الشعبوية في أوروبا الوسطى

تشهد أوروبا منذ الأزمة المالية العالمية التي وقعت عام 2008 تصاعدًا في شعبية الاتجاهات الشعبوية الانعزالية، فإلى جانب الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وأزمة اللاجئين، والانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، وبروز الفوارق الاجتماعية، الذي تجسدت مؤخرًا في الاحتجاجات العنيفة في شوارع كبريات العواصم الأوروبية، وتزايد هشاشة سوق العمل والبطالة الهيكلية الحالية، مع بطء النمو الاقتصادي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مرورًا بمواقف وتصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومناكفاته الصارخة وغير المتوقعة ولا القابلة للتنبؤ، وتزايد حالة العداء التي يهيمن عليها ويمارسها بالتعاون مع الرئيس الروسي بوتين، وعزمهما الدؤوب على إضعاف الاتحاد الأوروبي بأقصى ما بوسعها من طاقة. ويأتي الأداء الانتخابي القوي لأحزاب اليمين الشعبوي مثل نوربرت هوفر في النمسا، ومارين لوبان في فرنسا، وسالفيني في إيطاليا، وغيرهم، مع توفر دعم مستقر للأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا الغربية، والحكومات غير الليبرالية التي تقودها هذه الأحزاب المتطرفة وزعماؤها الشعبويون مثل حكومة روبرت فيكو في سلوفاكيا وكازينسكي في بولندا، وسالفيني وزيمان في التشيك، وفيكتور أوربان في هنغاريا ليثبت بوضوح أن الديمقراطية الليبرالية في أوروبا والعالم الغربي تمر بالفعل بأزمة خانقة.

وفي خضم تصاعد هذه التحديات يتصدر الزعيم الهنجاري الشعبوي فكتور أوربان منذ سنوات المشهد السياسي الأوروبي بشخصيته الكاريزمية وتأثيره السياسي النشط والمثير الذي يتجاوز حجم وأهمية هنغاريا كبلد متواضع في أوروبا الوسطى، ومكانتها الهامشية نسبيًّا في محيطها الأوروبي والعالم، وبالرغم من الإنجازات الاقتصادية المعتبرة لحكومة أوربان التي حققت لهنغاريا الاستقرار المالي، ونسبة نمو للناتج المحلي الإجمالي ناهزت 4.6٪، في حين انخفض دين الدولة بنسبة 71٪. تركز معظم الانتقادات الدولية الموجهة إلى حكومة السيد فيكتور أوربان الملقب «بترامب أوروبا» مع أنه يسبق في وجوده بمنصبه، ونموذجه السياسي الشعبوي الرئيس ترامب، وإذ يقود الحزب الحاكم في هنجاريا «حزب فيديز القومي اليميني المحافظ» على مدى السنوات التسع الماضية، تركز هذه الانتقادات على المؤشرات المحلية مثل سيادة القانون، وفصل السلطات، وحرية الصحافة، وحق المعارضة التي هي من أبجديات القيم الديمقراطية الأوروبية المعاصرة.

فمنذ فوز فكتور أوربان الأول قبل تسع سنوات، الذي جاء على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها هنغاريا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، التي وضعت البلاد على شفير هاوية الإفلاس، مع زيادة نسب البطالة وارتفاع الأسعار، مصحوبًا بالعجز والكذب على الشعب بخصوص الوضع الاقتصادي المتدهور للبلاد الذي مارسته الحكومة اليسارية السابقة، والذي أعقبته مظاهرات شعبية حاشدة وغير مسبوقة، اغتنم فيكتور أوربان الفرصة لإحداث انقلاب ثوري على مجريات السياسة المجرية. وخصوصًا أن حزب فيديز اليميني القومي الذي يقوده كان القوة الرئيسية التي كانت تعارض سياسات إصلاحات السوق في حكومة اليسار السالفة. ثم نجاح حزبه بإجراء استفتاء ضد خصخصة التعليم العالي وفرض رسوم على الرعاية الطبية، الأمر الذي جعل الحزب يبدو بعيون أبناء الشعب الهنغاري الحزب الوحيد الحريص على مصلحة المواطن العادي. لقد كان إنجاز الفوز غير المسبوق في الانتخابات البرلمانية بتحقيق أغلبية برلمانية مكنته من أن يكون الحزب الحاكم المتفرد بالسلطة لأول مرة منذ نهاية الحقبة الشيوعية في البلاد عام 1989، وهي أغلبية استطاع من خلالها أن يعدل بعض أحكام الدستور الهنجاري، فبعد مرور عام على وصوله للسلطة، استفاد حزب فيديسز من أغلبيته الفائقة لتعديل الدستور، فضلًا عن تعديل قوانين الانتخابات، وأعاد هيكلة عدد من مؤسسات الدولة بدون إجراء مشاورات شعبية، أو الأخذ بعين الاعتبار أي من تصريحات زعماء أحزاب المعارضة البرلمانية. طالت التغييرات تغيير اسم البلد من الجمهورية المجرية إلى بلاد المجر، وإدخال عدد من التغييرات التي جاءت لتخالف وجهة نظر أخذت تسود المجال الأوروبي مؤخرًا – مثل أحكام الدستور التي تنص على أن الزواج لا يمكن أن يكون إلا بين الرجال والنساء، وإعلاء شعارات دينية خاصة بالتراث المسيحي لدولة هنغاريا، وبالقيم الوطنية للأمة المجرية- وتحويل قيادة البلاد إلى المركزية السياسية.

ولقد أثبتت القيود القانونية التي استحدثتها التعديلات على الولاية القضائية للمحكمة الدستورية بشكل لا لبس فيه نية أوربان الحاسمة في الحد من قدرة المحكمة في مراجعة سلطات الدولة المختلفة ومراقبتها. وجاء فرض انتخاب رئيس المحكمة الدستورية من قبل البرلمان لا من قبل مجلس القضاء، كما كانت عليه من قبل، مثالًا واضحًا على ممارسة جديدة يقصد منها تأكيد سيادة السلطة التنفيذية على القضاء وتبعيته في هنغاريا في عهد رئيس الحكومة الشعبوي بامتياز أوربان.

إلى جانب التغييرات التي طرأت على المحكمة الدستورية، قامت حكومة فيكتور أوربان بإجراء تغييرات أساسية في قانون الإعلام. بحيث يمكن لمجلس الإعلام الوطني الذي أنشئ حديثًا فرض عقوبات منحازة وغير متوازنة على ناشري الصحف والمطبوعات والمواقع الإلكترونية، الذين تعدهم مواد القانون مخالفين لأحكامها، ومنح لهذه الهيئة أيضًا الحق في مطالبة الصحافيين بالكشف عن مصادر معلوماتهم. وقد جرت تعبئة هيئة الإعلام الوطني والاتصالات الجديدة بموظفين من حزب فيدسز الذين حصلوا على تعيينات دائمة فيه. كما أنشأ الصندوق الهنجاري لدعم وإدارة أصول الخدمات الإعلامية، الذي يجمع جميع وسائل الإعلام العامة، ويدار مركزيًّا، مع إلزام جميع محطات التلفزيون والإذاعة والصحافة العامة استقاء معلوماتها حصرًا من مصدر المعلومات والأخبار الحكومية، مع تسريح واسع النطاق وجماعي للصحافيين اليساريين المعارضين.

كما راحت حكومة أوربان تنظم حملات إعلانية تسمى «المعلومات الحكومية» عبر وسائل الإعلام العامة والخاصة «حيث تمول من خلال إعلانات الدولة». ومن بين الشعارات التي روجتها الحملات خلال السنوات الماضية: «لن نرضخ لصندوق النقد الدولي» (ضد شروط صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بالدعم المالي لهنغاريا)، «أداء المجر أفضل» (تقدم إنجازات حكومة أوربان) و«كي لا نضع مستقبل هنغاريا في خطر! صوت بلا!» (وهذه كانت ضد حصة اللاجئين التي طلبتها المفوضية الأوروبية». وغيرها من الأمثلة المذكورة أعلاه توضح كيفية تدخل الحكومة اليمينية في الشؤون اليومية لوسائل الإعلام المجرية. كما استولى أشخاص على صلة بحزب فيديز أواخر عام 2016 على أغلبية أصول إحدى الصحف اليومية الأكثر شعبية في المعارضة اليسارية لتغلق على الفور وليفقد صحافيوها عملهم.

اتسمت السياسة العامة في هنجاريا تحت قيادة فيكتور أوربان بتفوق الطابع القومي، فبدأ من خطاب عام 2014 الذي ألقاه أوربان في مدينة بايلي توشناد الرومانية خلال الاجتماع السنوي للهنغاريين المقيمين في الخارج، والذي أعلن فيه براءة الأمة الهنغارية من العقيدة الليبرالية، وربط فيه بين تراث «أمة المجر الكبرى» والطابع غير الليبرالي للمجريين، وقد صرح فيه: «إن الدولة الجديدة التي نبنيها هي دولة غير ليبرالية، إنها لا تنكر القيم التأسيسية لليبرالية، مثل الحرية إلخ. ولكنها لا تجعل هذه الإيديولوجية عنصرًا مركزيًّا في تنظيم الدولة، لكنها تطبق منهجًا محددًا ووطنيًّا خاصًّا بها وفق سيادة الأمة المجرية» كما قال. في مسعى لاستخدام المجتمع الوطني كحجة في الكفاح من أجل السيادة الكاملة لهنغاريا.

مثال آخر على النهج القومي لرئيس الوزراء الهنجاري أوربان هو العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ومختلف الدول الأعضاء، فقد كان أوربان قد انتقدت منذ البداية مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي تناولت بدورها بالنقد الجوانب غير الديمقراطية لسياسته واتهمته بتقويض المبادئ الأساسية لسيادة القانون. استخدم اوربان منذ اليوم الأول من منصبه الخطاب المناهض لتدخل بروكسل في الشؤون الداخلية لهنغاريا. دافع عما أسماه سيادة بلاده، وسمو اختيارات الشعب على مقررات الاتحاد الأوروبي، وادعى أن بلده لم يختر العلاقات الإقطاعية بين بروكسل وبودابست عند دخولها الاتحاد الأوروبي. ومثلما انتقد الاتحاد الأوروبي عددًا من الإصلاحات التي قام بها أوربان على قانون السلطة القضائية والإعلام. كان الحكم الفردي والسلطوي المستبدّ الذي يمارسه أوربان، وعدم احترامه حقوق المعارضة من مواضيع عديد القرارات التي أصدرها البرلمان الأوروبي، و نقاط الهجوم من قبل بعض الزعماء الليبراليين في الاتحاد الأوروبي، الذين وصل بهم حد المطالبة بمعاقبة هنغاريا بفصلها من عضوية الاتحاد. لكن أوربان قدم عددًا من التنازلات والمساومات في علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، وكان حزب فيديسز عضوًا في حزب الشعب الأوروبي. بمعنى من المعاني، استخدم أوربان السرد المستقبلي الأوروبي أكثر لاحتياجات السياسة الداخلية، في حين وافقت المجر على الغالبية العظمى للاتفاقيات مع الحكومات الأخرى في القرارات الرئيسية للمجلس الأوروبي. جاءت اللحظة الحاسمة للتغيير في أزمة اللاجئين، التي أعلت الخلاف بين مستشارة ألمانيا الاتحادية، أنجيلا ميركل، وفيكتور أوربان نفسه، حيث أبرزا موقفين متناقضين في هذه القضية. عندها استخدم أوربان رمزًا معروفًا تاريخيًّا لـبلاده المجر على أنها «حصن المسيحية»، معيدًا تشكيله كعنصر رمزي مهم للهوية. بمعنى أنه أراد أن يثبت أنه في أزمة اللاجئين، شاركت المجر مرة أخرى في «صراع حضارات» تاريخي وجادل بأن المجر كدولة، لا تتحمل فقط الهجمات من خارج أوروبا، ولكن أيضًا من الداخل، جاعلًا من سياسة عدم التضامن مع اللاجئين السوريين التي مزقت بلادهم الحرب قوة رمزية و سلاحًا قويًا يستخدمه من أجل تعزيز الدعم لبلده، ولزعم إنقاذ الأمة المجرية مما أسماه «الخطر المميت» وتوجت حكومة أوربان أقوالها بأن بنت بالفعل جدارًا من الأسلاك الشائكة على حدود البلاد الجنوبية لمنع دخول اللاجئين أو تسللهم.

لقد بدا رئيس الوزراء فيكتور أوربان شديد الوضوح في رؤيته الخاصة لحاضر هنجاريا ومستقبلها، البلد العضو في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، وبحلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1999، مشيرًا بإعجاب إلى نموذج الصين وروسيا وتركيا كنماذج تقتدي بها هنغاريا بخلاف النماذج الأوروبية الديمقراطية الليبرالية. فبعد الانتخابات التي جرت في أبريل (نيسان) الماضي، والتي اعتبرت حرة ولكنها غير نزيهة، أعلن بنشوة انتصار يغلفها الغرور أن «عصر الديمقراطية الليبرالية قد ولى»، لكن منذ أن فاز أوربان بإعادة انتخابه لرئاسة الحكومة في أبريل الماضي لم يشكك سلوكه في حسن نواياه تجاه الديمقراطية وحسب، بل باتت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تشكك في مصداقيته كحليف لها وعضو في العالم الغربي الديمقراطي. ويرى بعض المحللين أن المجر باتت تتصرف على نحو متزايد كدولة مارقة وفق التصنيف الأمريكي. فعلى الرغم من أن المجر تدعم رسميًّا فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا، فإن أوربان كان أكثر الناقدين الداخليين صخبًا لهذه التدابير، داعيًا في كثير من الأحيان إلى إسقاطها. وفي الوقت الذي تجنبت فيه أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب عدوانه على أوكرانيا والعديد من الانتهاكات الأخرى، أجرى الزعيم الروسي زيارات ودية متعددة للعاصمة المجرية، إذ استقبل في بودابست بحفاوة بالغة، وعانقه أوربان بإعجاب ومودة كبيرة. بل تعد المجر اليوم من قبل بعض المحللين بكونها القناة الرئيسية لنفوذ الاستخبارات لروسيا المنافس داخل التحالف الغربي. ففي أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، رفضت هنغاريا طلبًا أمريكيًّا بتسليم اثنين من تجار الأسلحة الروس الذين حاولوا بيع صواريخ مضادة للطائرات إلى عصابات المخدرات المكسيكية. وبدلًا من تسليم مهربي الأسلحة إلى نظيرتها الشريك لها في حلف شمال الأطلسي، سمحت حكومة أوربان للمطلوبين بالمرور الآمن إلى روسيا. كما أن التحول غير الليبرالي في وسط أوروبا يشبه السياسة التي انتهجتها النخب السياسية في الكرملين، فأوربان في عدائه لليبرالية يسير على نهج التيار المحافظ الروسي، إذ كلاهما يجسد تباينًا صارخًا بين الهوية الوطنية والتعددية الثقافية في الغرب. وكلاهما يفضل «الديمقراطية غير الليبرالية» على الديمقراطية الليبرالية، ويتمسك بالمحافظة الاجتماعية المسيحية على حساب الحريات. ويتبع هذا المشروع الأيديولوجي المشترك بينهما الاهتمام بدور الزعيم القوي على الممارسة الديمقراطية، وكذلك التشكيك في عدد من قواعد دولة القانون.

واليوم يبدو أن تحالف الزعماء اليمينيين في أوروبا الذين يميلون إلى تبني النموذج الذي يمثله الرئيس الروسي بوتين المتميز بالزعامة السلطوية والعداء لليبرالية، والتمسك بالأفكار القومية والنزعة المتدينة يزداد متانة يومًا بعد يوم، ويزداد أتباعه ومؤيدوه في الشارع الأوروبي، كما هو حاصل في احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، الذين باتوا يظهرون حاملين رايات الحزب الشيوعي وشعاراته، فيما يشبه الردة السياسية إلى أفكار الماضي بوجه الممارسات النيوليبرالية التي يتبناها ويفرضها زعماء الاتحاد الأوروبي. الذي سيشهد في مايو (أيار) القادم انتخابات لبرلمانه، فهل ستنجح الأحزاب اليمينية المتطرفة في تحقيق تحول جذري للاتحاد الأوروبي؟ أو على الاقل هل يتمكنون من عرقلة الإصلاحات التي يحتاجها الاتحاد الأوروبي بشدة من أجل التصدي ليس فقط للتحديات الداخلية الأساسية مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وبطء النمو الاقتصادي – ومآلات الاحتجاجات الفرنسية المتواصلة على المستقبل السياسي للرئيس الفرنسي ماكرون، بل أيضًا التهديد الخارجي الذي يمثله الرئيس الروسي بوتين، والرئيس الأمريكي ترامب، اللذان يتربصان للاتحاد الأوروبي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات