في سنوات ليست بالكثيرة في عمر البشرية، سادت بضعة علوم بقاع الأرض جميعًا، منها المفيد النافع، ومنا المؤذي الضار، منها حسن النية، ومنها سيئها، منها ما له أسس وقواعد وأصول، ومنها ما هو عشوائي غوغائي لا عقل له ولا لجام، منها ما نور الرأي العام، ومنها ما ضلله، منها ما تسبب في تقدم وتطور إلى الأفضل، ومنها ما أعاد البشرية قرونًا إلى الوراء، منها ما دخل كل بيت عن طلب ورضا، ومنها ما غزاها قسرًا وجبرًا.
والقاسم المشترك بينهم جميعًا هو وضوح جانبه من القبول أو الرفض، بالأغلبية طبعًا لا الإجماع، لكنه على الأقل يحظى بقبول واضح أو برفض بين، فغالبية الناس ضد ما يسمى بالحظ والنصيب والسمات الشخصية التي تبنى فقط على «الأبراج»، كذا أغلب الناس يشجعون الحوسبة باستغلال الحاسب الآلي في الحسابات، والتصميم، والرسم الهندسي، وعلوم الطب والأشعة، واستكشاف الطقس، والتنقيب عن الماء والمعادن والآثار وغيرها.
لكن «التنمية البشرية» ليست من الموضوعات التي تحظى بإجماع الناس سواء معها أو ضدها، اذكر مصطلح التنمية البشرية في جمع من الناس مختلفي الثقافات والمشارب لتجد جدالًا عميقًا، بين مؤيد مشجع ومعارض ساخر، ليؤكد الأول أن التنمية البشرية علم له أصوله وقواعده، وينفي الآخر علاقة التنمية البشرية بالعلم وينسبها إلى الدجل والعرافة والكهانة. وبين هذا وذاك تجد مبتغاك إن أردت راحة الوقوف على التوصيف الدقيق.
أذكر منذ عدة سنوات مضت، حين ذكرت التنمية البشرية أمام صديق لي أحترم رأيه وفكره، وأقدر وأشهد بتمكنه من تخصصه وهو علم النفس، فهو طبيب ناجح ومتميز في مجاله، وما زال يعكف على الدراسة وتحصيل الجديد في علم النفس في جامعات إقليمية وعالمية، ولا يدخر جهدًا أو مالًا للسفر إلى مؤتمر في دولة كذا وكذا؛ فقط لحبه وشغفه بعلم النفس وأصوله، حينما ذكرت التنمية البشرية أمامه ابتسم ساخرًا من تسميتي لها بعلوم التنمية البشرية، وناقشني بهدوء جميل وأدب جم، لكنه لم يسلم أبدًا بأنها تندرج تحت مسمى العلم.
كنت قبل هذا الحوار بسنوات قد حصلت على ماجستير في الجودة الشاملة وإدارة المشروعات، وعلى عدة شهادات في دورات معتمدة من جامعات ومواقع، منها العربية، ومنها الأوروبية والأمريكية، حيث كانت الدراسة باللغة الإنجليزية، وقد أعددت وقدمت العديد من الدورات في مؤسسات حكومية وأهلية وتجمعات خاصة، وقرأت عشرات الكتب في مجالات التنمية البشرية، ورغم كل ذلك، فإنني لم أنتصر لرأيي ولم أدافع عن المجال الذي شغل جل وقتي واهتمامي، ولم أنحز إلى المجال الذي خلف لي سمعة وصيتًا معقولًا بين أقراني وأحبائي ومعارفي، فرحت أبحث عن الحقيقة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
تهدف التنمية البشرية في الأصل إلى تطوير الشعوب، من خلال حسن اكتشاف الإمكانات والقدرات والمواهب واستخدامها وتنميتها لدى الأفراد، وحسن توظيف الموارد المادية والبشرية لدى المجتمعات، وحسن تنظيم منسوبي الهيئات وإدارتهم وقيادتهم من خلال رفع كفاءة الأداء البشري بما يرفع كفاءة الإنتاج والربح، وتجويد المنتجات المستهدفة من قبل المؤسسات المختلفة.
وبناء على هذه الأهداف، فإن كل مجال من مجالات التنمية البشرية يخدم هذه الأهداف، وكل منتج وكل مادة علمية بأشكالها المختلفة، كل ما يخدم هذه الأهداف، وبما لا يتعارض مع العلم والعقل فهو مرحب به، بشرط أن يكون مبنيًّا على أسس علمية سليمة، وقواعد معقولة مستقيمة. إذن فالحديث عن الإدارة والقيادة، والتخطيط والتنظيم، والتقييم والتقويم، وإدارة الوقت، وإدارة الموارد البشرية، وإدارة الأزمات والمخاطر، وتربية النشء، واستراتيجيات حل المشكلات، وغرس القيم والمبادئ، وتحديد الأهداف وصياغتها، وبناء الأساليب والوسائل وتنويعها، وتحليل النتائج، ومهارات التواصل، وفن الإقناع، ومهارات الإنصات، وما شابه تلك الموضوعات المفيدة والعقلانية في الوقت نفسه، فإن كل ذلك محمود مشكور للتنمية البشرية وعلومها، طالما كانت مرفقة بدليل عملي واقعي محدد لا يتنافى مع الثوابت العلمية والدينية، ويتماشى مع صحيح الأعراف والعادات والتقاليد، ويراعي القيم والمبادئ المجتمعية. وسوف تجد في الأسواق كمًا هائلًا من المواد المرئية والمسموعة والمقروءة في كل تلك المجالات، كما تتوفر الدورات التدريبية والمؤتمرات والندوات في كل مكان، حتى وصل الأمر إلى مرحلة الإغراق فعلًا.
ومن الناحية الأخرى وللأسف الشديد، فإن هذه العلوم قد شابتها شوائب كثيرة، ولم تسلم من عدوان التلوث والتلون الفكري، ودخل عليها ما ليس منها، وزيدت عليها زيادات هي أقرب إلى الدجل والخرافة منها إلى العلم الصحيح، ربما عن حسن نية، والأرجح عن سوء نية وقصد، لتدمير بناء رائع يفيد البشرية جمعاء، وتحويله إلى مؤلفات خرافية، ومؤتمرات هزلية، ودورات تدريبية خاوية من الفائدة الحقيقية. فصار كل من هب ودب يشتري زيًّا أنيقًا، ويستأجر قاعة مبهرة، ويستصحب مجموعة شهادات كلها عبر الإنترنت مباعة أكثر منها مستحقة، ومع دعاية محترفة يصير عالمًا يشار إليه بالبنان، تدفع مالك له مقابل حكايات وكلمات ملهمة، لكنك لا تخرج منه بقاعدة علمية محترمة، أو جدول تشغيل محدد، أو خطة مبنية على أسس وقواعد، بل الأخطر، أنك ربما تتعلم منه سلوكيات خاطئة، وتشتري منه أوهامًا لا آمالًا.
ولعلك تستمع إلى نصائح ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، تسمعها فتعجبك، وتنفذها فتفسدك، والأمثلة على ذلك ما أكثرها. فأحدهم مثلًا يحثك على الثقة بنفسك وقدراتك وقوة عقلك، ويؤكد لك أنك لا تستخدم أكثر من 10% من طاقتك العقلية، وباستغلالك المتبقي منها سوف تكتشف عبقريتك، ويدلل على ذلك بإحصائيات وأرقام تدهشك، لكن الواقع أن كل ذلك لا أصل علمي له ولا أساس، حتى إن تلك الإحصائيات غير موجودة في الأساس، بينما تداولتها المواقع والمقالات والمنشورات، حتى بدت وكأنها حقيقة علمية، وهي ليست كذلك بحال، والأدهى من ذلك أن مجرد ثقتك بنفسك وقدراتك لا تكفيك لتنجح، فربما ثقتك في غير محلها، وربما لست كفؤًا فعلًا، وحاجتك إلى سد الخلل والنقص بك بالتنمية والتدريب والتطوير أولى من دفن رأسك في الرمال ووقوفك «محلك سر» تحت دعوى الثقة بالنفس.
وآخر يدفعك إلى التمسك بهدفك والمحاربة من أجله، وبذل الغالي والرخيص في سبيل ذلك حتى النهاية، والتي سوف تتمكن فيها من تحقيق أهدافك، وإن مرت سنون وسنون، وهذا ظاهره خير، لكنه ربما يكون تضييعًا للعمر والطاقة في سبيل أهداف هي أولى بالمراجعة والتقييم، فربما كانت أهداف هي التي يجب في حقها التغيير لا الوسائل، فإن كنت معلمًا في مدرسة حكومية في دول العالم الثالث فإن هدفك أن تكون مليارديرًا، وتوظيف كل عمرك في سبيل تحقيق ذلك هو حمق وجنون لا عزيمة وإصرار، ومن الخرف أن تظل تحاول وتحاول، والأولى بمدرب التنمية البشرية حينذاك أن يقنعك بتعديل هدفك، لا أن يبيع لك الأوهام والأباطيل تحت زعم قوة التحفيز والإلهام.
لكن الأخطر من كل ما سبق هو إقحام موضوعات مثل الطاقة الكونية، والبرمجة اللغوية العصبية، وما ينبني عليهما من خرافات ودجل، هي أضر على الدين منها على العقل، وكلاهما تجد فيهما مؤلفات تعج بها المكتبات العامة والخاصة والإلكترونية وضاقت بها الأرصفة في الشوارع، فغرت كثرتها وأوهم انتشارها بأنها حقائق مفيدة، والحديث عن كليهما ومدى مخالفتهما للدين والعلم والعقل يطول شرحه، وربما سمح الوقت في مقال لاحق إن شاء الله، نوضح فيه تفصيلًا.
ولعلك تجد في السيرة الذاتية لمؤلف الكتاب ما يبهرك ويخدعك، حتى وصل الأمر إلى أنك تجده في موقع ويكيبيديا بالعربية، لكن من المهم لكي تكتشف مدى أهمية ووزن تلك المؤلفات وهؤلاء المؤلفين والمدربين هو الرجوع إلى موقع ويكيبيديا بالإنجليزية؛ لتجد أنهم لا أثر لهم، وإن اغتررت باجتياحهم ساحات وقاعات الجامعات العربية، فانظر لهم كيف لم يقتربوا مساسًا بالجامعات العالمية العريقة، رغم قضائهم جل أوقاتهم في الغرب، ورغم الشهادات التي يحتاج كل واحد منهم إلى متحف خاص ليكفيه مؤونة عرضها على العامة، وكم الشهادات نفسها كان يدعو إلى التعجب، لكنه الآن صار معروفًا حين أغرقتنا المواقع المختلفة بعروضها السخية، حتى وصل الأمر وكأنها عروض تسويقية من كارفور مثلًا «ادرس دورتين لتستلم شهادتين ومعهم شهادة بدورة ثالثة مجانًا»، ناهيك عن شهادات تحت عناوين مبهرة «تمنح» دون دراسة حقيقية، ودون اختبار اجتياز واضح المعالم طالما توفرت «الفيزا» للدفع.
ولعلنا نجمل فنقول الجملة الرائعة التي ورثناها عن فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله- «حسنه حسن وقبيحه قبيح»، فنأخذ من التنمية البشرية كل ما يفيد مما يتناسب مع العقل والنقل، ونرد منه ما يحوي دجلًا وتخريفًا. حتى أنني أميل إلى عدم الأخذ بكل ما كتب الغرب في هذا المجال بالحرف، وإنما نحذو حذو الشيخ الفيلسوف الراحل محمد الغزالي – رحمه الله- حين قدم لنا كتاب الرائع ديل كارنيجي «دع القلق وابدأ الحياة» في ثوب إسلامي أصيل هو «جدد حياتك»، كما أن تجربة الدكتور أحمد صالح عبد الله الغامدي في كتابه «رؤية إسلامية في كتاب العادات السبع الأكثر فعالية» هي تجربة رائدة في دراسة أحد أفضل كتب التنمية البشرية في العالم. لعلنا في وقت ما، وبجهود المخلصين المتخصصين، نعيد التنمية البشرية بوصفه علمًا نافعًا مفيدًا إلى أصله وهدفه الذي أنشئ من أجله، وأن نطهره من كل ما لحق به من زيادات وشوائب تخرجه عن مساره الصحيح، وتسبب صد الناس عنه إجمالًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنمية بشرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد