“إيه اللي وداها هناك؟”، “وهي إيه اللي هي لبساه ده؟”، “ما تستاهل”، “ما هي اللي استفزته”.

تعودنا على سماع مثل تلك العبارات لتبرير جرائم التحرش وإلقاء اللوم على الضحايا؛ حتى تبقى صورة الذكر الذي لا يخطئ أبدًا والأنثى المذنبة دائما حاضرة ومتأصلة في مجتمعنا، حتى يتم فرض سيطرة السلطة الأبوية على المجتمع.

ولكن الأمر في الواقع لا يقتصر على تبرير جرائم التحرش فقط، فنحن تقريبا نلوم ضحايا جميع الحوادث الممكنة، فأتذكر أيام ثورة 25 يناير عندما كنت أسمع من أهلي “ما يستاهلوا” و”إيه اللي وداهم” عندما نسمع عن مقتل أو إصابة أحدهم مع كرههم الشديد لمبارك ونظامه.

وبعد الثورة بحوالي عام تمت سرقة هاتفي واتصلت بالشرطة على أمل شبه منعدم أن أجد من يساعدني، وأتذكر الضابط الذي كلمني وقال لي “دي أصلا غلطتك ومش هنعرف نعملك حاجة, بس هسجل الواقعة” بعد انتظاري ما يقرب من نصف الساعة منتظرًأ أحدهم ليرد عليّ.

ويتعدى الأمر ذلك أيضًا؛ فأحيانا نكذب الضحية وتتقاذف الاتهامات أنه/ا هو/ي من ابتدعوا القصة ليجذبوا الانتباه إلى أنفسهم, وأتذكر أنه منذ فترة وجيزة تعرض أحد النشطاء الشباب إلى موقف تحرش من قبل صحفي حاصل على جوائز عالمية, وقامت الردود بتكذيب الناشط الشاب واتهامه بتلفيق القصة ليجذب الانتباه إلى نفسه (وهذا الاتهام كان مثيرًا للشفقة لأن الضحية في الأصل مشهور بما فيه الكفاية) وكان غريبًا كفاية في هذه الحالة أن من وجهوا هذا الاتهام هم أنفسهم من يتصارخون ببشاعة لوم الضحية وأنها جريمة أسوأ من الجريمة نفسها، ومرتكبها مجرم أكثر من المجرم نفسه.

ولكن لماذا يحدث هذا؟ لماذا يقوم بعض الأشخاص بشيء بهذه الشناعة والبشاعة؟ شيء حقا أبشع من الجريمة نفسها؟

فنرى بوضوح ضعف حجة من يقومون بلوم الضحية، فإذا كانت ملابسها استفزته, فيمكننا أيضًا القول أن أموال الأغنياء استفزت السارق.

وهناك أيضًا مثال “لو عديت الشارع من غير ما تبص وعربية خبطتك, ديه غلطتك” وربما يبدو هذا المثال مقنعًا في أول الأمر، لكن بعد النظر عن قرب لا يمكن لسائق السيارة في أية ظروف تفادي الحادث, وإن أمكنه تفادي ذلك ولم يفعل تصبح جناية ويصبح السائق مجرمًا, فلا أحد يتحرش بإحداهن وهو غير واع وكان يمكنه التوقف أو عدم فعل أي شيء إذا أراد.

ويمكن أن نرجع أسباب ذلك إلى ما قاله عالم النفس ميلفن ليننر، أن لوم الضحية يأتي من الاعتقاد في عالم عادل وأطلق عليها لفظ “افتراضية العالم العادل just-world hypothesis” حيث قال أن اعتقاد الأشخاص في أن العالم به نوع من أنواع العدل وأن الأشخاص الطيبين سينالون جزاءً طيبًا على أعمالهم والأشرار ينالون جزاءً قاسيًا على أعمالهم؛ سبب رئيسي في لوم الضحية, فمن المؤكد أن الضحية قامت بعمل ما سيء في فترة ما في حياته/ا فتستحق ما حدث له/ا وأن الأشخاص الطيبين لا يمكن حدوث أي شيء سيء لهم، وهو غالبا عكس ما يحدث في الحقيقة, فالطيبون هم أكثر الناس عرضة لأن يصبحوا ضحايا بسبب طيبتهم.

إنه لشيء مذهل أن نرى هذا الكم الرهيب من لوم الضحايا لجميع الجرائم التي تمت في حقهم, حتى من قبل الأشخاص الذين يستنكرون هذا الفعل بشدة, في بعض الأحيان يلومون الضحايا مثلما يفعل غيرهم.

ربما هناك أمل أن يتغير الحال يومًا ما, فالآن قليل من الشباب يلوم الضحايا, فنحن ببطء شديد نتحول لمجتمع فيه مراعاة لمشاعر الآخرين وتقدير ظروفهم, فنحن نتقدم ببطء شديد جدًا نحو كوننا “بلالًا” وربما سيستغرق الأمر أعوامًا طويلة حتى يتم, وربما لن يتم, فما زال يوجد بصيص صغير جدا من الأمل الذي وجد بعد ثورة يناير, وانتشار الوعي بين كثير من الشباب بالقيم الحديثة للمجتمع, ومع ضعف في الوقت الحالي ربما يعود يومًا ما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد