قديمًا عندما كانت تستشكل آية من كتاب الله عند البعض، كانوا يُــسارعون إلى العلماء «الثقات» ليبينوها لهم ويُــدركوا حقيقتها؛ أما الآن وقد خالجت أفكارنا الشبهات المزيّفة من كل جانب، إعلاميًا، وفي مؤسسات التعليم غير المؤهلة، وفي الشوارع والطرقات… إلى آخره.

فقد لاحظنا في الآونة الأخيرة سيلًا عارمًا من الانتقاص من كتاب الله، ومحاولة (فاشلة) لإظهاره على غير هيئته العظيمة، ومن الواجب على كل مسلم أن يُــسارع إلى معرفة الحقيقة كما وجهه دينه ونبيه.

ونقف في هذا المقال مع ست آيات من كتاب الله تُـفهم خطأً عند البعض، وسنحاول إزالة هذا الإشكال بعون الله وقدرته.

الآية الأولى:

يقول الله تعإلى: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)

يتساءل البعض: لماذا أصدر الله حكمًا يظلم النساء كهذا، مع أننا نرى بعض النساء محترمات بعيدات عن الكيد؟!

-الجواب: الكيد هو التدبير والتخطيط، ومنه قول الله تعإلى: «إن كيدي متين»، أي تدبيري قوي وشديد.

وقوله: (إن كيدكن عظيم)، ليس قول الله عز وجل وليس حكمًا إلهيا بأن كيد النساء عظيم.

وإنما هذا قول الشاهد أو قول العزيز لا قول الله عز وجل، إنما حكاه الله لنا عنهم لنعرفه، وهو تعبير من وجهة نظر القائل وقد يكون صحيحًا أو خاطئًا حسب الواقعة والحال.

وقد وردت عدة أحاديث نبوية شريفة تدل بكل وضوح على تكريم المرأة في الإسلام ومنها:

قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم).

فالإسلام الذي أعطى المرأة هذه الحقوق، وجعل لها هذه الكرامة بعيد كل البعد عن تسفيهها أو الانتقاص من قدرها!

الآية الثانية:

يقول الله تعإلى: (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) «النساء».

يتساءل البعض:

هل يطلب الله منا أن نكون سيئي الأخلاق؟

كيف يحب الله الجهر بالسوء؟!

-الجواب:

يجب أن نعلم أن من أعظم مقاصد الإسلام «الحثُ والحضُ على مكارم الأخلاق» . حتى لقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم الغرض العام من مبعثِه فقال: «إنما بُــعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

إذا ما معنى الآية؟!

المعنى: الله لا يحب شيئين:

أولاً: أن تذكر الصفات السيئة التي في الآخرين.

ثانيا: أن تدعو على الآخرين.

إلا في حالة واحدة وهي: إذا ظُـــلمت أو اعتدى عليك إنسان مُــعين، في هذه الحالة مباح لك أن تدعو على هذا الإنسان السيئ وأن تَذكرَ صفاته السيئة التي ظلمك من خلالها.

والحكمة من هذا:

أولاً: لتبين للناس عورته، وليحذروا من سوئه أن يصيبهم.

ثانيًا: لأن في الدعاء تطييبُ لقلب من وقع عليه الضرر.

لكن يجب أن نعلم أن كل هذا في إطار «العدل» أي: لا يبغي المتضرر ولا يتعدى حدوده في الدعاء على من ظلمه أو يذكر صفاتًا مذمومة زيادة على التي فيه، لأن الله عز وجل لا يُــحب الإنسان البذيء الفاحش.

الآية الثالثة:

يقول الله تعإلى: «الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..».

– القوامة في نظر الإسلام هي المسؤولية العامة التي جعلها وظيفة للرجل تكريمًا للمرأة، فهي إذًا درجة تكليف لا قهر.

فالرجل مسؤول عن رعاية أسرته مسؤولية تامة، فهو الذي عليه أعباء النفقة وأعباء الإدارة لهم، ووظيفة المرأة الأولى والمهمة هي تربية الأولاد تربية صالحة سليمة.

وقد يقارب هذا المعنى ما جاء في النصرانية في رسالة بولس إلى أهل أفسس (5_ 4،22): «الرجل هو رأس المرأة».

لكن في الإسلام الرجل ليس الرأس ولا القدم وإنما هو عضو كالأنثى دون تمييز، فكما أن دور الرجل مهم فكذلك دور المرأة أيضًا مهم.. فالرجل يمثل الذراع الأيمن في الجسد والمرأة تمثل الذراع الأيسر، وكلاهما يتحدان لخدمة البيت والمجتمع فيصنعون حياة مليئة بالحب والسعادة والصلاح.

الآية الرابعة:

يقول الله تعإلى: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ ».

يقول صاحب الفهم الشارد: إن محمد أُعـجِـب بزوجة متبناه «زيد بن حارثة» فطلقها منه وتزوجها، وأنه أخفى في نفسه عشقها.

-الجواب: إن زواج النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة إنما كان لحكمة تشريعية أرادها الإسلام لإبطال هذه العادة (عادة التبني) التي كانت تُــحرم على المتبني ما يحل للمتبنى ومنه الزواج بزوجته إن طلقها، ولو أراد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الزواج من زينب لأنها أعجب بها لكان قد تزوجها قبل زيد بن حارثة إذ إن زينب بنت جحش هي بنت عمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والنبي هو نفسه من زوجها لزيد، ولو كانت به رغبة فيها لاختارها لنفسه، فالأمر كله يدور على أن هذه هي إرادة الله ولا دخل للإرادة البشرية فيه.

والذي أخفاه النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفسه كما جاء في قوله (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)) ليس هو العشق لزينب والولع بها كما فهمت عقول الشاردين عن الصواب؛ وإنما هو إخفاء لخبر الله الذي أعلنه بأن زينب ستكون زوجًا له، لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس إنه تزوج زوجة ابنه بالتبني، ولو كان النبي مدعيًا لكتم هذه الآية «وتخشى الناس والله أحق…» التي تعاتبه على عدم تصريحه بأن زينب ستكون زوجه في المستقبل، وقد طلقها زيد للخلاف الواقع بينهما.

الآية الخامسة:

يقول الله عز وجل في بدايات بعض سور القرآن: «الم»، «الر»، «كهيعص»، «حم»، «عسق».

يتساءل البعض: لماذا يعطينا الله تبارك وتعإلى كلمات لا نفهمها؟

-الجواب: الله عز وجل لا يعطينا ما لا نفهمه، وهذه الحروف المُـقطعة لها دور عظيم في البيان القرآني وإظهار فصاحته.

فهذه الحروف تفيد (التنبيه) لما سيعقبه من تحدّ وبيان لمن يعرض عن القرآن.

فكأنه يقول: أيها العرب، يا أعلم الناس باللغة، يا أعلم الناس بالفصاحة، يا من تتباهون بالكلمة وتُقيمون بها الأسواق بيعًا وشراءً، أيها البلغاء: (ا ل م ، ا ل ر ، ح م ، ع س ق ، ك ه ي ع س ق ..) أليست هذه هي حروف اللغة العربية التي تتفاخرون بها وتؤلفون بها الأشعار والهجاء؟

لقد جاءكم كتاب من ربكم العظيم بهذه اللغة يتحدى العالمين أن يأتوا بمثله؛ بل بأقصر سورة من مثله!

يقول تعإلى: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ «.

قال القرطبي في تفسيره لقوله تعإلى: «فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا»: (قوله (فإن لم تفعلوا) يعني في ما مضى، (ولن تفعلوا) أي : لن تطيقوا ذلك فيما يأتي، وفيه إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها).

الآية السادسة:

قال تعإلى في سورة الضحى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ووجدك ضالا فهدى».

وقال في سورة النجم: «ما ضل صاحبكم وما غوى».

يتساءل البعض قائلا:

هل ضل رسول الله؟

وإذا لم يكن قد ضل فلماذا قال الله عنه ذلك؟

ولماذا قال في سورة الضحى «ووجدك ضالا فهدى» ولم يقل فهداك، هل هناك خطأ لغوي في القرآن؟

– الجواب، أولاً: لماذا قال في سورة الضحى «ووجدك ضالا فهدى» ولم يقل فهداك؟

هذا ليس خطأ لغويا؛ وإنما هو فصاحة وبلاغة؛ فحذف المفعول؛ وقال «ووجدك ضالا فهدى» ولم يقل فهداك،

لأن القرآن ليس مجرد كلام عربي؛ بل هو أفصح الكلام. فعبّــر هكذا لغرض لطيف وهو: الإطلاق والعموم، ولكي لا يظن البعض أن الهداية منحصرة في النبي صلى الله عليه وسلم.

فالله عز وجل هدى النبي بالوحي وجعله هداية لكل من يريد من البشر. فقال «ووجدك ضالا فهدى» أي فهداك يا محمد وهدى خلقا كثيرا. وقال «فآوى» ولم يقل فآواك لأن الله آواه وآواي خلقا كثيرا. وقال «ووجدك عائلا فأغنى» ولم يقل فأغناك لأن الله أغناه وأغنى خلقا كثيرا.

ثانيا: ما معنى الضلال؟

لقد نفى الله سبحانه عن نبيه الانحراف نفيا قاطعا في تبليغه للرسالة فقال في سورة النجم: «ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى».

أما قوله تعإلى: «ووجدك ضالا فهدى».

فقد وردت كلمة «الضلال» بأكثر من معنى في القرآن الكريم:

1-وردت بمعنى النسيان، نحو قوله تعإلى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى».

2-وجاءت بمعنى الغفلة، نحو قوله سبحانه على لسان سيدنا موسى عليه السلام لفرعون: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ».

3-وجاءت بمعنى المحبة، نحو قوله تعإلى على لسان أولاد سيدنا يعقوب: «إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ «أي في حب ظاهر ليوسف، وهو المشار إليه في قوله تعإلى على لسانهم أيضًا: «قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ».

ويكون معنى «ووجدك ضالا فهدى» على الوجه الثالث: أي ووجدك محبًا للهداية فهداك إليها.

ويشهد لصحة هذا الوجه والتأويل ما يلي:

أولًا: ما صح من سيرة رسول الله قبل النبوة، وخلوته في غار حراء حبا في الوصول إلى الحق وطلبًا للهداية، حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي.

ثانيا: أن من أسماء المحبة عند العرب «الضلال»، ومن ذلك قول الشاعر العربي مُـعبرا عن حبه:

هذا الضلال أشاب مني المفرقا *** والعارضين ولم أكن متحققا

عجبا لعزة في اختيار قطيعتي *** بعد الضلال فحبلـها قد أخلفا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آيـات, خطأ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد