أثارت الصور التي حاول النظام المصري تسويقها عن وجود مؤيدين له في الشارع كثيرًا من ردود الأفعال المتباينة وصل بعضها إلى الاشمئزاز، فأصبح المتظاهرون الرافعون صورًا للسيسي، وبعض الرجال والنساء يرقصون، وكذا البعض يضع البيادة على رأسه مشهدًا متكررًا في المحافل الثورية التي يدعى إليها، باستثناء أنهم غابوا عن المشهد يوم 15 أبريل في جمعة الأرض، وبلغت ذروة وضوح الفجاجة في صور المؤيدين أمام نقابة الصحفيين، وقد أصبح وجودهم مستفزًا لمشاعر الكثير وبخاصة الثوار، حتى أنه وقد أصابت هذه المشاهد بعض مؤيدي الثورة بالإحباط فقال بعضهم إنه «لا يجب التضحية من أجل شعب مثل هؤلاء»، واغتر البعض بكثرة نزول هؤلاء فقال «مافيش فايدة» مذعنًا لما يحاول النظام توصيله من يأس، حتى إن البعض اتخذهم خصومًا، إلا أن هذه المجموعات ومن وراءها، وإن شئت فقل صورهم، خدمت بشكل كبير وواضح الثورة المصرية ولم تضر إلا بالنظام الذي خرجوا من أجله، وقد اتضحت هذه الصور في خمسة أسباب هي:

أولًا: فإنها تكتب شهادة وفاة شعبية السيسي التي ماتت إكلينيكيًّا بعد الأزمات الاقتصادية، وتم رفعها عن جهاز التنفس ببيع جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، فقد أوضحت الصور المتكررة والمتشابهة أن النظام بدأ يستعين بـ«كومبارسات» ومأجورين للتغطية على فشله في حشد جماهير مؤيديه بعد انهيار آمالهم بالأزمات الاقتصادية والإخفاقات المتلاحقة، فكان شراء مؤيدين له عن طريق رجال الأعمال الحاشدين بالمال هو الحل الوحيد للسيسي ونظامه، وكان الإخراج الركيك للمشهد أمام نقابة الصحفيين من تصوير نزولهم من سيارات «ميكروباص» أمام النقابة سقطة إخراجية قد تكون متعمدة.

ثانيًا: قضت هذه الصور على أي أمل للسيسي لحشد الناس مرة أخرى للنزول، فقبح الصور التي خرجت من سلوك بعض المتظاهرين نفرت البقية الباقية من مؤيدي السيسي، حتى أصحاب المصالح منهم، فما شاهدوه من صور قبيحة منفرة من نزولهم في أي تظاهرة مؤيدة للسيسي، وجعلتهم يتعففون عن وضع أنفسهم مع أصحاب هذه الصور، فإن لم يكفوا عن تأييد السيسي فقد كفوا عن إعلان تأييدهم أو على الأقل النزول لأجل ذلك، وهو في ذاته مكسب كبير للثورة.

ثالثًا: أن ما يفعله هؤلاء أو محركوهم قدموا للثورة خدمة كبيرة، فما تحدثه مشاهدهم الرخيصة من تغيير للوعي العام للكتلة الصلبة للمجتمع المصري أو حزب الكنبة كما يسميه البعض، فستكون أي مقارنة بين من كانوا في هذه الصور وأفعالهم المشينة، ومن هم في السجون والمعتقلات، في مصلحة الثورة والثوار، والفعل الثوري أولًا هو معركة وعي أو تحرير العقول, وهي أولى درجات تحرير الأوطان.

رابعًا: زادت هذه الصور من عزلة النظام دوليًّا، فإن المجتمع الدولي الذي لا يشاهد «عمرو أديب» ولا «أحمد موسى» يعرف تمامًا أن ما بث من صور تدل على تآكل شعبية السيسي وانهيار التأييد الشعبي له ولنظام الحكم في مصر بعد الانقلاب، وجعل القوى الدولية تضع في الحسبان أن عدم وجود تأييد حقيقي للسيسي في الشارع، وانهيار قدرته ونظامه على الحشد، بالإضافة للغضب الشعبي المتأجج في الداخل المصري، كل هذه الأمور تجعل المراهنة على السيسي من قبل الخارج رهانًا خاسرًا.

خامسًا: إن أصحاب هذه الصور ليسوا جناة ولا خصومًا سياسيين للثوار، إنما هم في حقيقة الأمر ضحايا الحكم العسكري على مدى 60 عامًا، ففرحهم بمائة جنيه كما جاء في بعض الفيديوهات ليس إلا دلالة على سوء الحالة الاقتصادية التي يعاني منها الشعب المصري، فإذا أضفت ضعف الثقافة حتى بين المتعلمين، وتفشي الجهل، وتربية أجيال على تقديس البذلة الميري على مدى ستين عامًا، وما تربوا عليه في المدارس وحتى في التلفزيونات، وسيطرة المؤسسة العسكرية في مصر على مقاليد السينما والتلفزيون، وإسكات كل صوت معارض، خلق أجيالًا أحادية التفكير واللون والطعم، وهم من رأوا أن رفع البيادة على الرؤوس عمل عظيم يستحق التصوير ولا يخجل منه.

وأخيرًا أيها الثوار لا تحزنوا، ولا تغضبوا، واعلموا أنكم تحققون نجاحًا عظيمًا، وأرفقوا بمن سبوكم وأشاروا لكم بغير حياء فهم ضحايا نظام فاشيّ مستبد، ولا تتخذوهم خصومًا، وإنما الخصم الحقيقي هو من سرق مقدرات الشعب المصري وحريته حتى أصبح في مصر مثل هؤلاء، وأصبح في مصر العظيمة ملايين الأسر تعيش في المقابر، ومستوى الفقر أكبر من أي وقت في تاريخها، بل اعملوا على إكمال ثورتكم لتكون مصر بلدًا يليق بشعبه وتاريخه وحضارته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ضحايا
عرض التعليقات
تحميل المزيد