يتحقق النجاح بطرائق متفاوتة، وكلما أرهف المرء سمعه لما يدور من حوله؛ فإنه يعزز فرص نجاحه بشكلٍ منقطع النظير. على المرء أن يكون أبصر من زرقاء اليمامة؛ ليجتني الفائدة ويغتنم الفرص السانحة، كما أن يقظته تتيح له دراسة أبعاد الموضوع؛ فتقلل خسائره، وتكفيه التفريط وما يعقبه من ندم لا ينفع. ولعلَّك قرأت عن بعض ما نورِدُه في هذا المقال؛ فما يومُ حليمةٍ بسر، ولكننا نقتطف أزهارًا ونعرض أسرارًا توقظ الهمة، وتدفع عن النفس القنوط والغمة.

تضخ شركات الأدوية سيلًا من الأموال لقاء إجراء التجارب في مجال البحث والتطوير، والميزانية المرصودة لهذه التجارب قابلة للزيادة؛ فالمالُ يُصاد بالمال وليس الأمر عفوًا غير مدروس. تخصص شركة فايزر على سبيل المثال 1.6 مليون دولار لإجراء التجارب الربع سنوية؛ أي ما يعادل 13% من إيرادات الشركة، أما شركة ميرك فترفع المبلغ المقرر للبحث والتطوير قليلًا عن فايزر. تسعى شركات الأدوية العالمية من خلال البحث والتطوير للريادة في سوق الأدوية، وتحصيل أكبر قدر ممكن من الأرباح، وهذا ما يجعلها تسابق الزمن لبلوغ ما تخطط له.

يتطلب الاكتشاف تضافر عوامل الحظ والابتكار والفكر في وقتٍ واحد، وغياب أيٍّ من هذه العوامل يلغي عملية الاكتشاف. *يوهان فولفغانغ فون جوته

ربما تظن أن هناك تناقضًا في الطرح، إذ لا اتفاق بين الصدفة والتخطيط! لكنك تدرك تمامًا أن التخطيط يكون على الأوراق، ومن خلال سير الاجتماعات وحلقات النقاش والعصف الذهني، بينما لا يمكن السيطرة على التجارب المعملية وفق ما نخطط له سلفًا في الاجتماعات. هناك مباعث كثيرة للتباين بين التخطيط والتجربة المعملية، فضلًا عن التجارب السريرية التي تُجرى لاحقًا، ومن بينها أن الجسم البشري شديد الخصوصية والتفاوت في التفاعل مع المواد الطبية. وعلى طريقة جوته «ما لا نستطيع فهمه بالكامل لا نستطيع السيطرة عليه»، وهذا ما كشف عنه، باتريك فالانس، رئيس قسم الابتكار واكتشاف الأدوية في شركة جلاسكو سميث كلاين بقوله:

بطرقٍ مُتَشَعِّبة، تتعلم الكثير عن الدواء الذي ابتكرته بعد إطلاقه مقارنةً بما عرفته عنه قبل ذلك.

في ذات السياق عرضنا قبل ذلك مقال «المينوكسيديل.. قصة دواء»، واليوم نعرض قصة دواءٍ اشتُهِر بأنه الأكثر مبيعًا منذ اكتشافه إلى اللحظات التي تقرأ فيها هذا المقال، يعد من أشهر «أدوية الصُّدفة»، والأول من نوعه في دواعي استعماله، وقد أصبح أيقونةً في سوق الأدوية؛ إنه عقار سيلدينافيل Sildenafil والمشهور عالميًّا بالاسم التجاري «فياجرا Viagra». لعبت المرونة دورًا بالغ الأهمية نقل الفياجرا من الفشل الذريع إلى التحليق في سماء الأدوية؛ مما يجعل قصة «فياجرا» تستأهل دراسة ملابسات اكتشافه والاستفادة منها. إذا كانت لحظات الفشل تخنق المرء وتدفعه لليأس، فإن قراءة معطيات الفشل تفتح أبواب الفرص التي لا تعوَّض، ويمكن للمرء اغتنام هذه الفرص إذا أصاخ السمع لكلِّ ما يجري، وألا ييأس أو يُحبط مهما بدا الأفق مظلمًا.

في تسعينات القرن العشرينن التمست شركة فايزر العمل على ابتكار علاج جديد للذبحة الصدرية Angina. اختارت فايزر عقارًا يحمل الرمز UK-92480، واسمه العلمي «سيلدينافيل»، وبدأت التجارب السريرية لهذا العقار، إلا أنها كانت تؤكد فشل العقار في علاج الذبحة الصدرية. لم يستفد المرضى من هذا العقار في شيء، وأبدى بعضهم استياءه من نتيجة هذا العقار. التغذية المرتجعة خيبت آمال الشركة؛ مما دفع فايزر للتخلي عن مواصلة الاستثمار والبحث في هذه المادة الفعالة. ولأن الاستماع ذكاء؛ فقد حصل بعض الدارسين المسؤولين عن هذا العقار على معلومة جديدة، كانت المعلومة من المتطوعين الذين تناولوا العقار. لاحظ المتطوعون أن استعمال الدواء ارتبط بحدوث حالة انتصاب العضو التناسلي؛ فما إن سمع الباحثون هذه الكلمات حتى فغروا أفواههم ونقلوا المعلومة لمدير فريق البحث، الذي كلَّف الباحث، كريس وايمان، بمراجعة تفاصيل هذه المعلومة، وإعادة التجارب مرة أخرى بعد أخذ تلك المعلومة بعين الاعتبار.

اقرأ مقال الاستماع ذكاء

جمع وايمان المعلومات من المتطوعين، وحصل على عينة من أنسجة العضو الذكري من رجلٍ يعاني العجز الجنسي. عاد وايمان للمختبر وحضَّر عددًا من أنابيب الاختبار المحتوية على وسط خامل، ثم وضع بها نسيج العضو الذكري مع توصيلها بصندوق يُصدر نبضات كهربائية تحاكي النبضات التي تسري في أنسجة العضو الذكري تمامًا. أضاف وايمان نسبة من العقار لإحدى الأنابيب وترك الباقي كمرجع للمقارنة؛ فإذا بالأنسجة التي تعرضت للعقار تزداد حجمًا بدرجة واضحة عن العينات الأخرى. تأكد وايمان ومن بعده فايزر عن بكرة أبيها أن هذا العقار يفيد في علاج حالات ضعف الانتصاب Erectile dysfunction، وآلية عمل سليدنافيل في تحسين الانتصاب تعود إلى أن سيلدينافيل يساعد على استرخاء الأوعية الدموية في القلب؛ مما يترتب عليه تحسين تدفق الدم للجسم، ومن بينها شرايين العضو التناسلي الذكري.

استحالت النظرة الناقمة التشاؤمية لهذا العقار إلى نظرة تفاؤلية، مع ظهور فرصة استثمارية لم يُخطط لها سلفًا. أسرعت فايزر بالحصول على براءة الاختراع، ثم شرعت في إجراءات الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وقد حصلت فايزر على هذه الموافقة في السابع والعشرين من مارس 1998.

صورة عقار الفياجرا

صورة 2 فياجرا

الفياجرا أول عقار يستخدم لعلاج العنة وضعف الانتصاب عن طريق الفم؛ فالوسائل المتاحة قبل ذلك كانت مؤلمة وجراحية في نفس الوقت. فتحت الفياجرا بابًا فسيحًا من الأمل أمام الملايين. يعاني 30 مليون أمريكي من العجز الجنسي خلال فترة ما من حياتهم، مما جعل البعض يُطلق سخرية لاذعة حول ذلك بقولهم «إنه عالم الحبة الزرقاء»! في غضون عامٍ واحد زادت مبيعات الفياجرا عن بليون دولار أمريكي، وبحلول النصف الأول من عام 2013 وصلت مبيعات الفياجرا إلى 945 بليون دولار.

إن كان الفشل في طريقٍ يفتح المجال للفوز في مجالاتٍ أخرى؛ فلا تبتأس وخُذ للأمر أُهْبَته، واستصحب الاستماع الجيد والأمل في كل خطوةٍ تخطوها؛ لتحظى بما تسعى له. فشلت الفياجرا في علاج الذبحة الصدرية، ولكنها نجحت في علاج ضعف الانتصاب بطريقةٍ مبهرة على حد وصف من استعملها، والتغذية المرتجعة التي جمعتها فايزر. أُطلِق على الفياجرا «الدواء الأكثر مبيعًا في كل العصور!» وهذه فرصة لم تغفل عنها الشركات المنافسة؛ فالجميع هرول لاقتطاع قدرًا مناسبًا من وليمة فايزر. وقبل أن نُكمل مع الشركات المنافسة، هل خطر ببالك إعادة التفكير في معايير فشلك؟ هل طرأ عليك وأنت تعايش قصة فايزر مع الفياجرا أن بإمكانك النظر للأمور بعين مغايرة؟ هل بإمكانك أن تصنع من الفسيخ شربات كما فعلتها فايزر؟

ويأتي درس آخر في قصة الفياجرا، هذه المرة من جعبة إيلي ليلي Eli Lilly، تلك الشركة التي اقتنصت فرصة ثمينة؛ فقد تنازلت شركة الأدوية العملاقة جلاسكو سميث كلاين، عن عقار منافس للفياجرا لصالح إيلي ليلي بدعوى أن العقار ليس ضمن اهتماماتها في سوق الأدوية! استثمرت إيلي ليلي تلك الغنيمة الباردة؛ فكان عقار سياليس Cialis مادته الفعالة تادالافيل Tadalafil ليصبح منافسًا قويًّا للفياجرا، وقد حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء عام 2003؛ مما عزز فرص سياليس «حبة الجوز الصفراء» في سوق أدوية علاج العجز الجنسي.

صورة سياليس

على عكس جلاسكو، فإن الشركة الدنماركية فيفوس -المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية- قررت الجلوس على مائدة الفياجرا ومناطحة الكبار؛ فأطلقت عقار يدعى ستيندرا Stendra، ومادته الفعالة آفانافيل Avanafil، والذي حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء عام 2012.

ضربت فيفوس بسهم في هذه السوق الرائجة الرابحة على الرغم من أنها بعيدة عن اهتماماتها في عالم الأدوية؛ لأن بعض الفرص تحتاج للمغامرة، وليس بالضرورة أن تكون خبيرًا في مجال ما لتخوض غماره، ويكفيك أن تستفيد من خبرات العلماء وأهل الخبرة في هذا المجال؛ فقط «اعطِ القوس باريها» لتحقق فوق ما تريده.

العديد من الدروس يمكن استخلاصها من الأدوية التي أهدتها الفرص للإنسان، وهذه الدروس تحثنا على استثمارها في حياتنا وليس مجرد الاستمتاع بالقراءة عنها، وأن نمرَّ بعد ذلك غير آبهين. هناك ملامح أخرى تثري خبراتنا في هذه الجانب المهم؛ وتأسيسًا على ذلك ستكون لنا وقفات أخرى قريبة مع أدوية غيَّرت قواعد اللعب الطبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد