن تقوم الحجة بالواحد، إذ أعطاه ما يبايِنُ به الخلْق غيرَ النبيين”.

 

(7) وما هي صفة العدل الذي تقبل روايته؟

قلت: قد أوردها أيضًا الشافعي في الرسالة حيث قال:

“فقال لي قائل: حدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم، حتى يثبت عليهم خبر الخاصة.

فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي أو من انتهى به إليه دونه.
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا: منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدّث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إن حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بريا من أن يكون مدلسًا، يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي.

 

ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت.”
انتهى.
وأقول في ختام هذا البحث: إن خبر الواحد قد كتبت فيه كتب عديدة أثبت أصحابها حجيته في الشرائع والعقائد وغير ذلك من السير والتواريخ، فأسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه وأن يكون حجة لنا لا علينا، وأقر بأن ما فيه من فضل فإنما هو لله ولرسوله ولشيوخنا من علماء المسلمين، وأعتذر عما قد وقع فيه من أخطاء أو نسيان أو إطالة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

التمهيد لابن عبدالبر
تفسير القرآن للطبري
فتاوى العقيدة لابن عثيمين
الرسالة للشافعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد