استوقفتني بعض كلمات الأطباء وبعض من يحسبون على طبقة المثقفين حيث كان لهم في كبار السن والمرضى الذين فقدوا القدرة على العطاء رأي كان غريبًا بالنسبة لي وما زاد استغرابي هو مشاهدتي لخبر في إحدى الدول الأوروبية حيث أجازوا للشخص المريض والكبير أن يقدم على الانتحار، ولكن بطريقة نظامية، وتحدث في غرفة ضمن مستشفى، حيث يتنفس غازًا وهو مخدر، ولا يحس بالألم، ويموت بهدوء وسكينة.

الرأي الأول

يرى أصحاب هذا الرأي أن المنطق يتكلم عن أن الإنسان الكبير والمريض والذي يصبح عالة على المجتمع ولا يستفاد من بقائه أي شيء سوى صرف المبالغ المالية بغية شراء أدوية ومستلزمات طبية وأجهزة وغيرها في سبيل إبقائه على قيد الحياة ناهيك عن انشغال الأشخاص في هدر وقتهم في رعاية هؤلاء الراقدين في الفراش وبانتظار الموت، ولذلك هم يرون أن من الضروري أن يتم إنهاء حياة مثل هؤلاء بطريقة إنسانية من أجل توفير الأدوية والمستلزمات للأشخاص المؤمل منهم النجاة من مرضهم والعودة للحياة.

ويرى في نفس الوقت البعض أن انهاء حياة الشخص هي بمثابة تخليصه من آلامه المستمرة وهو ما يسمونه بإطلاقة الرحمة والتي كانت تنهي حياة الأحصنة التي تصاب بالكسور؛ لأنها لا تنفع في شيء بعد الإصابةـ وأن علاجها غير مضمون، وأنها ستقضي بقية حياتها متألمة من كسورها وجراحها وأفضل حل هو إنهاء حياتها بسرعة، ونفس هذه الفكرة يريدون تطبيقها مع البشر.

الرأي الثاني

ينظر أصحاب هذا الرأي إلى الجانب الإنساني العاطفي من الموضوع؛ فهم يعتقدون أن هذا الإنسان المريض يستحق الرعاية مهما تطلب الأمر من صرف وتعب ومجهود لأن الحياة هي بمثابة دين وعلى الإنسان ان يؤدي ديونه فليست الحياة أخذ فقط، وإنما أخذ وعطاء، ولهذا فإن هذا الإنسان الذي قدم للآخرين جهده وبعد أن أسقطه المرض وحوله إلى مشلول أو عاجز عقليًا فإنه لا يمكن نكران ما قدمه في الحياة بسهولة، ولهذا فمن واجبنا الأخلاقي هو تسديد الدين ورعايتهم بأحسن وأفضل ما يمكن.

ويرى البعض منهم وخاصة الأطباء بأنهم ملزمون بالعناية بكل الناس دون تمييز لهم لأنهم أقسموا على ذلك ومن أجله يبذلون كل ما يملكون من خبرات ومحاولات من أجل إبقاء الحياة في هذا الإنسان، لاسيما وأنهم يرون التأثير العاطفي في ذلك على أنفسهم وعلى المقربين من أولئك المرضى المتعبين، حيث يعتقد أصحاب هذا الرأي أن الحالة النفسية والتي هي جانب معنوي من الإنسان لها تأثيرها على صحته الشخصية وتؤثر أيضًا على أفراد عائلته وأصدقائه سلبًا وإيجابًا.

الرأي الثالث

يرجع أصحاب هذا الرأي إلى التعاليم الدينية التي توجه إلى ضرورة رعاية الإنسان مهما كلف ذلك، ويوجه الناس إلى أهمية عيادة المريض وثواب ذلك الكبير، والأكبر منه هو الذي يناله من يرعى أبويه بارًا بهما حيث يؤدي ما أدياه معه في صغره، فمنطق الدين يوجه إلى أهمية الاهتمام بالإنسان وأن الرحمة هي أساس تكوين الإنسان، وأنه بدون هذه الرحمة سيخرج من كونه إنسانًا أو حيوانًا ليتحول إلى سكين جامدة لا تعرف سوى التقطيع والتسبب بالجراح.

الدين لا يناقش رعاية الإنسان فقط، بل هو يناقش الرحمة الواجب بثها إلى كل الموجودات الأخرى حتى الحيوانات فهي أيضًا تستحق الاهتمام بها ومعالجتها ورعايتها، ولا توجد أي توجهات دينية تمنع من ذلك.

بعد الاطلاع على الآراء في كبار السن والمرضى ولكوني أميل إلى اتباع التعاليم الدينية فأنا أقف مع جانب نشر الرحمة والاهتمام بكبار السن ورعايتهم وبذل المستطاع في سبيل علاجهم، لاسيما وأنا أؤمن أن الله تعالى هو من يحدد ساعة الموت، وأنا لا أحب ان أكون السبب في اقتراب تلك الساعة لأي إنسان، ولكن تبقى آراء الآخرين هي موضوعة للنقاش قد يراها البعض صائبة أو منحرفة أو شاذة، ولكني أراها مجرد آراء لها أسبابها وأدلتها، وأنتم لكم الرأي والتعليق.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد