بسم الله الرحمن الرحيم

«وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)» (آل عمران)

إنها البشري التي تحمل بين ثناياها ذلك الأمل المنبعث عن إيمان صادق، مُزيلًا كل قيود اليأس، مبددًا كل تلك الأوهام، منيرًا ذلك الدرب الذي يسير فيه المؤمن الفرد، واثقًا من نصر الله، مهما اشتدت المحن، ومهما واجه من قرح، إنه درب الكفاح والجهاد، ذلك الدرب الذي يشعر فيه المؤمن الفرد بمدى عظمة ما يؤديه، واضعًا أمامه هدفًا واحدًا، هو الوصول إلى مجتمع إسلامي، إنه ذلك المجتمع المحكِّم لكتاب الله.

ولم يجعل الله ذلك القرح إلا منحة يميز بها الخبيث من الطيب، متخذًا شهداء، ممحصًا الذين آمنوا، مزيلًا ذلك الرجس، وهو الكفر.

نحن نريد ذلك المسلم الذي في ثباته على الحق أثقل من تلك الجبال الرواسي، مترفعًا عن تلك المجتمعات الجاهلية، عاملاً من أجل هدف واحد، هو الوصول إلى تحكيم كتاب الله.

ولكن هل نظرنا إلى مقومات النصر، تلك المقومات التي خص الله بها من يؤيده بنصره:

(١) الإيمان بالله، ولا يكون ذلك الإيمان في حالة الحرب فقط، وإنما حالة الحرب حالة فردية من حالات الإيمان، ولكن يقصد بالإيمان الشامل لشئون الحياة جميعًا «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».

(٢) التوكل على الله؛ فيكون تأييد الله لهم بذلك النصر الذي يبعثه الله للمؤمنين، وكأنه الهبة المهداه «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)» (آل عمران).

(٣) الخشيه مع الإيمان لله وحده «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)» (آل عمران)، فأصبح جزاؤهم ذلك الجزاء المثلج للصدر، المبهج للروح، المبكي للعين «فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)» (آل عمران).

(٤) الصبر والمثابرة والمرابطة وتقوى الله؛ فأصبح الجزاء «لعلكم تفلحون».

أخي الحبيب طالما أننا نسير علي درب الكفاح والجهاد؛ فاعلم أننا طالما نواجه تلك المصاعب التي جعلها الله امتحانًا لنا؛ فاعلم أننا على حق، إن تبلور الطاغية ناتج عن صنع الإنسان، وغياب العقل، وإعدام الفكر؛ فإن الطاغية أول ما يغيب إنما يغيب الفكرة، تلك الفكرة التي تنبثق في العقل فتنيره، وفي القلب فتزكيه، ويعمل الطاغية أول ما يعمل على إشغال الجماهير بالبحث، والسعي، والجري وراء لقمة العيش لإشباع الذات، ويعمل الطاغية على بث الفتن بين الجماهير، قانونه الأول «فرق تسد»، مستخدمًا كل وسائل البث والنشر، تلك الوسائل الشيطانية الضالة؛ فتهيم الجماهير على وجوهها باحثة عن لقمة العيش، غير آبهة بما يجري من ورائها.

ولكن إذا وجدت هذه الجماهير المنخدعة ما ينير لها العقول ويبث فيها الأمل؛ فإن الحقيقة الكاملة تتكشف حاملة في ثناياها إيقاظ الفكر، وإحياء القلب؛ فتعرف الجماهير حقيقة وجودها، وقوة كيانها، وتدرك أن الطاغية ما هو إلا فرد، قوته تعدل قوة الضعيف منهم، فينتقل حالها من حال الخضوع والخنوع، إلى حال العزة، تلك الحال التي يدرك فيها الطاغية أن حقيقته قد انكشفت، ومصيره قد عرف، وتكشف جوهره فتعي الجماهير أن هذا الطاغية ما هو إلا فرد قد خضعت له فركب، ولا يمكن لفرد أن يخدع أمة تعرف ربها، وتقيم شرائع دينها، وتحكم شرع ربها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد