لا شكّ أن المنطقة تمرّ بظروف صعبة للغاية لم تشهد مثلها في فترات سابقة. كما أنّ السعي لتحقيق توازن القوى أمر تسعى إليه الكثير من الدول العربيّة، بالرغم من التحديّات المهولة التي تقع على عاتق السياسيين العرب.

إنّ ما يلفت الانتباه حقّا – وخاصّة في هذه الأيّام – أنّ الجيش المصري يرسل رسائل كثيرة ومهمّة للجارة التي لا تأمن أحد، بالرغم من اتفاقية السلام القائمة. هذا الأمر حقيقة يجعلنا نتساءل: لماذا كلّ هذا الرعب من الجيش المصري؟ وكيف يمكن اعتبار العقبات التي تجاوزتها مصر بعد القلاقل التي عرفها العالم العربي كنصر سياسي يوازي نصر أكتوبر؟

إنّ السياسة الإسرائيلية منذ نشأة دولتها اتبعت استراتيجية استغلال أخطاء الآخر من أجل تحطيم كلّ من ينافسها على الصدارة في المنطقة سريعة الاشتعال. فقد اعتمدت في صراعها بعد الحروب المكلفة والمنهكة التي أثبتت فشلها في تحطيم معنويات القدرات العسكريّة العربيّة على حروب من نوع جديد، تتمثّل في إيجاد ثغرات، واللعب على الحساسيّات حتّى في أبسط تفاصيلها من أجل تخفيف أيّة مواجهة كارثيّة مباشرة. فلا يخفى على صاحب العقل السليم أنّ غياب الحنكة السياسيّة والرؤية المستقبليّة لبعض الأحزاب الصاعدة بعد ما يعرف بثورات الربيع العربي، وخصوصًا المحسوبة على التيّار الإسلامي، الذي يعتبر مراهقًا في عالم السياسة، ساهم في توتّر الأوضاع أكثر، والمزيد من تعقيدها.

لــكن بالرغم من مراهنة القوى الديمقراطيّة الغربيّة على إحداث انقسام في صفوف الشعب المصري، إلاّ أنّها لم تنجح، وذهب مخطّط تقسيم الدولة أدراج الرياح بعد الصعود المفاجئ لقيادة سياسيّة جديدة، تتمثّل في المشير عبد الفتّاح السيسي الذي ساهم بنظرته الواعيــة والمبصرة بالمؤامرات التي تحاك في إنقاذ البلاد من محاولات إضعافها وإدخالها في دوّامة لا تخرج منها؛ ممّا يمكن أن يساهم في توسّع إسرائيل في المقابل، مثلما وعد بذلك الجدّ المؤسس لهذه الدولة الناشئة في الشرق الأوسط.

إنّ أولى الصفعات المصريّة في وجه القوى الإقليميّة التوسعيّة تتجلّى في إصرار القيادة السياسيّة الجديدة على امتلاك الطاقة النوويّة ورفضها المستمرّ بالرغم من الضغوط لتوقيع الاتفاقية التي تسمح بحريّة تفتيش المواقع النوويّة، خاصّة وأنّه تقرّر إرساء المفاعلات في منطقة الضبعة الواقعة على الساحل الشمالي الغربي لمصر. لاشكّ أنّ قضيّة الردع النووي هاجس يخيف إسرائيل، بالرغم من امتلاكها له ومخالفتها الواضحة للقانون الدولي، وهو خوف بدأ من الستينات في القرن الماضي حتّى هذه اللحظة. فالدولة المصريّة لم تُخفِ يومًا رغبتها في أن تصبح قوّة يحسب لها ألف حساب. في نفس الوقت لم تصرّح بطريقة واضحة على أنّها تسعى لامتلاك السلاح النووي في المستقبل.

لقد ساهم صمود الجيش المصري بعد سنوات من الفوضى في تشديد القيادة السياسيّة على تطوير الجيش وتحديثه ليواكب التطوّرات المحيطة، خاصّة وأنّ الرئيس عبد الفتّاح السيسي يعي جيّدا مخاطر الجيل الرابع من الحروب. هذا الأمر مهّد لامتلاك الأسطول الشمالي والأسطول الجنوبي المعززين بحاملتي المروحيّات: جمال عبد الناصر، وأنور السادات. هذه الأخيرة ساهمت في تطوير القوّات البحريّة؛ لتصبح قادرة على حماية الأمن القومي العربي.

إنّ رغبة مصر في الحفاظ على مصالح الوطن العربي تتجسّد من خلال الدور الإيجابي عند تدخلها في اليمن الشقيق الذي وقع في يد العصابات المسلّحة التي تسعى لخدمة قوى إقليميّة، هدفها تغيير التركيبة الديمغرافية والجغرافيّة. عملت بحنكة كبيرة على مساعدة التحالف الإسلاميّ بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة الذي يضمّ دول عربيّة وإسلاميّة، من خلال المشاركة الفاعلة دون استنزاف لقدراتها؛ حتّى لا تسقط في تقاطع المصالح الإيرانية والإسرائيلية الرامية لإضعاف مصر وإدخالها في صراعات جانبيّة لا تسمن ولا تغني من جوع.

لا يجب أن نغفل عمّا حققته مصر في سياساتها الموضوعيّة والواقعيّة. فهو في حدّ ذاته نصر يوازي النصر الذي يتحقّق بالحروب العسكريّـة. فإسرائيل سعت جاهدة لتطويق مصر من عدّة جبهات وبطرق متنوّعــة، لكن مصر تصفعها بصفعة تلو الأخرى من بين هذه الصفعات الكثيرة، نذكر – كمثال – الوضع الليبي غير المستقر، حيث وجدت الجماعات التكفيريّة الأرض الخصبة لتبني معسكراتها وترسل أفواجها للدول المجاورة، مع أنّنا لا يجب أن ننسى أنّها ضمن سياق عالمي، ولا تستهدف إلاّ دولًا معيّنة، وتكون عادة الدول المستهدفة حسّاسة في منطقتها الجغرافيّة، وهو ما يحدث في سيناء تحديدًا، ناهيك عن استهداف باكستان والجزائر في وقت مضى. كما لا يجب علينا نسيان نيجيريا الدولة ذات العدد الهام من السكّان وغير ذلك. فالمواقع الجغرافية للبلدان المستهدفة من قبل الإرهاب الدولي في حدّ ذاتها معلومة هامّة تكشف عن خلفيّات الإرهاب، وأنّه ليس من قبيل الصدفة.

على ذكر الإرهاب، لا يجب أن يفوتنا أنّ نعرّج على أنّ إستراتيجيّة الحروب تغيّرت وسعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها مرارًا وتكرارًا في فرض عقائد جديدة توجّه الجيوش في محاولة يائسة منها لاعتبار إسرائيل جارًا طبيعيًّا، ولا توجد ضرورة للخشية منه. لذلك قاومت مصر هذه الجهود بكلّ ثبات وثقة في قدرات أبنائها، حيث سعت للمحافظة على جيش قويّ تقليدي ذي عقيدة ثابتة في الدفاع عن حدوده والمصالح الحيوية للمنطقة العربيّة، خاصّة وأنّه حافظ على تماسك هياكله منذ ثورة يوليو بقيادة الضباط الأحرار من جهة، ولم ينجرّ للصراعات السياسيّة إبان ثورة يناير التي جاءت في سياق ما يعرف بالربيع العربي. يجدر ذكر ملاحظة أنّ التسمية التي منيت بها الفوضى التي حدثت سنة 2011 هي تسمية مستوردة في حدّ ذاتها جاءت من الإدارة الأمريكيّة والإعلام العابر للقارّات من أجل إضفاء صبغة جماليّة عن التحرّكات، بالرغم من الدماء التي سالت والدول التي مزّقت. للأسف تمّ ابتلاع هذه التسمية الناعمة لتعمّ العقل العربي من غير وعي, فالكثير أصبح يردّدها، بالرغم الواقع الأليم التي وصلت إليه الشعوب العربيّة.

لقد تعددت المعارك التي يخوضها الجيش المصري على جبهات عديدة مهما تنوّعت أشكالها. فالحرب حرب بقاء لهويّة ثقافة وحضارة عظيمة. لهذا عملت أثيوبيا بالتعاون مع إسرائيل على الضغط على مصر من خلال مياه النيل؛ لأنّها تعلم أنّ الماء مسألة حياة أو موت، بل هي صميم الأمن القومي المصري، وبالتالي الأمن القومي العربي. أعتقد هذا الملفّ لم يكن سهلًا، بالرغم اتباع سياسة مرنة في التعامل وعدم الانجرار وراء التصعيد الذي من شأنه أن يقوّي الطرف الأثيوبي ويجعل له حجّة في بناء السدّ. لهذا تعتبر هذه صفعة جديدة من الدولة المصريّة للطّرف الإسرائيلي وقوى الشرّ من خلال الحفاظ على سياسة إيجاد مخرج بالتوافق وعن طريق القدرات الديبلوماسية التي يفوق تأثيرها أحيانًا تأثير قرارات عسكريّة. يعتبر هذا نصر ديبلوماسي كبير ساهم في تخفيف الأزمة التي من المفترض أن تغطّي على أزمات أخرى في المنطقة المشتعلة ممّا يجعلنا ننظر إلى الديبلوماسيّة المصريّة وكأنّها ولدت من جديد. لقد لعب الإعلام العالمي والإقليمي دورًا كبيرًا في تضخيم الأزمات وإيقاع الشعب المصري في شباك الفتنة من خلال اعتماد سياسة صهيونيّة باتت مكشوفة ألا وهي تمجيد الرئيس المصري والشخصيّات الوطنيّة من أجل الإيقاع بهم وتقديم صورة للرأي العام بأنّهم يسيرون في الاتجاه الذي ترسمه إسرائيل ودهاليز الإدارة الأمريكيّة. لكنّ هذه السياسة الخبيثة لم تنجح نظرًا لتزايد الوعي في صفوف الشعب، وخاصّة الشباب والاستفاقة التي حدثت بعد أن كانت الدول العربيّة على شفير الهاوية.

إنّ إسرائيل تعلم جيّدا أهميّة الدور المصري في حلّ مشكلة الشرق الأوسط الأولى المتمثلة في القضيّة الفلسطينيّة، لهذا كانت مصر دائمًا مع السعودية يدًا واحدة في تبنّي النظرة الواقعيّة والعقلانيّة في جمع البيت الفلسطيني تحت سقف واحد واختيار المواجهة الديبلوماسيّة بدلًا عن العسكريّة التي أثبت أنّها لا تجدي نفعًا نظرًا للدعم الأمريكي المستمرّ لدولة الاحتلال والتفوّق التكنولوجي. لهذا غلبت الخيبة على دوائر السياسة الصهيونية عندما فشلت اللعبة الإعلاميّة التي انطلقت من الإعلام العربي من أجل إحداث شرخ في العلاقات المصرية السعوديّة ومحاولة الإيهام بوجود خلافات كثيرة تستعصي وجود حلول. لذلك نعتبر هذه من أكثر الصفعات التي منيت بها قوى الشرّ لأنّه معلوم أنّ وحدة مصر والسعوديّة تعتبر صمّام أمان لوحدة باقي الدول العربيّة.

مثّل الدعم السعودي المستمّر لجمهورية مصر العربيّة سلاحًا فاعلًا، ردّا على أيّ إجراءات يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة الأمريكيّة وتوّج ذلك بإعلان السعودية مؤخرًا تمويل إنشاء جامعة في محافظة سيناء تأكيدًا على أنّها أرض مصريّة خالصة تنبض فيها الحياة، وليس مجرّد صحراء. بالرغم من أنّ التعقيدات تشوب كثيرًا هذه المحافظة؛ نظرًا لموقعها الحسّاس على خطّ التماس مع إسرائيل من جهة، وحركة حماس من جهة أخرى. كان إعلان قبائل سيناء – وبالخصوص نذكر قبيلة الترابين – مؤخرًا لمحاربة تنظيم داعش بعد الحياد الذي ساد صفعة كبيرة في وجه إسرائيل والإرهاب الدولي الذين استفادوا بطريقة أو بأخرى من حياد القبائل في تلك المناطق.

بعد الصفعات التي وجهتها مصر لإسرائيل. فإنّني لا أبالغ عندما أقول أنّها نصر سياسيّ كبير يعادل انتصار أكتوبر، فمع تنوّع الصفعات تزداد التحديّات أكثر وبالتحديات يزداد الوعي تدريجيًا ليكون رافدًا مهمّا حتّى لا تقع الشعوب العربيّة في الفخّ الذي تنصبه القوى الاستعمارية. فمن خلال حروب الجيل الرابع تنقلنا إلى صراع من نوع جديد وهو ما يدفعنا للتساؤل: ماهي الآليات التي يجب إتباعها لمواجهة هذا الجيل الجديد من الحروب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد