كل أمة من أمم الأرض بعربها وعجمها، بصالحها وطالحها، منذ آدم – عليه السلام- وحتى يومنا هذا تسعى إلى السير في الطريق الذي يوافق مبادئها وترتضيه هي لنفسها خيرًا كان أم شرًّا، فتنفر طائفة منها تأخذ على عاتقها أن تجود بالغالي والنفيس، وتضحي بأغلى ما تملك، وتسخر كل حياتها في سبيل الذب عن أفكارها ومعتقداتها، وتسعر نار البذل والعطاء حتى تسود مبادئها، أو تلتهم موقدها النار فتبيد الفئة وتهلك؛ فداءً لمبتغاها، وتفنى في سبيل مناها.

ولا عجب؛ فمعارك المبادئ والقيم معارك وجود أو فناء، أكون أو لا أكون. نعم، هذا هو دأب كل أمة تسعى لنيل عزتها وتحرص على أن تبلغ مرامها.

ولو صرفت بصرك تلقاء مؤسسي كل دولة سادت واعتلت منابر التاريخ، وكانت لها حضارة أرخت ظلالها على من تبعها من الحضارات، وسطرت بأقلام المجد سطورًا في صفحات الزمان، وعزفت بلحن العلم والمعرفة أعذب الألحان، فاستعذب التاريخ موسيقاها، وفرش الدهر لها أرضه ورودًا؛ لوجدت أن هذا البهاء كله ما كان إلا بالجد، والعمل، والفداء، والبذل، والهمة، والعطاء، فإن التاريخ لا يفتح أبوابه لقاعد، وإن الزمان لا يلقي بالًا لحديث لا يعضده عمل، وإن الأرض لتأبى أن يسوسها مدمن للراحة أو رفيق للدعة.

لكن المتأمل في حالنا اليوم وما آلت إليه أمتنا يرى عجبًا.

يسير أعداؤنا جيوشًا مجيشةً لقتالنا، ويجلبون علينا بخيلهم ورجلهم، ويعيثون في كل شبر من أراضي أمتنا، وينكأون كل يوم جراحًا جديدةً، لا يكاد يبرأ أولها حتى يتبعونه بأخ له أشد منه وقعًا، وأكثر إيلامًا، فإن لم تنفع الجيوش سودوا علينا رجالًا من أبناء جلدتنا – كما يزعمون – ظاهرهم حمل وديع، وباطنهم ثعلب ماكر يبطن الحقد والضغينة، ويظهر المودة والرحمة، فإن لم ينفع هؤلاء سودوا من هم أشر منهم وأبطش وأشد قسوةً؛ ليعيثوا في الدماء ويسفكوها أكثر مما فعل الأعداء، وليعلنوا فيما بعد عداءهم للأمة دون خوف أو وجل، مصرحين بعمالتهم جهارًا نهارًا دونما استحياء، وإن أردت مثالًا عن هذا الصنف فدونك «بشار» و«السيسي».

والذي يزيد الطعين ألمًا، ويملأ قلب الكسير كمدًا، و يحزه بسكين الأسى والقهر هو ردنا، إي وربي، ذلك الرد المخزي الذي يصدر من أبناء أمتنا ضد هؤلاء الطغاة وأدواتهم، فنعلن يومًا وسم «ارحل يا سيسي»، وفي يوم آخر «كلنا الثورة السورية»، وعندما تخطف من بين أيدينا درتنا البهية مسرى رسولنا – صلى الله عليه وسلم- نجعل غضبتنا لها تغريدات هنا، وعدونا لا يفهم إلا لغة السلاح هناك، وحينما تهتز أفئدتنا لخبر إخواننا في «نيوزيلندا»، وكيف قتلهم ذلك السفاح بدم بارد؛ نجعل عزاءنا أن رئيسة وزرائهم وحرسها قد لبسن الحجاب تعاطفًا معنا، وأنهم سمحوا لنا بالصلاة ورفع الأذان، فأي نصر ترجونه أعظم من هذا!

إنما مثلنا كمثل سجين حرمه سجانه من الطعام والشراب، فلما جن عليه الليل نام فرأى في المنام ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فلما أفاق زعم أنه قد انتصر على سجانه، وأنه قد انتصف منه، وقد انتزع حريته كاملةً في أحلامه! إن أعظم كذبة انطلت علينا في هذا القرن هي إيهامنا أن الكلمات وحدها تستطيع أن تغير الواقع، أو أن تقلب المعادلات، أو أن تأتي بنصر طال انتظاره.

إن الكلمات لا ترفع الأقوام ولا تضعهم، إذا كانت مجردةً من العمل، كما أن الأفكار لا تستحيل واقعًا، إلا إذا بنيت فوق أرضية متينة من الإيمان والاعتقاد الحار – كما وصفه سيد قطب – رحمه الله-.

فلنفتح عيوننا ولنتفكر، ماذا يفيدنا وسم «ارحل يا سيسي»، ونحن قعدة خلف أجهزتنا، والرجل يسير بمصر وشعبها إلى الهاوية، ويستجدي كل نطيحة ومتردية لحمايته؟ وماذا نستفيد إن وقفنا مع الثورة السورية بشعاراتنا والنظام يخنقها يومًا بعد يوم، ويستنجد بالروس والإيرانيين طالبًا منهم العون والمدد في وأدها حيةً في مهدها؛ لأن قتلها قد أعجزه؟ وهل يعود الأقصى وقد سرقته أيدي الغاشمين على غفلة منا بشعارات لا يقيم عدونا لها اعتبارًا؟ وهل أمة انتصرت بالكلام دون العمل؟ وهل ينفع الحق أهله إن لم يحملوا على أكتافهم بنادق تنصرهم، وإن لم يكن بين أيديهم كتاب يهديهم؟ وماذا يفيدنا نصر نصطنعه والأرض التي نمشي عليها ملك لغيرنا؟

ربما دخل إلى بعض الأفهام أن هذه دعوة لترك هذه المساحات الشاسعة من العوالم الافتراضية، أو لترك جهاد الكلمة والإخلاد إلى الأرض، كلا والله! إنما هي دعوة لأمتي أن تكون صادقةً مع نفسها، موضوعيةً في طرحها ونقدها؛ رغبةً في أن توضع الأمور في نصابها.

فإن السعي إلى إثبات نصر متوهم حينما يتفلت الحقيقي من بين أيدينا، ما هو إلا ضرب من ضروب الذل والحمق، وما هو إلا هروب إلى الأمام في وقت المواجهة، وانغماس بالنفس في أعماق الوهم المريح؛ خوفًا من أن تدركها مرارة الحقيقة المؤلمة، وسعي خلف ظل القعود الرغيد هربًا من شمس الجد والعمل.

إننا في وقت أعظم ما نحتاج فيه إلى الصدق، وأول خطوة على درب الصدق هي صدقنا مع أنفسنا بإزالة غشاوة الغفلة عن أعيننا، والتمعن جيدًا في الحقيقة التي لا يحجبها ألف غربال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد