لم تكن الثورة السورية وليدة اللحظة، لقد كانت مؤسسات الدولة في سوريا  الأكثر فسادًا في دول الربيع العربي، وبالرغم من ذلك لم يُزهر ربيع الثورات العربية في أرضها فقد سبقتها الكثير من الدول، ولعل أكثر الأسباب التي منعت السوريين من التفكير مرارًا في الثورة ضد نظام حكم شمولي مجازر مدينة «حماة» الحاضرة الغائبة في ذاكرة الأجداد وعيون الأحفاد.

لقد أدرك السوريون مبكرًا حجم الخسائر المتوقعة في حال الإقدام على الثورة كخيار لا بد منه لتغيير الواقع وبناء المستقبل غير آبهين ببطش النظام وآلته العسكرية، ومنذ انطلاقتها كان الاستمرار هو العنوان الأبرز للثورة والتراجع عنها يعني الموت المحتم عليهم.

وسرعان ما تغيرت خارطة الأحداث، حيث أجبر النظام المتظاهرين السلميين على حمل السلاح نتيجة الإفراط في استخدام القوة ضدهم وسط صمت دولي مريب استمر حتى اللحظة، الخارطة ذاتها عادت لتتغير مع تغير المصالح وظهور أكثر من طرف فاعل في ساحة الحرب والتي ساهمت في تغيير المفاهيم من ثورة شعبية تحمل في طياتها أكثر من مطلب حق إلــى صراع على السلطة وتقاسم النفوذ بين الدول على ما تبقى من سوريا.

الدول ذاتها التي ساندت السوريين في ثورتهم تعود اليوم للعزف على وتر بقاء الأسد في مرحلة انتقالية تفضي لحل سياسي  بصيغة لا غالب ولا مغلوب.

ولكن ماذا لو بقي الأسد في السلطة؟

إن بقاء الأسد في السلطة يعني الانتصار ومن حق المنتصر أن يفرض شروطه، وهو ما يعني استمرار مأساة التشرد لآلاف السوريين في أصقاع العالم والحكم بالموت على من تبقى منهم داخل سوريا معارضًا لحكم الأسد.

ولعل السوريين على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم السياسية والدينية يدركون أن بقاء الأسد في سدة الحكم هو العودة لحكم القضبة الأمنية التي تلّقت دروسًا خلال السنوات الماضية والتي سوف تسعى جاهدةً لإحكام قبضتها الحديدية ومنع السوريين من مجرد التفكير بما حدث أو العودة لمثله.

واهمٌ من يظن أن الأسد سوف يعفو عن معارضيه وأنه سيطلق سراح من بقي على قيد الحياة من معتقلي الرأي في سجونه على العكس من ذلك سيُضاعف أعداد السجون والمعتقلات، فمن استخدم الكيماوي مرات عدة بلا حسيب ولا رقيب دولي أو إقليمي من السهل أن يعتقل ويضرب بيد من حديد كل من يخالفه الرأي.

لقد كان للسوريين تجربة في ثمانينيات القرن الماضي مع الأسد الأب وبالرغم من أن أحداث حماة لم تستمّر لأكثر من سنة فقد كانت سببًا في تثبيت دعائم حكمه عقدين من الزمن، بعد ارتكابه مجازر جعلت حكمه لسوريا إلى الأبد ورسخت في عقول السوريين فكرة «الحيطان لها آذان» والتي منعتهم من المطالبة بحقوقهم وانصياعهم الكامل للديكتاتور خشية الظلم الذي قد يلحق بهم.

إن كل الأصوات التي تنادي اليوم بالعودة لحضن الوطن وتسوية أوضاع المعارضين وممارسة حياتهم بالشكل الاعتيادي كما كانوا عليه قبل اندلاع الثورة، يعلم أصحاب تلك الأصوات النشاز  علم اليقيّن أن مصير من يفكر بالعودة – للأسد ونظام حكمه – وبشكل طوعي لن تحميه ضمانات البعض وتعهداتهم بتوفير الحماية والأمان لهم وأن هناك مصيرًا لا بد من الاستعداد لمواجهته، قد يتجلّى في أحسن الأحوال في تجريدهم من حقوقهم المدنية فلا يحق لهم الترشح لأي منصب في دولة البعث بحجّة مساندتهم للإرهاب ومساهمتهم في النيل من هيبة الدولة والحاكم، ولا عجب أن تُورث هذه التهم للأبناء والأحفاد كما جرت عليه العادة في تجريم أفراد عائلة من خرج عن القطيع.

خلاصة القول إن الأسد لن يجبّ ما قبل مارس (آذار) 2011 وإن انتصاره هو عنوان لمرحلة جديدة تعيشها سوريا سيكون التجانس بالأفكار والمواقف شعارًا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات