لم تفوّت روسيا فرصة تحويل المساعدات الإنسانية إلى ملف سياسي تفاوضي بينها وبين القوى الأخرى المنتشرة على الخارطة السورية، بالرغم من أنّ هذا السلوك غير غريب على روسيا التي حاصرت مئات البلدات السورية، إلا أنّه يبقى محل استغراب لدى الكثير، لا سيما في وقتنا هذا الذي ترتفع به الأصوات المطالبة بالالتزام بميثاق حقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي.

بدأت المساعي الروسية الرامية إلى تقويض المساعدات الإنسانية، في 10 يناير (كانون الثاني) 2020، ففي حين كانت المساعدات الإنسانية تتدخل عبر معابر، باب الهوى، وباب السلامة، واليعرُبية، ونصيب وفقًا للقرار 2165 (2014) اقترحت روسيا أن يقتصر الأمر على معبرين وهما: باب السلامة، وباب الهوى الوقعين على الحدود السورية التركية في مدينتي حلب وإدلب آخر معاقل المعارضة السورية، وعلى هذا الأساس أقر مجلس الأمن القرار رقم 2504 (2020).

في يوليو (تموز) 2020 تصاعدت التهديدات الروسية برفع حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن فيما يخصّ استمرار إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، حيث طالبت بتخفيض عدد المعابر التي تدخل من خلالها المساعدات إلى السوريين المتضررين من الحرب التي فرضها النظام السوري على شعبه.

وما إن انقضت المدة الزمنية التي تتيح إدخال تلك المساعدات عبر المعبرين، طالبت روسيا بإغلاق معبر باب السلامة والإبقاء على معبر واحد فقط «باب الهوى» إضافةً إلى تخفيض المدة الزمنية من سنة إلى ستة أشهر، وهذا ما رفضته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، ولكن الفيتو الروسي الصيني المشترك حال دون تمديد القرار.

بدورها قدمت روسيا مشروع إلى مجلس الأمن لتمديد المساعدات الإنسانية وفقًا لرؤيتها أي ستة أشهر، وبمعبر واحد فقط، ولكن دون أن يمر، وبهذا عاش مجلس الأمن في النصف الثاني من عام 2020 حربًا دبلوماسية كان الخاسر الوحيد فيها هو الشعب السوري.

ووسط هذه التباينات اتفقت دول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن (P5) على حل مرضٍ للجميع بحيث تدخل المساعدات عبر معبر واحد، ولكن لمدة سنة، وعلى هذا الأساس أقر مجلس الأمن القرار رقم 2533 (2020) بشق الأنفس، والذي بقي محل شك كبير حول إمكانية تمديده، لا سيما بعدما تحقق مبتغى روسيا من إغلاق ثلاثة معابر؛ ما يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التفاوض على استمرار استخدام المعبر مقابل تنازلات أمريكية تركية بشأن سوريا، أو في مجالات سياسية أخرى.

أستانا 16 ماذا تريد روسيا من تركيا؟

في 7 يوليو 2021 عقدت الجولة السادسة عشر من مفاوضات آستانة المسار الذي ترعاه أطراف تمتلك نفوذ عسكري على الأراضي السورية وهي: روسيا، وإيران، وتركيا وبحضور وفدي المعارضة والنظام السوري.

وذلك على ضوء قرب انعقاد جلسة مجلس الأمن فيما يخص ملف المساعدات الإنسانية إلى سوريا، تأتي روسيا إلى هذه الجولة حاملةً معها عددًا من المطالب إلى الجانب التركي الداعم الرئيس والأخير لقوات المعارضة السورية، أبرزها الخط التجاري الذي يصل مدينة حلب باللاذقية (M4) مقابل تمديد إدخال المساعدات الإنسانية.

تُعول روسيا في مطلبها هذا على البروتوكول الموقع بينها وبين الجانب التركي في 5 مارس (أذار) 2020، والذي نصّت مادته الثانية على ضرورة افتتاح هذا الخط بتنسيق تركي – روسي.

تركيا لم تلتزم بتطبيق مادة البروتوكول لأنّها تعتبر ذلك بمثابة اختراق روسي للمناطق التي تسيطر عليها هذا ما عدا رغبتها في إبقاء الحصار الدولي المفروض على النظام السوري، وعدم منح روسيا امتيازات أخرى في مدينة إدلب.

ولكن في الوضع الراهن الذي تعيشه مناطق المعارضة السورية، وسط تلويح الجانب الروسي مرارًا وتكرارًا بشن هجمات عسكرية على مدينة إدلب، لا تجد تركيا خيارات كثيرة، إلا القبول بهذا الطلب.

قمة بايدن-بوتين المساعدات مقابل رفع العقوبات

في 16 يونيو (حزيران) 2021، التقى الرئيس الأمريكي جو بايدن بنظيره الروسي بوتين في أول لقاء يجمعهما بعد وصول الإدارة الديمقراطية الأمريكية الجديدة إلى سدة الحكم، حيث ناقشَ الطرفان مجموعة من القضايا، كان أبرزها الملف السوري إذ أكد الرئيس الأمريكي على ضرورة تمديد إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

ليس من عادة روسيا تقديم تنازل ما في أي ملف دون مقابل، لا سيما إن كان على رأس اهتماماتها ومصالحها الجيو-إستراتيجية كالملف السوري.

يبدو أنّ روسيا قد قبلت بتمديد المساعدات الإنسانية بشرط تقليص العقوبات على النظام السوري بموجب قانون قيصر (2019) كذلك عبر منح استثناءات للشركات الروسية التي كانت تعمل في منطقة النفوذ الأمريكي في سوريا شرق الفرات.

ترى روسيا في استثمار ملف المساعدات الإنسانية السبيل الوحيد لإقناع الإدارة الأمريكية بضرورة إعادة انتاج النظام السوري وتعويمه عربيًا ودوليًا، روسيا التي حاولت عبر قنواتها الدبلوماسية الدفع تجاه هذا المطلب، وجدت نفسها أخيرًا تساوم على إيصال المساعدات الإنسانية مقابل رفع أو تقليص حجم العقوبات على المتورطين بجرائم ضد الشعب السوري.

مساعدات عبر الحدود والخطوط – القرار الأممي 2585

نصّ القرار الأممي 2139 (2014) والذي أسسّ لقرارات الأمم المتحدة اللاحقة المتعلقة بالمساعدات الإنسانية، على الآليات الأولية لإدخال المساعدات، فأشارت المادة السادسة من القرار «على إيـصال المـساعدات الإنـسانية على نحو سريع وآمن ودون عوائق، بما في ذلـك عـبر خطـوط الـنزاع وعـبر الحـدود، مـن أجـل ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين من خلال أقصر الطرق».

اعتمدت الأمم المتحدة على وصول المساعدات عبر المعابر الحدودية كونها أقل كلفة من حيث المادة والوقت، ولكن روسيا بقيت خلال السنوات الماضية مصرة على التقليل من الاعتماد على هذه الآلية كونها لا تخدم النظام السوري، إذ إن هذه المساعدات تُعتبر خرق للسيادة الوطنية، لذلك ترى ضرورة مرور هذه المساعدات عبر حليفها، فأصرت على افتتاح معابر تجارية بين المناطق التي تفصل بين مناطق المعارضة والنظام السوري، بهدف تسويغ إدخال المساعدات عبر الخطوط بإشراف دمشق.

في 27 يونيو 2021، رفضت روسيا والصين تمرير مشروع قرار عرضته النرويج وأيرلندا لتمديد المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر معبر باب الهوى ولمدة 12 شهرًا، قبل أن يتوصل الجانب الأمريكي والروسي إلى تسوية لإدخال المساعدات عبر الحدود لمدة ستة أشهر، أي عبر معبر باب الهوى وعبر الخطوط لمدة ستة أشهر أخرى.

تتلمس الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا خطورة الطرح الروسي فإشراف روسيا على إدخال المساعدات يعني حتمًا تقويض القرارات الدولية والاعتماد على النظام السوري، لا سيما في حال نجاح نموذج إدخال المساعدات عبر الخطوط الذي يبدو أنّ موسكو ستبذل قصارى جهدها لإنجاحه وفي حال تحقق ذلك يمكن القول: إنّ القرار 2565 (2021) سيكون الأخير الذي يُقرّ على أساسه إدخال المساعدات عبر الحدود.

وفي كل الأحوال تبقى المعارضة السورية والإدارة الذاتية أكبر الخاسرين من القرار الحالي، بينما تواصل روسيا في تحقيق تقدم آخر بما يخدم رؤيتها الإستراتيجية في سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد