تستمر الأزمة السورية رغم تشتت الأطراف المتصارعة والقوى التي تحارب على أراضيها لينعقد مؤتمر فيينا لبحث الأزمة السورية، ليسفر بعد مخاض من المشاورات عن الاتفاق على بدء مرحلة انتقالية تبدأ بتشكيل حكومة انتقالية عبر الانتخابات وتنتهي بصياغة دستور جديد للبلاد، دون حسم مصير الرئيس السوري بشار الأسد.

وتعتبر هذه المرة الأولى التي يتوصل فيها المجتمع الدولي لاتفاق يفضي بتحديد إطار زمني لحل الأزمة السورية، والتي تمثلت في خارطة طريق لإقرار وقف إطلاق النار بشكل شامل مدعوم دوليًا دون أن يشمل الاتفاق كلا من « تنظيم داعش» و«جبهة النصرة».

ومن المقرر أن يبت السوريون سواء حكومة أو معارضة في مفاوضاتهم بحلول شهر يناير القادم، لتحديد شكل ومضمون الحكومة التي يفترض أن تتألف من طرفي الأزمة، وذلك في حال تم تحديد الوفد المفاوض لكلا الطريفين.

محادثات فيينا

اتفق ممثلو الدول الـ17 إضافةً إلى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية خلال لقاء فيينا على جدول زمني محدد لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا خلال ستة أشهر وإجراء انتخابات خلال 18 شهرًا رغم استمرار خلافهم على مصير بشار الأسد.

شارك في المحادثات ممثلون عن دول إيران وروسيا والسعودية وتركيا والاتحاد الأوروبي إضافة إلى ممثلين عن دول أخرى مثل الصين ومصر ولبنان والامارات وقطر وسلطنة عمان والأردن.

ونص البيان الختامي على السماح للسوريين في الشتات بالتصويت في الانتخابات، وهي النقطة التي كانت محل خلاف في المفاوضات.

واتفق المجتمعون أيضًا على لقاء آخر في باريس قبل نهاية العام للنظر في التقدم الحاصل بشأن فرض وقف إطلاق نار واختيار الوفود المشاركة في المحادثات السياسية.

وكانت روسيا قد أعدت خطة مؤلفة من 8 نقاط تدعو إلى تنظيم انتخابات بعد عملية إصلاح دستوري تستغرق 18 شهرًا، لتطغى الرؤية الروسية وتثبت مدى قوتها وفعاليتها أمام المقترح الأمريكي الذي كان يدعو لعملية انتقالية تستغرق 6 أشهر.

وهذا هو الاجتماع الدولي الثاني خلال 15 يومًا، ويأتي بعد ساعات من هجمات باريس التي أوقعت ما لا يقل عن 128 قتيلاً.

مواقف دولية

تباحثت الدول المشاركة الأزمة السورية وسبل التوصل لإنهاء الأزمة المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، لتبرز مواقف للدول المشاركة عن موقفها من الأزمة تجاه القرارات التي تم اتخاذها.

وفي هذا الإطار، أعلن وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير أن الدول المشاركة في مؤتمر فيينا قررت بدء محادثات فورية مع جماعات معارضة، والعمل على عقد أول لقاء بين النظام السوري والمعارضة بحلول مطلع يناير المقبل.

من جهتها أشادت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني باجتماع فيينا ووصفته بـ” الجيد جدًّا”، وصرح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس “إن أحد أهداف اجتماع فيينا هو تحديدا أن نرى بشكل ملموس كيف يمكننا تعزيز التنسيق الدولي في مجال مكافحة داعش”،ومن جهتها، قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني إن اجتماع فيينا “يأخذ معنى آخر” بعد اعتداءات باريس.

واتفقت تلك الدول على أن تقود الأمم المتحدة المشاورات لتحديد حيثيات وقف إطلاق النار الذي لن يشمل العمليات ضد تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها من الجماعات التي لم تحدد بعد، كما اتفقت تلك الدول على إجراء الانتخابات طبقًا لدستور جديد بإدارة الأمم المتحدة.

بينما حث الأمين العام للأمم المتحدة الوزراء المجتمعين على “تجاوز خلافاتهم بشأن سوريا” والعمل على مفاوضات تنهي الحرب الدائرة هناك.

وبدوره، أكد الامين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي أن هناك رغبة دولية فى إيجاد حل سياسي للازمة في سوريا حيث تعهدت الدول الخمس دائمة العضوية في اجتماع فيينا الأخيرعلى ضرورة التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يتضمن ما تم الاتفاق عليه في فيينا.

ورغم وضع رؤية واضحة لتنفيذها في إطار زمني لحل الأزمة السورية إلا أنها تبرز عدة عقبات أمام تنفيذها بل تجعل من الصعوبة تطبيقها، وهو ما يعني استمرار الأزمة وعقد مزيد من اللقاءات لا تخلو من قرارات لحل الأزمة على صعيد المتغيرات الميدانية والسياسية.

وتظهر هذه العقبات في:

أولا: من يمثل المعارضة السورية؟

لا شك أن الطرف الظاهر في الحديث عن ممثلي المعارضة يتمثل في الائتلاف السوري المعارض، وفي محاولة لتأكيد دور الائتلاف عقد وزراء خارجية السعودية وقطر وتركيا اجتماعًا موسعًا مع رئيس الائتلاف الوطني السوري خالد خوجة والوفد المرافق له، في حين أبدت فيه دول عدم هيمنة الائتلاف على المعارضة السورية.

من جانبها، انقسمت الآراء داخل الائتلاف السوري لنتائج محادثات فيينا بين القوى الكبرى حول مرحلة انتقالية تنهي النزاع في البلاد، فاعتبرها البعض “غير واقعية” فيما تحدث آخرون بإيجابية.

وهنا رأى العضو في الائتلاف السوري المعارض، أنس العبدة أن البيان الصادر عن محادثات فيينا “ليس واضحًا”، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الحديث عن وقف لإطلاق النار أمر إيجابي بشكل مبدئي على اعتبار أنه يخفف من معاناة السوريين، لكن الأهمية تكمن في تنفيذه.

أما العضو في الائتلاف السوري سمير نشار فأبدى رفضه لنتائج المحادثات، وقال إنها “مبادرة محبطة وغير واقعية”، مضيفا: “البلاد مدمرة، عن أي انتخابات يتحدثون، هناك ضرورة لحصول مصالحات بين مكونات المجتمع السوري”.

من جهة أخرى، رحبت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي بمحادثات فيينا، وقال المنسق العام للهيئة حسن عبد العظيم إن تلك الجهود تقع على «طريق الحل السياسي».

أما مدير مكتب الائتلاف السوري قاسم الخطيب يقول أن اتفاق فيينا اتفق على نقطتين أساسيتين وهما تحديد الجماعات الإرهابية التي تحارب في سوريا والتي يتولى ملفها الأردن، وثانيًا التأكيد على أهمية بدء المرحلة الانتقالية بوجود مفاوضين من كلا الطرفين وهو ما يعني بداية إيجابية لحل الأزمة السورية المستمرة منذ سنوات.

وفي هذا الصدد، تحدث الكاتب والمعلق الأمريكي “ديفيد إغناطيوس” في صحيفة “واشنطن بوست” اتفاق كل من واشنطن وموسكو على شخصية معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الوطني السابق، ومن المحتمل أن يقود “ستيفان دي ميستورا”، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، المحادثات في حال لو وافقت المعارضة على بنود الاتفاق.

وتعقيبًا على ذلك نفى مدير مكتب الائتلاف السوري قائلاً : ” ليس من حق أمريكا أو روسيا تحديد من سيمثل المعارضة السورية”، وبالتنسيق مع الفرقاء سيتم الاجتماع مع مختلف الفصائل السورية في منتصف الشهر القادم في السعودية لبحث وتنسيق واختيار الوفد المسؤول عن التفاوض.

ثانيًا: مصير بشار الأسد

لا يزال مصير الرئيس السوري بشار الأسد مجهولًا، والخلاف قائمًا ما بين دول تدعو إلى تنحيه مع بدء المرحلة الانتقالية والممثلة في كل من “فرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية وقطر”، ودول تصر على أن يبقى الأسد حتى نهاية المرحلة وهي “روسيا وايران ومصر والإمارات” وهو الاتجاه الذي تؤيده الولايات المتحدة الأمريكية.

وكان وزير الخارجية البريطاني فيليب قد دعا قبيل المؤتمر لضرورة تنحي الرئيس السوري “في إطار المرحلة الانتقالية في سوريا”، بينما رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أحدًا لا يملك الحق في المطالبة بتنحي الأسد.

من جهته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن مستقبل سوريا يقرره الشعب السوري فقط بما في ذلك مصير الأسد، مشيرًا إلى أن الوفود السورية ستقرر خلال ستة أشهر تشكيل حكومة الوحدة.

وعنه قال وزير الخارجية الأمريكي: “ما زلنا مختلفين بكل وضوح بشأن مسألة ما الذي سيحدث مع بشار الأسد.. لكننا نعول على العملية السياسية نفسها ـ بقيادة السوريين والتي ستمضي قدمًا ويتفاوض فيها سوريون مع سوريين ـ في أن تسهم في طي هذه الصفحة المزعجة”.

ويبدو أن المفاوضين في فيينا قرروا ترك مصير الأسد لمرحلة لاحقة لحين الاتفاق عليها وفقًا لتطورات المرحلة وما ستفرزه من تغيرات ميدانية، وبالنسبة للمعارضة فهذه المسألة لا تشغل لهم بالًا لأنهم متفقون على أنه لا وجود للأسد في المرحلة الانتقالية القادمة، وليس من حقه الترشح لانتخابات قادمة، برغم الدعم الروسي والإيراني الداعم له.

ثالثًا: تصنيف الجبهات المقاتلة

لا أحد يغفل أن أكثر من جبهة تشارك بقتالها على الأراضي السورية، وفي حال تم الاتفاق على كون داعش منظمة إرهابية فلا يزال الخلاف قائمًا حول تصنيف الفصائل الأخرى لا سيما “جبهة النصرة” و”أحرار الشام”، وقد تم إرجاء الخلاف لحين قيام الأردن بوضع قائمة بأسماء المنظمات الإرهابية على أن يتم رفعها لاحقًا إلى مجلس الأمن الدولي للمصادقة عليها.

ومن ثم فمن المستحيل في ظل عدم تصنيف الجبهات المقاتلة، تحديد المسؤولين عن تنفيذ الاتفاق وتحديد من سيخرق وقف إطلاق النار، حيث يمكن لأي طرف خرق الاتفاق دون القدرة على التحقق من المسؤولين سواء كان داعش أو أي فصيل مسلح أو معارض يحارب في سوريا، وهو ما يشكل اختبارًا قويًا للدول الإقليمية الداعمة للمعارضة بدعم دولي.

وبين تفاؤل بحل الأزمة وتوقعات بفشل القرارات الناجمة عن قمة فيينا، يبقى السؤال هل تصبح فيينا الملاذ الأخير للأزمة السورية وتنجم في نهاية المطاف لحل يقضي بمرحلة انتقالية وتشكيل حكومة ورحيل الأسد، أم سينتقل الملف السوري من قمة لأخرى دون أي جدوى، لتستمر الحروب والتسويات والتكهنات إلى أن يجد جديد في ظل الأطراف المتصارعة على الأراضي السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد