كثيرًا ما نسمع بعض الناس يسألون “ما هي هوايتك؟”، ومن الطبيعي أن تختلف الإجابة عن هذا السؤال من شخص لآخر، فمنهم من يقول أن هوايته الصيد، ومنهم من يهوى السباحة، ومنهم من يفيد بأن هوايته الجري أو الرماية. لكن الغريب أن البعض يجيب قائلًا “وأنا هوايتي القراءة”.

إن القراءة ليست هواية بل هي من ضروريات الحياة كما الطعام والتنفس والصلاة وشرب الماء. فنحن نأكل وننام ونتنفس وغير ذلك من الأمور لا لأننا نحب ذلك أو نمارسه كهواية، وإنما لأنها أمور ضرورية في حياة كل منا. هل يمكن أن يقول أحد “هوايتي شرب الماء” أو “وأنا أهوى النوم”!

وعلى هذا فالقراءة هي الأخرى أمر ضروري لكل منا، وليس المقصود أية قراءة، وإنما القراءات المُفيدة التي تُثري الإبداع وتعمل على توسيع مدارك العقل وتتخللها المعلومات الهامة والمُفيدة.

قارئُ اليوم قائد الغد

أول ما ينصح به القراء في الكتب هو قراءة القرآن الكريم وكتب التفسير الخاصة به، فأول خطوة تخطوها في عالم الكُتب والقراءة هي أن تعرف دينك وأن تقرأ كتابه، وكان الشيخ مُحمد عبده يرى أن في القرآن الكريم مقصدًا أسبق وغرضًا أبعد من جميع الأغراض الأخرى سواء كانت هذه الأغراض دينية تشريعية أم علمية أم دنيوية. ذلك المقصد الأسبق والغرض الأبعد هو النظر في القرآن من حيثُ كونه كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم، فهو الكتاب الذي أخلد العربية وحمى كيانها وخلد معها فصار فخرها وزينة تراثها.

وقد أظهرت أبحاث أجريت في عام 2009 في معهد علوم العقل في جامعة ساسكس الدولية أن القراءة هي أكثر الطرق فاعلية في التغلب على القلق والتوتر متفوقة على الاستماع للموسيقى القديمة أو شرب الشاي أو القهوة وحتى المشي والتحدث إلى الآخرين، وأشارت الدراسة أيضًا إلى أن القراءة يمكنها تقليل مستوى التوتر والقلق خلال أول 6 دقائق فقط وأن التوتر يتلاشى مع كل تقليب للصفحة يقوم به القارئ.

إذ يقول الباحث الذي خلص إلى هذه النتيجة ديفيد لويس “لا يهم حقًا نوع الكتاب الذي تقرأه، فما أن تفقد نفسك في عالم الكتب يمكن لعقلك الهروب من الهموم والضغوط التي تحيط بعالمك وفوق كل هذا تملك فرصة الغوص في خيال الكاتب وعالمه”.

كذلك ظهرت دراسة نُشرت في مجلة “بلس وان” تفيد بأن الإبحار في عالم الكلمات والخيال يزيد من قدرة المرء على التعاطف مع الآخرين في المجتمع، فقد قام علماء هولنديون بعمل اختبارين أشارا إلى أن الأشخاص الهائمين في القراءة أقدر على التعاطف مع محيطهم من غيرهم. في التجربتين كان الباحثون قادرون على لمس التغير الذي شاب القراء الذين يغوصون في عالم قراءتهم، فقد عُرضت على شريحتين قصص خيالية من قصص آرثر كونان دويل أو خوسيه ساراماغو وتبين أن هؤلاء الذين يندمجون في القصة أو إن صح التعبير هؤلاء الذين استطاعوا أن يعيشوا عالم القصة كانوا أقدر على التعاطف مع مواقف عرضت عليهم من هؤلاء الذين كانوا يقرأون دون أن يسمحوا لأنفسهم العيش وتخيل وقائع القصة كأنها تحدث معهم.

آيات شيطانية

الغريب في الأمر أن القراءة أصبحت عند الكثيرين مجرد ظاهرة للسلع الرائجة التي لا تقدم ما يفيد، وأخذ عدد كبير من القراء بالانحراف عن الهدف الحقيقي للقراءة والاتجاه إلى ما يُلفت الأنظار أو يُحدِث ضجة في الأسواق وعلى هذا انتشرت جملة “السوق/الناس عاوز/ة كده” على الألسنة بشكل ملحوظ. وعلّق كثير من الكُتّاب العالميين على هذه النقطة أشهرهم أورهان باموق حين قال “الكتابة من أجل متعة القراءة فقط تترك القارئ في بحر مفتوح بدون بوصلة”.
الأمر ليس مُستحدثًا وإنما بدأ منذ سنوات، ولعل أكبر مثال على ذلك تلك الضجة التي حدثت في نهاية الثمانينيات، والتي لولاها لما بيعت أو ذِيع صيت رواية “آيات شيطانية” للكاتب البريطاني من أصل هندي “سلمان رشدي”.

صدرت الرواية لأول مرة في سبتمبر 1988 بمدينة لندن، بعدها بأيام مُنع رشدي من دخول الهند وكذلك تم سحب الرواية من دور بيع الكتب وإيقاف طباعتها بالهند. كانت الهند لها السبق في ذلك، تلتها جنوب أفريقيا ثم توالت الأحداث وتزايدت الاحتجاجات مما أدى إلى منع طباعة الرواية ومنع كاتبها هو الآخر من دخول عدة بلدان، وحتى الأحاديث التليفزيونية حول الرواية وكل ما يتعلق بها تم منعها بأكثر من دولة. واشتد الأمر حين خرجت المظاهرات بأهم مدن العالم مثل طهران ولندن وإسطنبول تنديدًا للرواية ورفضًا لما جاء فيها من إساءة للنبي – صلّى اللهُ عليه وسلم – وصحابته – رضوان الله عليهم أجمعين – وكتابة الافتراءات وإلحاق التهم بعدة فئات بعينها كالمسلمين والزنوج.

إثر ذلك تلقت دور النشر العديد من التهديدات وأُحرقت الكثير من المكتبات لوقف طباعة الرواية وسحبها من الأسواق ودور بيع الكتب. وفي الرابع عشر من فبراير 1989 صدرت فتوى بهدر دماء سلمان رشدي على لسان آية الله الخميني الذي طالب بإعدامه وإيقاف صدور الرواية، وتجددت الفتوى عام 2007 من السلطة الإيرانية مؤكدة أن الفتوى لا زالت سارية.

بعد كل تلك الأحداث الجامحة، وأهمها هدر دماء رشدي وفشل محاولة اغتياله في أغسطس 1989 – مما أفزعه وجعله يختفي عن الأنظار وينعزل عن العالم لأكثر من 10 سنوات – ازدادت مبيعات الرواية بشدة، لا لروعتها أو لكونها تحفة أدبية مثلًا وإنما لما أحدثت من ضجة وأطلقت من ألسنة كسرت بها أسوار الصمت بالعالم أجمع.

قامت الرواية على فكرة التناسخ وتقمص الأرواح حيث تبدأ بمحاولة إرهابية لجماعات متطرفة لتفجير طائرة لا ينجو منها سوى ممثلان من أصل هندي، يتغير كل منهما أثناء السقوط فيتحول أحدهما وهو صلاح الدين شمشا إلى ما يشبه الشيطان، ويتحول الآخر وهو جبرائيل فريشتا إلى ما هو أشبه بالملاك. لكن الرواية عالجت الفكرة بأسلوب ضعيف واعتمد الكاتب على المبالغة في استخدام الألفاظ البذيئة ووصف العديد من المشاهد الجنسية الصريحة واتبع هذيان الأوراق. وعلى الرغم من ذلك تم تكريم سلمان رشدي وحصل عن روايته هذه على جائزة الأدب البريطانية سنة 1988 وكذلك منحته الملكة لقب فارس في يونيو 2007.

القراءة سلاح ذو حدين

كذلك نجد ظاهرة “إدمان القراءة” وهي الأخطر، فأسلم الطرق لافتقاد كل فكر أصيل نابع من الذهن، هو أن يتناول الإنسان كتابًا كلما وجد نفسه بلا شيء يفعله، لأن هذا الضرب من الإدمان الذهني هو السبب في أن الكثيرين يصبحون أكثر سخفًا مما جبلوا عليه.

حتى صاحب أعظم العقول يعجز عن التفكير لنفسه في كل وقت، وهنا يحسن أن يقضي وقته في الاطلاع، إلا أنه لا يجب أن يفرط في القراءة حتى لا يعود ذهنه على البديل ويألف السير على الدرب المطروق ويغترب عن ذاته. يجب الاحتراز من انسحاب البصر عن عالم الواقع والغرق في عالم الكتب.
ولا شك أن متعة القراءة شيء مهم، لكن ما تقوله الفقرة بنفس أهمية كيف تبدو الفقرة، وعلى هذا فلا تنسَق وراء المتعة في القراءة فقط أو تلتفت للضجة وصخب الشهرة، بل اجعل هدفك الأول عند قراءة كتاب أو رواية الاستفادة ولو بإثراء اللغة والأدب أو إعلاء سقف أفكارك وتطلعاتك. وليكن هدفك العلم لا القراءة فقط وتذكر دائمًا قول مصطفى محمود “لن تكون متدينًا إلا بالعلم، فالله لا يُعبد بالجهل”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد