طيبة فواز 56
طيبة فوازالطيب 56

‏كنت أقرأ كتاب «الأمير» الشهير للفيلسوف الإيطالي «نيقولا ميكيافيللي» الذي يسرد فيه توصياته للأمراء، عن كيفية إدارة الحرب والجيوش وأشياء أخرى، وعند وصولي لموضوع «الفرق العسكرية الأجنبية والمختلطة والمحلية» جذبني هذا المقطع:

الأمير الذكي يجب أن لا يستخدم قوات خارجية، بل يعتمد على قواته الخاصة، ويجب عليه أن يفضل الخسارة التي تلحق بقواته على النصر الذي يأتي عن طريق الآخرين؛ لأن النصر الذي يأتي عبر قوات خارجية هو نصر غير حقيقي!

عندما يسأل أحدهم عن جارٍ قوي؛ ليساعده ويدافع عنه فتصنف هذه القوات على أنها أجنبية مساعدة، لكن هذه القوات لن تكون جيدة في حد ذاتها، وستكون خطرة بالنسبة لأولئك الذين استعاروها؛ لأنهم إذا تخلوا عنك سوف تهزم، أما إذا انتصروا فإنك تبقى أسيرًا لديهم، هذا بالضبط ما حصل في العراق منذ 15 عامًا، حيث أصبح العراق أسيرًا لعدة قوى سيطرت عليها مثل «الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا» الذين لهم قوة ضغط عالٍ على أهم القوى السياسية في العراق، وتأثير كبير على صناع القرار العراقي، وخصوصًا بعد الحرب الأخيرة ضد تنظيم «داعش» الذي كان لإيران دور كبير في هذا الفوز بفضل تسليحها وتنظيمها لجنود الحشد الشعبي لتحرير الموصل، وتكريت، والمناطق الأخرى التي سيطر عليها التنظيم.

لذلك إن أي قرار يصدر سيكون بإخراج إحدى الدول أو جميعها معًا، وحسب مصالحها وأهدافها المخطط لها، هذا الشيء يفقد الدولة نظامها، وحيويتها، وهيبتها، وسيادتها التي يجب أن تكون مفروضة في ظل النظام الديمقراطي، الذي يثير جدلًا كبيرًا حاليًا في العراق من قِبل أغلب الشعب، الذي انعدمت ثقته حاليًا في ظل النظام والطبقة الحالية التي تحمل نفس الوجوه السياسية. إلى جانب كل ذلك، إن رجل الدولة سواء كان رجلًا أو أنثى مهما كان منصبه في الحكومة يجب أن يبعد تفكيره عن الأموال والمكاسب الشخصية، وأن يركز في تفكيره على مصلحة الدولة ومواطنيها؛ حيث إن التفكير في المكاسب الشخصية على حساب الدولة هو أهم الأسباب التي يفقدون فيها صناع القرار السيطرة على دولتهم بالنهاية، وتصبح أسيرة لدول تحكم دولتهم بدلًا منهم. كان العراق وما زال على هذا الوضع، ولم يتغير شيء، بعد تشكيل الحكومة الحالية التي لن تختلف آلياتها عن سابقتها المتمثلة بسياسة المحاصصة.

إذ تزداد الضغوط الحالية مع تواصل المظاهرات في البصرة الفيحاء التي ما تزال تعاني من شُحة المياه النقية، حيث تسمم نصف سكان البصرة، حيث مُلئت المستشفيات في المدينة بحالة التسمم، بالإضافة إلى مطالب أخرى مثل الكهرباء والتعليم، والانتظار والمطالبة بالإفراج عن أكثر من 50 شخصًا الذين تم توقيفهم إثر المظاهرات ومطالبتهم بحقوقهم، علاوة على حقوق أخرى تنتظرها المدن العراقية من الشمال إلى الجنوب.

إن النظام والمؤسسات السياسية الحالية تحتاج إلى إعادة تأهيل من جديدة، وتغيير النظام بأكمله؛ كي يستطيع العراق استرجاع قوته وهيبته، وهذا الشيء لا يحدث إلا إذا اعتمدت الدولة على نفسها، ولم تطلب أي مساعدات خارجية، تُدلي بها إلى تنازلات، لا تكون في صالحها وغير مرضية لشعبها؛ لأن الدولة الخارجية عندما تساعدك هي تفكر في نفسها قبل أن تفكر بك، فهي آتية لتحقيق مصالحها، التي تخدم نجاح سياستها ودولتها على حساب دولتك!

من الضروري أن يكون كل من يرغب في إقامة حكومة جديدة أو يود إصلاح حكومة قائمة إصلاحًا كليًّا، عليه أن يتجاهل منظماتها القديمة، وأن يكون صاحب السلطة المطلقة، وهذا الذي لم تفعله الحكومة العراقية!

كثير من المفكرين السياسيين يقولون إن «ميكافيللي» ديكتاتوري في سرده، وأنا لا أنفي ذلك، ‏‎نعم هو ديكتاتوري، لكن لديه من الملاحظات التي يجب على رجل السياسة اكتسابها مثل؛ المؤامرات، والطيبة، والإحسان، وتملق الحظ والفرص والمغامرة، والسخاء والبخل، وكيف يجذب الرئيس شعبه إليه ويحبوه؟ فيها فلسفات مفيدة، لسنا مجبرين على تطبيقها كليًّا، بل الاقتباس والأخذ بما يستلزم أخذه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك