سيقول “الوطنيون” من الناس كلامًا كثيرًا عن أن الأمن أهم من الحقوق والحريات؛ لأن الدولة تواجه الإرهاب، فلتذهب الحقوق والحريات إذن إلى الجحيم. سيقول “الوطنيون” من الناس كلامًا كثيرًا ينزع عن كل مواطن ليس على شاكلتهم صفة الإنسانية، حتى يصبح قتله ـ على الشبهة أو على الهوية ـ شيئًا عاديًا لا ينبغي التوقف عنده طويلاً. سيقول “الوطنيون” من الناس كلامًا كثيرًا يبررون به التهجير الجماعي والاعتقال الجماعي والقتل بالجملة؛ فعندما يتحدث الأمن القومي، يجب أن تخرس الحريات.

***
في سنة 1968، وأثناء حرب فيتنام، قام مصور أسوشيتد برس “إدي آدامز” ومصور تابع لمحطة إن بي سي التلفزيونية بالتقاط صورة وفيديو لإعدام أسير فيتنامي شمالي على يد الجنرال “نوين نوك لوان”، قائد شرطة فيتنام الجنوبية الموالية للولايات المتحدة. استغرق الأمر كله ثوانٍ معدودة، أُعدِم فيها الأسير ـ الذي ظهر في الصورة مكبل اليدين، ومرتديًا ثيابًا مدنية ـ رميًا بالرصاص بلا محاكمة. الجنرال ـ الواقف بين جنوده ـ فجّر رأس الرجل المكبّل برصاصة واحدة من مسدسه الشخصي في شارعٍ من شوارع العاصمة سايجون، تمامًا كما يفعل رجال العصابات.

 

أثارت الصورة الرأي العام الأمريكي والغربي ضد الحرب وضد انتهاكات الأمريكيين وحلفائهم فيها، مما اضطر شرطة فيتنام الجنوبية إلى تبرير جريمة قائدها بأن القتيل كان قائد فرقة إعدام تابعة للحركة الوطنية لتحرير فيتنام الجنوبية (فيت كونج) مهمتها قتل رجال الشرطة وأفراد أسرهم. حتى هذا التبرير ليس كافيًا لقتل إنسان بلا محاكمة.

 

غير أن المصور الصحفي تطوع في حماس بتأكيد رواية الشرطة، رغم أنه لم يرَ القتيل ولم يسمع عنه من الأساس إلا يوم مقتله. لاحقًا أقر مسؤول فيتنامي جنوبي بأن القتيل لم يكن إلا ناشطًا سياسيًّا.
في العام التالي فاز آدامز بجائزة بوليتزر عن هذه الصورة. بعد ثلاثة أعوام، نالت جائزة بوليتزر صورة لمصور آخر في أسوشيتد برس تصور فرار أطفال من قرية فيتنامية لم تتورع قوات فيتنام الجنوبية عن قصفها وإحراقها بمن فيها من مدنيين لأن حفنة من مقاتلي “فيت كونج” موجودون فيها.

 

وفي سنة 1975، سقطت سايجون في يد الشيوعيين، ففر الجنرال إلى الولايات المتحدة، وافتتح مطعمًا للبيتزا، لكنه اضطر لاحقًا إلى إغلاقه بعد أن اكتُشفت هويته (كتب شخص ما على جدار إحدى دورات مياه المطعم: “نحن نعرف من أنت أيها الوغد”)، فلزم منزله وتوقف عن الظهور العلني.

 

ظل آدامز مقتنعًا حتى النهاية بأن الجنرال لم يرتكب أي خطأ أو انتهاك، وظل يدافع عنه حتى النهاية، شاعرًا بالندم لأنه تسبب بصورته في حملة ضد الجنرال الطيب الذي يقتل الإرهابيين دون محاكمة، حتى أنه رد قيمة الجائزة، واعتذر بشكل شخصي للجنرال وأسرته على “الأضرار التي ألحقتها الصورة بسمعته”.

ملحوظة (ليست على الهامش): قوات الفيت كونج أيضًا ارتكبت جرائم حرب أثناء قتالها لنظام فيتنام الجنوبية وحلفائه من الأمريكيين. رغم ذلك يظل الإعدام بلا محاكمة جريمة حرب.

ظل الإحساس بالذنب يلازم المصور الأمريكي حتى توفي الجنرال في الولايات المتحدة، بعد ثلاثين عامًا من الواقعة التي أكسبته سمعته السيئة، فكتب آدامز ـ معربًا عن ندمه ـ في مجلة “تايم”: “لقد قتل الجنرال رجل الفيت كونج، وقتلت أنا الجنرال بكاميرتي”. في نظر المصور الأمريكي، لم يكن الخطأ في الجريمة، بل كان في توثيقها.

 

وأضاف مبررًا جريمة الجنرال: “ما لم تقله الصورة هو ماذا عساك أن تفعل لو كنت أنت الجنرال في ذلك الوقت والمكان، وفي ذلك اليوم الحار، وقبضت على “الشرير” بعد أن أطاح بجندي أمريكي، أو اثنين، أو ثلاثة؟”.

ما لم يقله المصور الصحفي في مقالته: أخفوا الحقائق، وبرِروا الجرائم، وصفِّقوا للإعدام الفوري بلا محاكمة، وألصِقوا تهمة الإرهاب بكل من تلتقط الكاميرات صورته وهو يُقتل أو يُنتهك، من أجل أن ننتصر على الإرهاب في فيتنام.

***

“أولئك الذين يقبلون التخلي عن الحريات الأساسية نظير أمان مؤقت، لا يستحقون الحرية ولا الأمان” ـــ بنجامين فرانكلين.

 

“لن ترى مصر احتكارًا للوطن أو الدين بعد اليوم، واعلموا أيضًا أنه لن يساوم أحد الشعب مرة أخرى على الخبز مقابل الكرامة، ولا على الأمن مقابل الحرية” ـــ من آخر خطاب للرئيس السابق عدلي منصور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد