ترددت كغيري في الكتابة حول جدلية النصر والهزيمة في معركة العصف المأكول، ولكي لا نغرق في بحر من الجدل فدعونا نتفق أن ما حدث لا يعدو عن عدوان من جيش قوي ومنظم يهدف إلى إبادة جماعية لشعب صاحب قضية عادلة لا يملك بعد الله سوى عصبة من المقاتلين مؤمنة بحقه.

 

شن الاحتلال الصهيوني حرب إبادة لا مثيل لها في تاريخ النضال الفلسطيني، في ظل خارطة مصالح تصب جلها في مصلحتهم، فلا الدول العربية والإسلامية نطقت ولا الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي نبس ببنت شفة، و معظم الشعوب العربية أشغلها الخوف من المطاردة عن نصرة مكلومي غزة، وقد عاث إعلامهم في عقول الشعوب فساداً.

 

فقد تعددت أهداف الجيش الإسرائيلي المعلنة لهذا العدوان وقد اشتركت على اختلافها بأن الشعب الفلسطيني أفشلها كلها بصموده وعنفوان مقاومته، مما أحدث هزة في ثقة الجبهة الداخلية بجيشه ورسخ في عقل الصهيوني أن أي مكان في هذا العالم أكثر أمانا له من الكيان، فقد أصبحت بلاد العسل سماً قاتلاً لن يتجرعه إلا فقراء إسرائيل أما أغنياؤها فهم في غناء عن حياة قد تصبح بين ليلة وضحاها تحت الأرض.

 

بل إن رهان إسرائيل القوي على “كي الوعي” الفلسطيني خاب وخسئ حين رأى الغزيَّ يرفع يداه بإشارة النصر وجسده ما زال تحت أنقاض بيته، وقبل أن يتقبل التهاني بسلامته كان يردد: “إننا مع المقاومة”، لذلك أقولها بثقة أن الكيان انهزم في هذه الحرب شر هزيمة فلا الأمن عاد لمواطنيه ولا المقاومة انكسرت بل وزاد الطينة بلة خسران الغرب رهانه عليها.

 

أما غزة، المدينة الساحلية الصغيرة التي لا تملك جبلاً ولا غاراً، ولا جواً ولا بحراً وقفت شامخة أمام أرتال قنابل الحقد الصهيونية، فولى الجيش البري هارباً أمام ضربات الشعب الفلسطيني واكتفى بصب جام غضبه من سماءِ ليس لها رادع، قتلت المئات و زرعت في كل بيت حزناً عميقاً وأعادت غزة سنينَ إلى الوراء، ومع هذا فقد أنجزت وكانت المعركة خطوة تدريجية على طريق دحر المغتصب، وقد أكدت هذه الجولة من النضال على الكثير ومنها أن الفلسطيني قادر على خلق استراتيجية جديدة، تكمن في تكاملية العمل من أجل فلسطين، فالمفاوض بيده قوة تخيف العدو والمقاوم بجانبه قوة سياسية تستثمر جهده وعطاءه.

 

وأن فلسطين هي من تضحي من أجل العرب والعكس لا يحتمل الصواب! وأن قضية فلسطين أسمى من أن تدخل في تجاذبات وملفات أبعد ما تكون عن نبل هذه القضية. وأن المقاومة الفلسطينية غير قابلة للتحجيم وإنما مزيداً من التمدد، كما أن على نظام مصر أن يعي جيداً أن من يبحث له عن مكانة في المعادلة الدولية عليه أن يتعامل كدولة لا حزب و أن يبتعد عن الخلافات السياسية الحزبية، فإن من يحتضن قوى فلسطين يهرول عليه العالم ونرى ذلك واضحاً في دور الخارجية القطرية والمصرية بهذا الخصوص.

 

وإن من جميل إنجاز الفلسطيني أنه أصبح معجزة الحرية وسط بُقعٍ من الشعوب قد امتلأ قلبها كفراً وإنكاراً بها .

 

وبصراحة شديدة، إن الاتفاق السياسي لا يرقى بحال من الأحوال إلى صمود الشعب و بسالة مقاومته، وإن السياسي الفلسطيني هٌزم ولا مواراة في ذلك وإن على القيادة الفلسطينية استحداث كادر سياسي جديد على غرار نخبة القتال، والاستمرار بالسياسة المتبعة إبان العدوان وسياسة خارجية لا تهدف إلا لواحدة ألا وهي الالتفاف حول من يدعم فلسطين وإن لنا في إخوتنا اللاتينين الخير الكثير.

 

وخلاصة الكلام أن المقاومة العسكرية انتصرت بينما غرقت القيادة السياسية في وحل الهزيمة المزرية وإن إسرائيل تراجعت فإسرائيل العظمى اندثرت مع رفات الجيش الإسرائيلي في رمال غزة اللاهبة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد